غولان.. الوجه الخفي لشبكة مرتزقة امتدت من اليمن إلى قلب أوروبا

الرئيس السابق للموساد أكد لاحقا معرفته بغولان، ووصفه بأنه كان صهيونيا متحمسا
بعد نحو عقد من التقاط الصور ورسم مسارات الحركة، عرف الناشط البريطاني أنس التكريتي أخيرًا هوية الفريق الذي راقب منزله وسيارته وطريقه إلى العمل في لندن.
ففي 19 أغسطس/ آب 2026، كشف تحقيق لقناة "آي تي في نيوز" البريطانية أن المرتزق الإسرائيلي المجري أبراهام غولان قاد عام 2016 عملية سرية لمراقبة التكريتي، بينما كان يتلقى أموالًا من الإمارات ويقول: إنه يعمل لمصلحتها.
لكن كيف انتقل غولان من إدارة فرق اغتيال في اليمن إلى ملاحقة ناشط بريطاني داخل بلاده؟ ومن وفر له التمويل والمعلومات والغطاء؟ وأين ينتهي دور المرتزق وتبدأ مسؤولية الدولة التي استعانت به؟

غاية السرية
بدأت القصة التي كُشف عنها حديثًا في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، عندما تواصل غولان مع مستشار استراتيجي بريطاني سبق أن استعان به في عمليات خارجية، وأطلق عليه تحقيق "آي تي في نيوز" اسم "فيكتور" لحماية هويته.
وسأل غولان عن إمكانية الوصول إلى أنس التكريتي ومؤسسة قرطبة، وأرفق رابطًا لصفحة الناشط البريطاني على "ويكيبيديا"، قبل أن يطلب إبقاء الأمر في غاية السرية.
ولم تكن الرسالة طلبًا عامًا للحصول على معلومات، إذ توالت بعدها أسئلة عن عنوان التكريتي الشخصي، ومقر المؤسسة، والمقهى والمسجد اللذين يرتادهما. وكتب غولان في رسالة لاحقة: "الحرب قادمة إلى أوروبا، ونحن في بداية برنامج ضخم".
ووصل غولان إلى لندن مطلع ديسمبر/ كانون الأول 2016، والتقى "فيكتور" داخل حانة في وسط المدينة، برفقة عنصر سابق في القوات الخاصة الأميركية.
وقال خلال الاجتماع: إنه يعمل مع الإمارات، وإن أبوظبي تعدّ التكريتي ومؤسسة قرطبة مرتبطين بجماعات إرهابية في سوريا، وتتهمهما باستقطاب شبان مسلمين للقتال مع تنظيمي "الدولة الإسلامية" و"القاعدة".
ووفق شهادة "فيكتور"، تحدث غولان عن عملية مراقبة تنشئها الإمارات في لندن، ثم عرض عليه 50 ألف جنيه إسترليني مقابل المساعدة، قبل أن يرفع المبلغ إلى 100 ألف جنيه، على أن يتم تحويله عبر حساب خارجي وطرف ثالث.
وتظهر الرسائل والوثائق التي راجعها التحقيق أن فريق غولان التقط صورًا لمنزل التكريتي وسيارته ومقر عمله، وأعد خرائط لمساراته المتوقعة، وحدد مدخل مكتبه، واستخدم صور الأقمار الصناعية لدراسة محيط المواقع.
كما طلب غولان من "فيكتور" انتحال صفة مؤلف يعد كتابًا عن جماعة الإخوان المسلمين، بهدف استدراج التكريتي إلى لقاء في مكان مفتوح.
وخلال اجتماع ثان، سأل شريك غولان عما قد يحدث إذا حاول التكريتي الفرار، ليتوقف غولان ويمرر إصبعه على رقبته. وفهم "فيكتور" الإشارة على أنها دليل على احتمال انتهاء عملية المراقبة بتصفية جسدية، فقرر الانسحاب.
وفي 14 ديسمبر/ كانون الأول، غادر غولان إلى واشنطن، لكنه أبلغ "فيكتور" بأن الفريق بأكمله موجود في لندن وأن العملية مستمرة.
صهيوني متحمس
وخلف عملية لندن يقف رجل لا تتوافر عنه سيرة عامة مكتملة. ولد أبراهام غولان في المجر لأسرة يهودية، ويحمل الجنسيتين المجرية والإسرائيلية، وعاش لسنوات في إسرائيل قبل انتقاله إلى الولايات المتحدة.
وقدم غولان نفسه بوصفه ضابطًا سابقًا في الفيلق الأجنبي الفرنسي برتبة "رائد"، إلا أن عسكريين تعاملوا معه قالوا: إن خبرته الميدانية وسلوكه أظهرا امتلاكه تدريبًا قتاليًا حقيقيًا.
