تمدد الحوثيين نحو باب المندب يرفع مخاطر التصعيد في البحر الأحمر

شدوى الصلاح | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

في تطور عسكري لافت ينذر بتداعيات جيوسياسية واسعة، وسّعت مليشيا الحوثي انتشارها العسكري على الساحل الغربي لليمن، وصولًا إلى المناطق المحيطة بمضيق باب المندب، بعد جولة من التصعيد أسفرت عن تراجع القوات الحكومية والمشتركة من عدد من المواقع، في خطوة من شأنها أن تعيد واحدًا من أكثر الممرات الملاحية أهمية في العالم إلى صدارة الصراع اليمني والإقليمي.

وأفادت مصادر ميدانية وشهود عيان، في 11 سبتمبر/أيلول 2026، بأن مجاميع مسلحة تابعة للحوثيين، ترافقها مركبات عسكرية وأسلحة ثقيلة ومتوسطة، وصلت إلى شواطئ بلدة "ذو باب" الساحلية، الواقعة مباشرة على مضيق باب المندب.

وأكدت المصادر أن مسلحي الجماعة أنشأوا نقاط تفتيش ومواقع تمركز جديدة على امتداد الخط الساحلي المؤدي إلى المضيق، عقب انسحاب القوات المشتركة من تلك المواقع.

كما أكَّدت تقارير عسكرية متطابقة اقتحام مسلحي الحوثي جزيرة "ميون" (بريم) الإستراتيجية، الواقعة في قلب مضيق باب المندب والتي تُقسّمه إلى ممرين.

وبحسب تلك التقارير، تمركزت عناصر الجماعة في المرتفعات الجبلية للجزيرة والمنشآت الحيوية فيها، بما يمنحهم موقعًا متقدمًا للمراقبة والإشراف على حركة السفن وناقلات النفط العابرة للمضيق.

وجاء التقدم الحوثي باتجاه المضيق بعد أيام قليلة من إحكام الجماعة سيطرتها على مدينة "المخا" الساحلية ومينائها التاريخي.

وبسطت الجماعة نفوذها على الطرق الحيوية التي تربط غرب محافظة تعز بالساحل الغربي، ما أمّن لها، وفق المعطيات الميدانية، خطوط إمداد مستمرة باتجاه العمق الساحلي ومناطق باب المندب.

وقالت جماعة الحوثي في بيان عسكري، أمس: إنها أبعدت "القوات السعودية من 6 مديريات في محافظتي تعز والحديدة، بمساحة إجمالية بلغت 5400 كيلومتر مربع"، وإن "قواتها استهدفت 7 فرق عسكرية تضم 38 لواء"، ما أدى، بحسب البيان، إلى مقتل وأسر وإصابة المئات من أفرادها.

وأضافت أنها تمكنت من تحرير عدد من الأسرى الذين قالت: إنهم كانوا محتجزين لدى القوات الموالية للسعودية منذ سنوات في الساحل الغربي، كما أعلنت تنفيذ 32 عملية تصدٍّ للطائرات الحربية السعودية، أسفرت، وفق روايتها، عن إسقاط 9 طائرات.

وفي المقابل، حذّر مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة عبدالله السعدي، في بيان رسمي، من خطورة سعي جماعة الحوثي إلى فرض واقع عسكري وجغرافي جديد في البحر الأحمر.

ووصف البيان السيطرة على باب المندب بأنها تهديد مباشر للأمن الإقليمي والسلم الدولي.

وقال السعدي، خلال جلسة طارئة عقدها مجلس الأمن الدولي لبحث هجمات الحوثيين على السعودية: إن "المليشيا الحوثية تواصل التصعيد وتحاول فرض واقع جديد بالبحر الأحمر".

ودعا مندوب اليمن مجلس الأمن إلى "إدانة التصعيد العسكري للحوثيين باليمن"، كما طالبه بـ"تفعيل قرار حظر الأسلحة عن الحوثيين".

وقال: إن الحكومة اليمنية "قدمت السلام على الحرب والتزمت ضبط النفس طوال هذه السنوات"، وإنها ستواصل "أداء واجبها في حماية شعبها ومؤسساتها".

كما أصدرت وزارة الدفاع اليمنية بيانًا أعلنت فيه البدء في استخدام جميع الأسلحة المتاحة والوسائل العسكرية للرد على التقدم الحوثي، ووجهت نداءً عاجلًا إلى المدنيين بضرورة الابتعاد عن الطرق الواصلة بين تعز والمخا، بوصفها مناطق عمليات عسكرية خطرة.

وأعربت الإدارة الأميركية، عبر تصريحات لمسؤولين في وزارة الدفاع (البنتاغون) نشرتها شبكة "الحرة" وموقع "أكسيوس"، عن قلقها البالغ إزاء التطورات في باب المندب.

وأكدت واشنطن رفضها القاطع لأي تهديد يمس حرية الملاحة الدولية، إلا أنها أشارت في الوقت نفسه إلى تجنبها التدخل العسكري البري المباشر عبر شن عمليات واسعة.

