اعتذار مرفوض.. مشاركة جندي إسرائيلي في إعلان لـ"أديداس" يشعل منصات التواصل

شدوى الصلاح | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في أحدث الأزمات التسويقية المرتبطة بالشرق الأوسط، تصدر اسم شركة المستلزمات الرياضية الألمانية «أديداس» منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام العالمية، بعد إطلاق فرعها في إسرائيل حملة دعائية شارك فيها جندي إسرائيلي سابق فقد ساقه خلال العمليات العسكرية ضد قطاع غزة.

واختارت «أديداس» العالمية أحد جنود الجيش الإسرائيلي لإطلاق حملتها الترويجية لخدمة «فردة حذاء واحدة»، المخصصة لمبتوري أحد الأطراف ممن يحتاجون إلى شراء فردة واحدة فقط، وبنصف السعر.

وظهر الجندي الإسرائيلي شاليف بيتون ضمن إعلانات دعائية للشركة، وهو يمارس رياضة الركض بقدم واحدة، بعدما فقد ساقه الأخرى بصاروخ مضاد للدروع خلال العمليات العسكرية التي شنها الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2021، وردت المقاومة الفلسطينية عليها حينها بإطلاق معركة «سيف القدس».

وكتب بيتون على حسابه بموقع «إنستغرام» أنه كان يضطر إلى شراء زوج كامل من الأحذية رغم استخدامه فردة واحدة فقط، بسبب فقدانه ساقه الأخرى، قائلًا: إن «أديداس إسرائيل» حققت هذا الحلم من خلال خدمة الحذاء الواحد التي تتيح شراء فردة واحدة بنصف السعر الأصلي.

ونشرت المنصات التابعة للفرع الإسرائيلي الصور والمقاطع الدعائية احتفاءً بالجندي، مع التركيز على قصته وقدرته على تجاوز إصابته، إلا أن الحملة أثارت رد فعل عكسيًا سريعًا، تحول إلى أزمة امتدت إلى المستوى العالمي.

وأثار اختيار «أديداس» العالمية جنديًا إسرائيليًا أصيب خلال العمليات العسكرية في غزة ليكون وجهًا إعلانيًا للحملة موجة غضب واستياء واسعَين بين ناشطين ومستهلكين حول العالم، ترافقت مع دعوات واسعة لمقاطعة منتجات الشركة.

ومع اتساع نطاق الإدانات وتصاعد الدعوات إلى المقاطعة، سارعت الإدارة الإقليمية والدولية لـ«أديداس» إلى اتخاذ خطوات تراجعية، تمثلت في إصدار بيان رسمي أكدت فيه اعتذارها عن أي إساءة أو انزعاج تسببت فيه الحملة.

وتنصلت الشركة من مسؤولية الإدارة المركزية عن الحملة، موضحة في بيانها أنها كانت «مبادرة محلية بحتة تم التخطيط لها وتنفيذها من قبل الفريق المحلي في إسرائيل دون تنسيق أوسع».

كما حذفت الشركة المقاطع الإعلانية والصور الخاصة بالجندي الإسرائيلي من منصاتها الرسمية، وأكدت التزامها بقيم الشمول واحترام جميع المستهلكين حول العالم.

سابقة بيلا حديد

ولهذه الواقعة خلفية تاريخية قريبة، ففي صيف عام 2024، واجهت «أديداس» أزمة كبرى عندما اختارت عارضة الأزياء العالمية من أصل فلسطيني بيلا حديد لتكون الوجه الإعلاني لإعادة إطلاق حذاء رياضي مستوحى من دورة الألعاب الأولمبية في ميونيخ عام 1972.

وحينها، شنت جهات إسرائيلية رسمية، إلى جانب أطراف سياسية، حملة ضغوط واسعة على الشركة بسبب مواقف بيلا حديد الداعمة للقضية الفلسطينية، وردًا على ذلك، قامت «أديداس» بإقصائها من الحملة وقدمت اعتذارًا عن الإعلان.

وأدى رضوخ الشركة حينها إلى موجة غضب واسعة في الوطن العربي والعالم الإسلامي ضد «أديداس»، إذ رأى مناصرون للقضية الفلسطينية وناشطون أن الشركة خضعت لإملاءات إسرائيلية، وهو ما جعل الأزمة الحالية في 2026 تبدو، بالنسبة إلى منتقدي الشركة، بمثابة حلقة جديدة في سلسلة من الجدل المتراكم حول مواقفها من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

حساسية التوقيت

ويأتي توقيت هذه الحملة الإعلانية في سياق سياسي وإنساني شديد الحساسية والتعقيد، إذ تعيش المنطقة والعالم على وقع تداعيات حروب متواصلة ومدمرة على قطاع غزة، أسفرت عن سقوط عشرات الآلاف من الضحايا.

وتشير تقارير طبية وأممية إلى أن الحرب خلفت أعدادًا كبيرة من حالات بتر الأطراف، لا سيما بين الأطفال والمدنيين في غزة، جراء القصف المستمر والإصابات البالغة.

وبحسب تقديرات لمنظمة الصحة العالمية في مايو/ أيار 2026، سجلت غزة أكثر من 5 آلاف حالة بتر أطراف ناجمة عن إصابات، إلى جانب أكثر من 22 ألف إصابة خطيرة في الأطراف منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وكان نحو ربع المصابين من الأطفال.

