تسونامي نيبال.. انهيار جليدي يبتلع قرى ويخلف مئات الضحايا والمفقودين

السلطات الرسمية في نيبال أعلنت انتشال أكثر من 270 جثة حتى الآن
في فاجعة إنسانية وبيئية غير مسبوقة، اجتاحت فيضانات طينية كارثية المنطقة الحدودية بين نيبال وإقليم التبت الصيني، وجرفت قرى بأكملها وتسبَّبت في حصيلة مأساوية من الضحايا والمفقودين، ليعيد هذا الحادث صياغة الوعي الجمعي حول مخاطر التغير المناخي المتسارع في قمم الهيمالايا.
الكارثة بدأت صباح يوم 26 أغسطس/آب 2026، نتيجة انهيار جليدي صخري ضخم (من جبل جليدي) أدى إلى انهيار أرضي سد مجرى نهر "بوتيكوشي" و"تريشولي"، مما تسبب في اندفاع جدار هائل من المياه والوحل جرف قرى بأكملها، ومحى بلدات كاملة من الخريطة في غصون ثوانٍ معدودة.
وأعلنت السلطات الرسمية عن حصيلة مفجعة تمثَّلت في انتشال أكثر من 270 جثة حتى الآن، في حين بات أكثر من 1500 شخص في عداد المفقودين تحت الأنقاض الطينية الكثيفة، وسط استنفار جوي وبحري واسع النطاق لفرق الإنقاذ العسكرية والدولية للسيطرة على آثار الكارثة.
ومن بين الضحايا والمفقودين مئات الحجاج والسياح الأجانب الذين حاصرتهم السيول في الممرات الجبلية الوعرة؛ إذ أشارت تقارير إخبارية ميدانية إلى أن الكارثة داهمت ممراً جبلياً يرتاده الحجاج والمتنزهون المتوجّهون إلى جبل كايلاش.
وشملت قوائم المفقودين مئات السياح الأجانب من جنسيات متعددة؛ إذ قالت وزارة السياحة النيبالية: إن 403 سياح بينهم 341 أجنبيًّا من جنسيات مختلفة لا يزالون في عداد المفقودين.
وأوضحت هيئة السياحة أن 142 مواطنا هنديا إضافة إلى مواطنين من أستراليا وبريطانيا وماليزيا وهولندا والبرتغال وجنوب إفريقيا وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة، سجّلوا في عداد المفقودين.
وأعلنت هيئة كهرباء نيبال رسمياً عن توقف وتضرر 12 محطة توليد طاقة كهرومائية وشمسية بقدرة إجمالية تصل إلى 430 ميغاوات، إلى جانب تدمير 19 جسراً حيوياً للسيارات وأكثر من 40 كيلومتراً من الطرق السريعة، مما تسبب في انقطاع الكهرباء والاتصالات وعزل منطقتي "نواكوت" و"راسوا" تماماً.
بدوره، أعلن رئيس الوزراء النيبالي حالة الطوارئ القصوى في المناطق المتضررة، ووجّه الجيش والشرطة باستخدام المروحيات كافة المتاحة لإنقاذ العالقين فوق أسطح المنازل، محذراً من تشكل بحيرات سدّية مؤقتة غير مستقرة قد تنفجر وتسبب موجة فيضانات ثانية.
وقدَّم الاتحاد الأوروبي تعازيه الرسمية لحكومة نيبال وقام بتفعيل خدمة الأقمار الصناعية (كوبيرنيكوس) لرسم خرائط المناطق المنكوبة لدعم فرق البحث، في حين أعلن الصليب الأحمر الدولي عن تخصيص تمويل طارئ بقيمة 1.2 مليون دولار لتوفير المأوى والرعاية الطبية العاجلة للمتضررين.
هشاشة جيولوجية
وتقع نيبال في قلب جبال الهيمالايا، وهي منطقة تعاني من هشاشة جيولوجية طبيعية تجعلها عرضة للانهيارات الأرضية والفيضانات المفاجئة، خاصة مع وجود مئات البحيرات الجليدية المقامة فوق قمم الجبال والتي تتغذى على ذوبان الثلوج.
وتأتي هذه الكارثة في سياق تزايد حدة التغيرات المناخية العالمية؛ حيث تؤدي الارتفاعات غير المسبوقة في درجات الحرارة إلى ذوبان سريع وغير مستقر للكتل الجليدية.
ويتسبب ذلك في إضعاف التماسك الصخري الجبلي ويؤدي إلى انهيارات صخرية جليدية ضخمة تنحدر نحو الوديان ومجاري الأنهار لتخلق كوارث فيضانات مباغتة وعنيفة.
