مظلة دفاع أم بوابة حرب؟.. الحوثيون يضعون اتفاق مكة أمام اختبار صعب

باكستان: الهجمات الحوثية على السعودية تضع الاتفاقية موضع التنفيذ
تضع الهجمات الحوثية على السعودية اتفاق الدفاع المشترك بين الرياض وإسلام آباد وأنقرة أمام اختبار يتجاوز البيانات السياسية، بعدما تحركت باكستان باتجاه إيران مطالبةً بكبح نشاط مليشيا الحوثي، في محاولة لاحتواء التصعيد قبل أن يتحول إلى مواجهة إقليمية أوسع.
ويفتح الحديث الباكستاني عن وضع الاتفاقية «موضع التنفيذ» الباب أمام تساؤلات أكثر حساسية من مجرد التضامن السياسي: ماذا يعني تفعيل الاتفاق فعليًا؟ وهل سيظل في حدود حماية الأراضي السعودية، أم يمكن أن يتحول، إذا استمرت الهجمات، إلى تدخل عسكري مباشر داخل اليمن؟

دفاع بلا حرب
تحاول دول الاتفاقية، حتى الآن، رسم خط فاصل بين الالتزام بالدفاع عن السعودية وبين التورط في الحرب اليمنية؛ إذ أعلن وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف، في 9 سبتمبر/ أيلول 2026، أن الهجمات الحوثية على السعودية تضع الاتفاقية موضع التنفيذ، وأن أي اعتداء على إحدى الدول الثلاث يعد اعتداءً عليها جميعًا.
لكن هذا الإعلان لا يعني، وفق مراقبين، أن باكستان وتركيا تستعدان لإرسال قوات إلى اليمن لمحاربة الحوثيين؛ فقد نقلت «رويترز»، في 9 سبتمبر/ أيلول، عن دبلوماسي كبير في المنطقة، لم تسمه، أن إسلام آباد تسعى إلى منع التصعيد والتوصل إلى حل دبلوماسي قبل أن تضطر إلى التدخل فعليًا.
كما نقلت الوكالة عن مصدر باكستاني، لم تسمه، أن مسؤولين سعوديين عقدوا لقاءات مع ممثلين عسكريين كبار من باكستان وتركيا في الرياض لتنسيق الرد على الهجمات، وأن الدول الثلاث اتفقت على أن يكون أي رد من داخل الأراضي السعودية، وألا تدخل قواتها إلى اليمن.
ويعني ذلك أن «التفعيل» يمكن أن يبدأ من السماء السعودية لا من الجغرافيا اليمنية، عبر حماية المدن والمنشآت والقواعد، وتنسيق القدرات العسكرية، بدلًا من فتح جبهة جديدة داخل اليمن.
ويؤكد هذا الاتجاه ما أعلنته الخارجية الباكستانية في 10 سبتمبر/ أيلول؛ إذ أوضحت أنه لا توجد حتى الآن مناقشات بشأن رد عسكري بموجب الاتفاق، مع التأكيد على التزام إسلام آباد به عندما تقتضي الظروف.
وفي هذا السياق، يرى الدبلوماسي الذي تحدثت إليه «رويترز» أن الضغط الإيراني والحوثي قد ينتج نتيجة عكسية، عبر دفع السعودية وباكستان وتركيا ودول أخرى متحالفة مع الولايات المتحدة إلى تعزيز التنسيق الأمني بدلًا من إضعافه.
وبالتالي، ووفق المعطيات الحالية، تكمن حساسية اختبار الاتفاق المشترك في مدى اتساع الهجمات؛ فكلما اتسعت، قد تصبح حماية السعودية نفسها عاملًا يدفع إلى توسيع الدور العسكري للدول المنضوية ضمن الاتفاق، حتى من دون قرار مسبق بخوض حرب جديدة في اليمن.

مستنقع اليمن
وفي السياق ذاته، حذر أستاذ العلوم السياسية في قطر علي الهيل من أن الانتقال من الدفاع عن الأراضي السعودية إلى مواجهة الحوثيين داخل اليمن قد يحمل الدول الثلاث إلى صراع يصعب حسمه.