وقالت: إنها ستكتفي، في هذه المرحلة، بتقديم دعم لوجستي واستخباراتي مكثف للقوات الحكومية وللتحالف بقيادة السعودية، طالما لم يتم خرق الهدنة والتفاهمات المباشرة المرتبطة بالمصالح الأميركية في المنطقة.

ترابط الجبهات

وتزامنت التطورات العسكرية في محيط مضيق باب المندب مع تصعيد إقليمي تمثل في استهداف خطوط أنابيب النفط داخل الأراضي السعودية بواسطة طائرات مسيّرة انطلقت من العراق، ما يعكس، وفق قراءة التطورات المتزامنة، ترابطًا بين عدد من الجبهات ضمن مسار تصعيدي يستهدف إمدادات الطاقة ويزيد الضغوط الاقتصادية والأمنية على المنطقة عبر منافذها البرية والبحرية في آن واحد.

وبدوره، أمر رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي بإعفاء قائد عمليات ميسان من منصبه، بعد ثبوت انطلاق الاعتداءات على السعودية من موقع في المحافظة، فيما أكدت بغداد والرياض أهمية استمرار التنسيق بينهما.

ووجّه رئيس الوزراء العراقي بتشكيل مجلس تحقيقي بحق قيادة عمليات ميسان، وهي قيادة أمنية مشتركة تتولى تنسيق وإدارة عمل القوات الأمنية في محافظة ميسان جنوبي العراق.

وجاء القرار بعد ساعات من تأكيد الحكومة العراقية رفضها أي اعتداء يمس أمن السعودية أو يسيء إلى العلاقات بين البلدين، وإعلانها فتح تحقيق عاجل لتحديد الجهة التي نفّذت الهجمات التي استهدفت خط أنابيب شرق-غرب في منطقتي الرياض والمدينة المنورة.

وشددت الحكومة العراقية كذلك على أنها ستواصل العمل مع الأشقاء والأصدقاء لمنع تكرار مثل هذه الاعتداءات، وترسيخ احترام القانون ومبادئ حسن الجوار، بما يحمي مصالح العراق ويعزز دوره الإيجابي في محيطه الإقليمي.

ممر إستراتيجي

ويُعد مضيق باب المندب أحد أهم الممرات المائية في العالم؛ إذ يربط البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب، وتمر عبره نسبة كبيرة من حركة التجارة البحرية العالمية، إلى جانب كميات كبيرة من النفط المتجه من الخليج العربي إلى الأسواق الأوروبية والأميركية.

وعلى مدار سنوات الصراع اليمني، شكّل الساحل الغربي ومضيق باب المندب خطًا أحمر بالنسبة إلى المجتمع الدولي والقوى الإقليمية، نظرًا إلى الأهمية الإستراتيجية للممر وتأثير أي اضطراب فيه على حركة التجارة والطاقة العالمية.

وكانت القوات الحكومية، مدعومة بالتحالف، قد تمكنت في سنوات سابقة من طرد الحوثيين من هذه المناطق وتأمين أجزاء واسعة من الساحل الغربي، إلا أن عودة الجماعة إلى مواقع قريبة من باب المندب تعيد الملف إلى واجهة الصراع، وتمنحها، في حال تثبيت هذا الانتشار، نفوذًا جيوسياسيًا مهمًا كانت تفتقده منذ خسارتها أجزاء واسعة من الساحل الغربي عام 2017.

ويأتي هذا التحول العسكري المتسارع في سياق حالة من الركود السياسي والجمود الذي أصاب المفاوضات الدولية الرامية إلى حل الأزمة اليمنية، وهو ما استغلته جماعة الحوثي، وفق تقديرات سياسية وعسكرية، لإعادة ترتيب صفوفها وحشد مقاتليها باتجاه الجبهات الساحلية.

كما يتزامن التقدم الحوثي مع تصعيد إقليمي أوسع في منطقة الشرق الأوسط، ما يجعل النفوذ على باب المندب ورقة ضغط إستراتيجية محتملة بيد الجماعة وحلفائها الإقليميين في أي مفاوضات مستقبلية مع القوى الدولية، فضلًا عن إمكانية توظيفه لتعزيز موقفها التفاوضي داخليًا وفرض شروط جديدة على الحكومة والتحالف.

خطر واسع

وأعرب كتاب وسياسيون وناشطون على منصات التواصل الاجتماعي عن غضبهم من التطورات العسكرية الحوثية في محيط باب المندب، ووصفوا الحدث بأنه تهديد خطير لأمن الملاحة الدولية ومصالح الاقتصاد العالمي، فضلًا عن تداعياته المحتملة على قناة السويس ومصالح السعودية، لا سيما صادرات النفط عبر ميناء ينبع، ويرون أن هذا التطور يمثل امتدادًا لأجندة إيرانية عبر وكلائها في المنطقة.