ودخل غولان سوق الأمن الخاص عبر حماية المصالح التجارية، وعمل عام 2008 على تأمين سفن ومنشآت مرتبطة بعمليات الطاقة قبالة سواحل نيجيريا من أعمال التخريب والهجمات المسلحة.
وخلال الفترة نفسها، أسس شركة “غلوبال ستراتيجيك غروب” التي قدمت خدمات أمنية وتدريبية وحماية لشركات وأفراد وحكومات، مع تركيز على قطاع الطاقة في إفريقيا.
وارتبطت الشركة بداني ياتوم، الرئيس السابق لجهاز الموساد، الذي تولى رئاستها، وفق تقرير لموقع "إنتليجنس أونلاين". وأكّد ياتوم لاحقًا معرفته بغولان خلال عملهما في القطاع الخاص، ووصفه بأنه كان يبدو "صهيونيًا متحمسًا" ومستعدًا لتحمل مخاطر كبيرة من أجل إسرائيل، لكنه قال إن علاقتهما لم تكن واسعة، ونفى أي صلة له بعمليات اليمن.
وجاء التحول الأكثر أهيمة عام 2015، عندما أسس غولان مجموعة "سبير" للعمليات في ولاية ديلاوير الأميركية. ولم تكن الشركة تمتلك جيشًا دائمًا، بل بنت نموذج عملها على استدعاء خبرات عسكرية متخصصة وفق طبيعة كل مهمة.
وضمّت شبكته إسحاق غيلمور، العضو السابق في قوات "نافي سيلز" ومدير عمليات الشركة، وديل كومستوك، العنصر السابق في القوات الخاصة الأمريكية الذي تولى دورًا ميدانيًا، إلى جانب عناصر سابقين في الفيلق الأجنبي الفرنسي ووحدات أميركية خاصة.
وبحلول نهاية عام 2015، كان غولان وغيلمور قد شكلا فريقًا من نحو 12 عنصرًا. وتبرز خطورة هذا النموذج في تحويل الخبرة التي اكتسبها هؤلاء داخل جيوش نظامية إلى خدمة تجارية: شركة أميركية مسجلة بصورة قانونية، ومقاتلون من جنسيات متعددة، وعمليات خارجية لا تخضع لسلسلة القيادة أو الرقابة التي تحكم القوات المسلحة الرسمية.
ومن هذه البنية خرج الفريق الذي ستتعاقد معه الإمارات لتنفيذ برنامج اغتيالات في اليمن.

مليشيا باليمن
بدأ العقد الإماراتي باجتماع عُقد داخل قاعدة عسكرية في الإمارات عام 2015، بحضور محمد دحلان، القيادي الفلسطيني السابق ومستشار قيادة أبوظبي.
ووفق رواية غولان وغيلمور، تفاوض الطرفان على برنامج لاستهداف شخصيات تعدها الإمارات إرهابية أو مرتبطة بحزب الإصلاح اليمني، بينما وصفت أبوظبي المهمة بأنها جزء من عمليات مكافحة الإرهاب في إطار تدخلها العسكري في اليمن.
وبحسب تحقيق لموقع "بازفيد" والدعوى القضائية المرفوعة لاحقًا في كاليفورنيا، حصلت شركة "سبير" على 1.5 مليون دولار شهريًا، إضافة إلى مكافآت عن عمليات القتل الناجحة.
وتلقى كل مقاتل أميركي نحو 25 ألف دولار شهريًا، إلى جانب الحوافز. كما كشفت السجلات السرية التي راجعتها "آي تي في" أن غولان كان يحصل على مبلغ احتفاظ سنوي من ستة أرقام ومدفوعات بملايين الدولارات، كما تلقى، قبل وصوله إلى لندن بأسابيع، مكافأة قدرها مليون دولار عن عملية استهدفت شخصًا في اليمن.
ولم يعمل الفريق بعيدًا عن المنظومة الإماراتية؛ إذ نقلته طائرات عسكرية، ووفرت له الأسلحة والمتفجرات والمركبات والزي والبطاقات والرتب العسكرية الإماراتية.
وقال ديل كومستوك لـ"آي تي في": "من جميع النواحي والأغراض، كنا جنودًا إماراتيين".
ومن قاعدة في إريتريا، تسلم الفريق قائمة تضم 23 بطاقة، تحتوي كل منها على اسم الهدف وصورته ودوره وعنواني منزله ومكتبه، إضافة إلى معلومات استخباراتية تساعد في تعقبه.
وكان أول هدف معروف أنصاف علي مايو، النائب اليمني والقيادي في حزب الإصلاح بمدينة عدن. وفي الأيام السابقة للهجوم، طلب غولان من "فيكتور" إعداد إحاطة عن مايو.
ووصف التقرير الشخصية المستهدفة بأنها معتدلة وبراغماتية، لكن المستشار لم يكن يعلم أن تحليله سيُستخدم ضمن خطة اغتيال في اليوم التالي لتسليمه.