وفي هذا السياق، رأى خبراء ومتابعون أن اختيار جندي إسرائيلي شارك في العمليات العسكرية ليكون رمزًا لحملة تستهدف الأشخاص الذين فقدوا أحد أطرافهم يمثل، في نظر منتقدي الشركة، ذروة «العمى التسويقي»، وعدم الاكتراث بالواقع الإنساني المؤلم الذي يعيشه ضحايا الحرب، لا سيما مبتوري الأطراف في غزة.

وتكشف الأزمة بذلك عن مفارقة تسويقية لافتة؛ فالحملة التي صُممت ظاهريًا لتقديم خدمة لفئة من مبتوري الأطراف تحولت إلى مصدر للجدل، بعدما ارتبط وجهها الدعائي بجندي إسرائيلي فقد ساقه خلال حرب على غزة، في وقت يعاني فيه آلاف الفلسطينيين من إصابات وبتر أطراف مرتبطة بالحرب نفسها.

وبينما حاولت «أديداس» احتواء الأزمة عبر تحميل فرعها الإسرائيلي مسؤولية الحملة وحذف المواد الدعائية والاعتذار، فإن الجدل أعاد إلى الواجهة سؤالًا أوسع بشأن قدرة الشركات العالمية على الفصل بين التسويق التجاري والسياقات السياسية والإنسانية شديدة الحساسية، خصوصًا عندما يتعلق الإعلان بحرب لا تزال آثارها الإنسانية حاضرة بقوة في الرأي العام العالمي.

شريكة الاحتلال

وعبر ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي عن صدمتهم من التناقض الأخلاقي الصارخ في حملة أديداس الإعلانية لخدمة "الحذاء الواحد" المخصصة لمبتوري الأطراف، مستنكرين اختيار الشركة جندياً إسرائيلياً سابقاً فقد ساقه خلال عمليات عسكرية ضد غزة ليكون وجه الحملة.

وعدوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #قاطعوا_أديداس، #أديداس، #غزة، #قاطعوا_منتجات_تدعم_عدوك، وغيرها، ما فعلته الشركة تمجيداً لمن أسهم في معاناة أهل غزة وتجاهلاً تاماً لضحايا غزة، وشراكة في دماء الفلسطينيين وشرعنة لإبادتهم.

مبتورو غزة

ووصف مسؤولون فلسطينيون بغزة وأطباء وناشطون سلوك شركة أديداس بـ"الانفصام الأخلاقي" و"غسل الصورة"، مؤكدين أن الإعلان يحاول إظهار جانب إنساني بينما يتجاهل آلاف المبتورين في القطاع.

واستحضروا أرقاماً رسمية صادرة عن وزارة الصحة في غزة تتحدث عن نحو 5 آلاف حالة بتر أطراف (كثير منها في الأقدام والساقين) نتيجة العدوان الإسرائيلي المستمر، عادين ذلك جزءاً من جرائم الاحتلال التي خلّفت كارثة إنسانية كبيرة في أوساط المدنيين، خاصة الأطفال.

وركزوا على أن قطاع غزة أصبح يضم أعلى نسبة من مبتوري الأطراف في العالم نسبياً، مشيرين إلى أن آلاف الفلسطينيين فقدوا أقدامهم أو أطرافهم بسبب القصف والهجمات، ويحتاجون إلى تأهيل طويل الأمد وأطراف صناعية غير متوفرة بسبب القيود.

اعتذار مرفوض

وأعرب ناشطون عن رفضهم الواضح لاعتذار شركة أديداس، عادين إياه اعتذاراً باهتاً واستخفافاً بالعقول ومحاولة احتواء لحملات المقاطعة الشعبية دون تغيير حقيقي في موقف الشركة، مؤكدين أن الاعتذار ليس إقراراً بالخطأ أو شعوراً بالذنب، بل ناتج عن ضغط شعبي وخوف من خسائر مالية.

وركزوا على أن الشركة نشرت الاعتذار فقط عبر حسابها الإقليمي في الشرق الأوسط (ذي المتابعين الأقل) وليس عبر حسابها العالمي الرئيس، وأنها لم تسحب الإعلان فعلياً في بعض الروايات.

وانتقد ناشطون وصف الشركة الأمر بـ"سوء فهم غير مقصود" بينما استمرت في دعم الرواية الإسرائيلية وتجاهل آلاف حالات بتر الأطراف بين المدنيين والأطفال في غزة. وقارن كثيرون الموقف بمواقف سابقة للشركة مثل إبعاد بيلا حديد تحت ضغط اللوبي الصهيوني، مؤكدين أن التواطؤ مع الاحتلال يتجاوز هذا الإعلان. 

تمسك بالمقاطعة

وطالب ناشطون باستمرار المقاطعة كسلاح فعال يجبر الشركات على مراجعة مواقفها، متحدثين عن عظم تأثير وقوة حملات المقاطعة والرفض الشعبي لجرائم الاحتلال وداعميه، متداولين مقاطع فيديو لشخصيات مؤثرة أعلنت استجابتها لحملات المقاطعة وألقت بمنتجات أديداس في القمامة.

وأكدوا أن ‏المقاطعة سلاح جدي وحقيقي لو أحسن العرب والمسلمون والأحرار استعماله في توقيته الصحيح وبالطريقة الصحيحة وتحدثوا عن وقعه على هذه الشركات ومدى تسببه في أضرار مادية واسعة، مشددين على أن المقاطعة الإيجابية تقود للطرد والإغلاق وليس مقاطعة الاستغناء فقط.