ودعا ناشطون، عبر منشوراتهم وتغريداتهم على منصتي "إكس" و"فيسبوك"، ومن خلال مشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #باب_المندب و#الحوثي و#اليمن، إلى تحرك دولي وإقليمي عاجل لحماية المضيق، محذرين من تداعيات أمنية واقتصادية واسعة قد تترتب على استمرار التصعيد.

كما طالبوا بتوحيد الصفوف اليمنية والعربية في مواجهة ما وصفوه بالخطر المتنامي، مؤكدين أن استمرار التمدد العسكري الحوثي قرب أحد أهم الممرات البحرية العالمية قد يفتح الباب أمام تداعيات تتجاوز حدود اليمن لتنال أمن الملاحة والطاقة والتجارة الدولية.

تداعيات وتأثيرات 

وتحدث ناشطون عن تداعيات سيطرة الحوثيين على مضيق باب المندب وتأثيرها على مصر، خاصة في ما يتعلق بقناة السويس والاقتصاد والأمن القومي.

وأعربوا عن مخاوف كبيرة من أن السيطرة الحوثية على المضيق تمثل تهديداً مباشراً لإيرادات قناة السويس؛ إذ قد تدفع شركات الشحن العالمية إلى تجنب البحر الأحمر والاتجاه نحو طريق رأس الرجاء الصالح، مما يؤدي إلى انخفاض دخل القناة وتراجع قيمة الجنيه المصري وارتفاع أسعار السلع على المواطنين العاديين. 

ورأوا أن هذا التهديد أخطر على مصر منه على موانئ سعودية بعيدة نسبياً، وانتقدوا بعض الحسابات المصرية التي احتفلت بالتطور دون إدراك عواقبه الاقتصادية.  

وشدد ناشطون على أن باب المندب جزء من الأمن القومي المصري، وأن مصر يجب أن تؤمن مصالحها بنفسها دون الاعتماد على تدخلات خارجية، محذرين من خنق قناة السويس وتحويل المضيق إلى ورقة ضغط إيرانية. 

كما أشار بعضهم إلى إعلان الحوثيين أن الملاحة لن تتأثر بالنسبة لمصر، بينما تساءل آخرون عن دور مصر في حماية البحر الأحمر، عادّين التطورات جزءاً من مخطط أوسع يستهدف القاهرة والرياض معاً.

تداعيات اقتصادية

وأعرب ناشطون عن مخاوفهم الشديدة من التداعيات الاقتصادية والإنسانية لسيطرة الحوثيين على مضيق باب المندب، مؤكدين أن هذا التحكم سيؤدي إلى ارتفاع حاد في تكاليف الشحن البحري وأقساط التأمين على السفن، مما ينعكس مباشرة على أسعار المواد الغذائية والأساسية والنفط.

وحذروا من أن التهديد المستمر للملاحة الدولية سيدفع شركات الشحن العالمية إلى تغيير مساراتها نحو طرق أطول وأكثر تكلفة مثل رأس الرجاء الصالح، مما يرفع أسعار النفط والسلع عالمياً ويعمق الأزمة في اليمن. ودعوا إلى تحرك دولي عاجل لضمان حرية الملاحة ومنع تحول المضيق إلى أداة ضغط اقتصادي يزيد من معاناة المدنيين.

ضغط مزدوج

وبرز حديث حول تزامن استهداف خط أنابيب شرق-غرب السعودي بمسيرات قادمة من العراق مع سيطرة الحوثيين على باب المندب، عادّين ذلك جزءاً من ضغط إقليمي منسق يخنق مسارات تصدير النفط السعودية.

ورأى ناشطون أن الهجوم على الخط الحيوي (الذي ينقل النفط من الشرق إلى ينبع على البحر الأحمر كبديل عن مضيق هرمز) جاء في توقيت حساس جداً، بالتزامن مع تقدم الحوثيين واستكمال سيطرتهم على مناطق ساحلية ومضيق باب المندب. 

ووصفوا الأمر بأنه محاولة لخنق السعودية من أكثر من اتجاه: تعطيل الخط من الشمال الشرقي (عبر أراضٍ عراقية) وإغلاق أو تهديد الممر البحري الجنوبي الغربي، مما يضع صادرات النفط تحت ضغط مزدوج ويفاقم أزمة الطاقة الإقليمية.

وأشار ناشطون إلى أن هذا التزامن يعكس تنسيقاً بين فصائل مدعومة إيرانياً، ويضع الرياض أمام معادلة صعبة في الرد دون توسيع الجبهات

وركزوا على الجانب الإستراتيجي والعجز المزعوم، قائلين: إن إيقاف الخط احترازياً بعد الإصابات والأضرار، مع عدم الرد الفوري استجابة لطلب عراقي، يعكس ضعفاً أو حسابات سياسية معقدة، خاصة مع سيطرة الحوثي على باب المندب التي تهدد السفن السعودية.