وشهدت نيبال في أواخر سبتمبر/أيلول 2024 واحدة من أعنف موجات الفيضانات والانهيارات الأرضية الناجمة عن أمطار موسمية غزيرة تجاوزت المعدلات الطبيعية، وأسفرت عن مقتل أكثر من 240 شخصاً وإصابة المئات.
كما أغرقت الفيضانات أجزاء واسعة من العاصمة كاتمندو وتسببت في تدمير شامل للبنية التحتية ومحطات الطاقة، مما كشف حينها عن ضعف خطط الطوارئ الحضرية.
وفي يونيو/حزيران 2021، ضربت فيضانات مفاجئة ناجمة عن انهيارات طينية وصخرية حوضَ نهر ملامتشي، مما أدى إلى مقتل وعزل العشرات وتدمير مشروع مياه الشرب الإستراتيجي الذي يغذي العاصمة.
وجرفت السيول وقتها مئات المنازل والأراضي الزراعية الخصبة، مما سلط الضوء على مخاطر الفيضانات المفاجئة الناشئة في أعالي الجبال.
كما تعرضت نيبال في 2017 لفيضانات عارمة غمرت منطقة "تيراي" السهلية الجنوبية بالكامل، والتي تعدّ السلة الغذائية للبلاد.
وأدت تلك الفيضانات إلى مقتل حوالي 150 شخصاً وتشريد مئات الآلاف، وتدمير نال المحاصيل الزراعية والماشية، مما تسبب في أزمة أمن غذائي ممتدة، وأثبت أن خطر الفيضانات لا يقتصر على الممرات الجبلية بل يمتد للمناطق السهلية.
صدمة وتضامن
وعبر ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي عن صدمة عميقة وهول كبير أمام مشاهد الفيديوهات المتداولة التي تظهر جدار المياه والوحل يندفع بقوة هائلة ليبتلع المنازل والقرى في مناطق نواكوت وراسوا بنيبال، معربين عن رهبتهم من سرعة الكارثة وعجز السكان عن الفرار أو إنقاذ ممتلكاتهم.
وأشاروا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #نيبال، #فيضانات_نيبال، #الصين، وغيرها، إلى أن القرى اختفت من الخريطة في ثوانٍ معدودة، ووصفوا المشهد بأنه أشبه بكابوس واقعي يفوق الخيال، متداولين مقاطع فيديو وصورا توثق الكارثة.
ولفت ناشطون إلى أن هذه اللحظات المرعبة تذكّر بضعف الإنسان أمام قوة الطبيعة، ودعوا إلى الدعاء للمتضررين والمفقودين، مع التركيز على هول الدمار الذي شمل الجسور والطرق والمنازل في لحظات قصيرة، مما أثار موجة من التعاطف والتضامن والتعجب على نطاق واسع.
أبعاد دينية
وتحدث ناشطون عن قدرة الله والدلالات الدينية للكارثة فور انتشار مقاطع الفيديو المرعبة لفيضانات نيبال والتبت، وتداولوا آيات من القرآن الكريم تصف تلاشي زينة الأرض وقدرة الإنسان أمام إرادة الله.
واستشهد البعض بالآية 24 من سورة يونس: ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾.
وعدّ قطاع واسع من المعلقين أن توالي الكوارث الطبيعية العنيفة والمفاجئة حول العالم (من فيضانات، وحرائق، وتغيرات مناخية) هو بمثابة "تذكير إلهي" يوجب التوبة، والرجوع إلى الله، والإكثار من الاستغفار والدعاء برفع البلاء واللطف بالبشرية من فواجع الأقدار.
خطر مناخي
وأشار ناشطون إلى أن تسارع ذوبان الأنهار الجليدية الناتج عن ارتفاع درجات الحرارة يزعزع استقرار الجبال في الهيمالايا، ويزيد من احتمالية الانهيارات الجليدية والصخرية التي تسدّ الأنهار ثم تنفجر مسببة سيولاً طينية عارمة.
ووصفوا الحدث بأنه مرتبط بتسارع فقدان الجليد والثلوج، وضعف المنحدرات بسبب ذوبان الجليد الدائم، مع التأكيد على أن تغير المناخ يزيد قابلية المنطقة لهذه المخاطر دون أن يكون السبب الوحيد المباشر بالضرورة؛ (إذ تدخل عوامل مثل التضاريس والأمطار الموسمية).
ودعا ناشطون إلى تعزيز أنظمة الإنذار المبكر ومراقبة الأنهار الجليدية والتكيف المناخي، عادّين الكارثة تحذيراً من مخاطر المناخ في جبال الهيمالايا؛ حيث يسهم الاحترار في زيادة تكرار مثل هذه الأحداث، وطالبوا بالتخطيط المستدام والتعاون الدولي.