وفي 29 ديسمبر/ كانون الأول 2015، راقب الفريق تحركات مايو ووصل إلى مقر عمله، ثم زرع عبوة عند المدخل. ووفق الدعوى، كانت الخطة تقضي بقتل الموجودين في الانفجار وإطلاق النار على الناجين، لكن مايو غادر بعد تلقي تحذير قبل تفجير العبوة، ثم فر إلى السعودية.
وأقر غولان لاحقًا بأصل البرنامج، قائلًا لـ"بازفيد": "كان هناك برنامج اغتيالات مستهدفة في اليمن. كنت أديره. نحن فعلنا ذلك. وقد أجازته الإمارات ضمن التحالف".
كما قال: إن فريقه نفذ اغتيالات أخرى، لكنه رفض الكشف عن أسماء القتلى. ولا تسمح الأدلة المفتوحة بإسناد موجة الاغتيالات الكاملة التي شهدها جنوب اليمن إلى مجموعة "سبير"، لكنها تثبت وجود البرنامج ومحاولة قتل مايو واندماج الفريق داخل القوات الإماراتية.
وفي عام 2024، كشف تحقيق لـ"بي بي سي" أن عناصر الشركة دربوا لاحقًا قوات يمنية محلية على تكتيكات الاغتيال، ما يشير إلى انتقال البرنامج من التنفيذ الأجنبي المباشر إلى بناء قدرة محلية تواصل العمل بعد انسحاب المرتزقة.

عابرة للحدود
لم تكن لندن المحطة الخارجية الوحيدة في شبكة غولان. ففي مطلع عام 2018، سافر إلى صربيا برفقة دانيال كوربيت، وهو عنصر سابق في الوحدة السادسة من قوات "نافي سيلز".
واعتُقل كوربيت في بلغراد لحيازته مسدسًا أزيل رقمه التسلسلي، وظل محتجزًا نحو 18 شهرًا. وربطت وسائل إعلام صربية وروسية وجوده باحتمال التخطيط لاغتيال شخصية سياسية، بينما قال كوربيت لاحقًا: إنه كان ينفذ استطلاعًا بشأن شخصية دينية.
ورفض غولان توضيح هدف الرحلة، ولم تظهر أدلة قضائية علنية تثبت وجود خطة لاغتيال الرئيس الصربي أو أي شخصية محددة.
وتكشف هذه المحطات قدرة شبكة غولان على الانتقال من ساحة حرب إلى عواصم أوروبية، مع تبديل الشركات والأفراد والواجهات. لكن انكشاف عملياته لم يقابله مسار جنائي معلن.
فبعد تحقيق عام 2018، طالب عضوا مجلس الشيوخ الأمريكي إليزابيث وارن وبوب مينينديز وزارتي العدل والخارجية بالتحقيق في احتمال انتهاك قانون جرائم الحرب، وقواعد تصدير الخدمات الدفاعية، واستخدام عسكريين أميركيين سابقين في عمليات اغتيال لمصلحة دولة أجنبية.
ومع ذلك، قال مركز العدالة والمساءلة إنه لم يُعلن عن إجراء تحقيق حكومي أميركي في أنشطة مجموعة "سبير".
وجاء أول مسار قضائي بارز في 18 ديسمبر/ كانون الأول 2025، عندما رفع أنصاف علي مايو دعوى أمام المحكمة الفيدرالية للمنطقة الجنوبية من كاليفورنيا ضد غولان وغيلمور وكومستوك.
واتهمتهم الدعوى بمحاولة قتل خارج نطاق القضاء، وارتكاب جرائم حرب، والمساعدة في اضطهاد خصوم الإمارات السياسيين. وفي مارس/ آذار 2026، سمحت المحكمة بكشف أوراق القضية وباستخدام وسائل بديلة لتبليغ غولان، ثم طلب مايو في مايو/ أيار تسجيل تخلف غولان وغيلمور عن الرد.
ولا تزال القضية مدنية ومنظورة، ولم يصدر حكم يثبت مسؤولية أي من المدعى عليهم أو يبرئهم.
وتكمن خطورة نموذج غولان في المسافة التي يصنعها بين الدولة والفعل؛ فالإمارات تقدم التمويل والأهداف والمعلومات والوسائل، بينما تتولى شركة مسجلة في دولة أخرى تجنيد منفذين يحملون جنسيات متعددة.
وإذا انكشفت العملية، يستطيع كل طرف الادعاء بأنه لم يصدر الأمر النهائي أو لم يكن يعلم طبيعة المهمة كاملة. وهكذا يتحول المرتزق إلى ذراع يمكن استخدامها خارج الحدود من دون إعلان حرب أو إرسال قوات رسمية، بينما تصبح السيادة والقانون والمساءلة أبطأ من شبكة قادرة على الانتقال بين عدن ولندن وبلغراد.

