وقال الهيل لـ«الاستقلال»: إن تجارب اتفاقات الدفاع المشترك في العالم العربي والخليج لا تدفع إلى التفاؤل بشأن تحول الاتفاق السعودي-التركي-الباكستاني إلى التزام عسكري مباشر.
واستشهد الهيل في حديثه بعدم تفعيل اتفاقات الدفاع المشترك عندما تعرضت قطر لهجوم إسرائيلي في أيلول/ سبتمبر 2025، رغم عضويتها في مجلس التعاون لدول الخليج العربية ووجود قوات درع الجزيرة.
ورأى الهيل أن هذه التجارب تجعل الاتفاقات أقرب، في حالات كثيرة، إلى «تعهدات ورقية»، رغم افتراض إلزاميتها للدول الموقعة. لكن الخطر الأكبر، بحسب قراءته، لا يرتبط فقط بمدى الالتزام بالاتفاق، وإنما بطبيعة الخصم الذي قد تواجهه الدول الثلاث إذا قررت الانتقال إلى الهجوم.
فالحوثيون، كما يقول الهيل، لا يمثلون جيشًا نظاميًا يمكن حسم المعركة معه بضربة عسكرية تقليدية، بل يعتمدون أسلوب حرب العصابات، مستفيدين من الطبيعة الجغرافية لليمن، فضلًا عن امتلاكهم قدرات على تصنيع الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة وإصلاحها.
وأشار إلى أن التجارب السابقة أظهرت قدرة الجماعة على استهداف مواقع بعيدة داخل إسرائيل، إضافة إلى مهاجمة سفن وحاملة طائرات أمريكية، معتبرًا أن ذلك يعكس صعوبة خوض مواجهة مفتوحة معها.
ومن ثم، فإن دخول السعودية وتركيا وباكستان في حرب مباشرة داخل اليمن قد لا يكون طريقًا سريعًا لحماية المملكة، بل قد يتحول إلى استنزاف طويل، وفق الهيل، الذي يؤكد أن طبيعة الجبال والمناطق الوعرة تمنح الحوثيين أفضلية في هذا النوع من الصراعات، وأن الدول المشاركة قد تجد نفسها أمام «مستنقع اليمن».
ولا يفصل الهيل هذا المشهد عن صراع إقليمي أوسع، إذ يرى أن استمرار الحرب داخل اليمن واتساع المواجهة بين الأطراف العربية يخدم إسرائيل، مضيفًا أن «إسرائيل تريد أن تشتعل الحروب بين العرب والعرب، وفي البلد الواحد بين أبناء البلد الواحد».
ولفت إلى أن إسرائيل، من وجهة نظره، تقف وراء جانب كبير مما يحدث في الشرق الأوسط، بما في ذلك الحرب في اليمن والسودان، وأزمة مضيق هرمز والحربان ضد إيران في 2025 والحرب الحالية المستمرة.
ورأى الهيل أن نفوذ إسرائيل في اليمن مرشح للاتساع مع استيقاظ المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا، مشيرًا إلى وجود رئيس المجلس عيدروس الزبيدي في الإمارات، في مقابل وجود المسؤولين الرئيسين في الحكومة اليمنية «الشرعية» في الرياض.
ووصف الهيل المشهد اليمني بأنه أصبح أقرب إلى «حرب بالوكالة»، محذرًا من احتمالية إقامة قاعدة إسرائيلية في جزيرة سقطرى، وهو ما من شأنه زيادة تعقيد الصراع.

مظلة الردع
في المقابل، وضع الكاتب والمحلل السياسي اليمني أحمد الزرقة سقفًا مختلفًا لتفعيل الاتفاق، إذ رأى أن استمرار الهجمات الحوثية لا يعني تلقائيًا انتقال اتفاق مكة إلى تدخل عسكري مباشر داخل اليمن.
وقال الزرقة لـ«الاستقلال»: إن الاتفاق ينص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد هجومًا عليها جميعًا، لكنه «اتفاق دفاعي بطبيعته»، ولا يجعل المشاركة في عمليات داخل اليمن نتيجة تلقائية لتفعيله.
وأشار إلى أن خواجة آصف تحدث عن إمكانية جعل الهجمات الحوثية على السعودية الاتفاق «عمليًا»، لكن الخارجية الباكستانية أوضحت في بيان لها عدم وجود مناقشات بشأن رد عسكري بموجبه، مع تأكيد الالتزام بالاتفاق عندما تقتضي الظروف.
وبحسب الزرقة، فإن استمرار الهجمات يمكن أن يقود أولًا إلى تفعيل دفاعي لحماية الأراضي السعودية، فيما يحتاج الانتقال إلى ضربات داخل اليمن إلى قرار إضافي، ولا سيما إذا تحولت الهجمات إلى تهديد مستمر للمدن ومنشآت الطاقة والبنية التحتية.
وفي هذه المرحلة، يمكن لتركيا وباكستان، بحسب الزرقة، أن تلعبا أدوارًا عسكرية وأمنية من دون الدخول في الحرب اليمنية، عبر الدفاع الجوي والإنذار المبكر والرصد وحماية المنشآت والقواعد والتنسيق الاستخباري والعسكري والأمن البحري.
ويبدو الموقف الباكستاني أكثر وضوحًا في هذا الجانب؛ إذ أكد مسؤولون في إسلام آباد أن أي دور عسكري في المرحلة الراهنة يرتبط بالدفاع عن الأراضي السعودية، بينما لم تعلن تركيا شكلًا محددًا للمشاركة العسكرية.
ورأى الزرقة أن اتفاق مكة يمكن أن يعمل في مرحلته الأولى «كمظلة ردع وحماية للسعودية»، بحيث توسع الرياض شبكة الحماية وتقاسم أعباء الدفاع عن أراضيها، مع بقاء القوات الحكومية اليمنية الطرف الأساسي في القتال داخل اليمن.
وهذا المسار، بحسب الزرقة، يختلف عن المسار الذي اتبعته السعودية في مارس/ آذار 2015، عندما تصدرت حربًا واسعة، بينما يركز المسار الحالي على دعم القوات الحكومية وبناء مظلات دفاعية إقليمية حول المملكة.
ويبقى العامل الأكثر حساسية هو الدور الباكستاني تجاه إيران؛ فإسلام آباد، وفق الزرقة، تمتلك فرصة للوساطة بحكم علاقاتها مع الرياض وطهران، وقد نقلت بالفعل تحذيرًا إلى إيران بشأن استمرار الهجمات الحوثية.
لكن نجاح هذه الضغوط يتوقف على قدرة طهران ورغبتها في التأثير على سلوك مليشيا الحوثي؛ فإذا تراجعت الهجمات، يمكن لاتفاق مكة أن يؤدي وظيفته الردعية من دون اختبار عسكري واسع. أما إذا استمر استهداف المدن والمنشآت السعودية، فسيرتفع الضغط على أنقرة وإسلام آباد لإثبات أن الالتزام بالدفاع الجماعي لا يتوقف عند البيانات.
واختصر الزرقة هذه المعضلة بالقول: «كلما نجحت الدبلوماسية الباكستانية في كبح التصعيد، قلت الحاجة إلى اختبار الاتفاق عسكريًا؛ وكلما فشلت، ارتفعت كلفة عدم تفعيله».
وطبقًا لرؤية المحللين، فإن المعركة الحقيقية أمام اتفاق مكة ليست بالضرورة قرار الدخول إلى اليمن، بل تحديد اللحظة التي يصبح فيها الاكتفاء بحماية الأراضي السعودية أقل كلفة من ترك الهجمات تتواصل.
وبين الخيارين، تتحرك باكستان على خط الدبلوماسية والردع، فيما تبدو تركيا أمام اختبار مماثل، بينما يبقى الحوثيون العامل القادر على دفع الاتفاق من مظلة دفاعية إلى اختبار عسكري أوسع، وفق المراقبين.


















