الظهير الغربي يتلاشى.. 12 دولة غربية تحظر بضائع المستوطنات وإسرائيل تنتفض غضباً

شدوى الصلاح | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

بينما تشتعل أرض الضفة الغربية تحت وطأة اقتحامات جيش الاحتلال وحملات الاعتقال المسعورة التي تستهدف الأسرى المحررين، وتئن قراها من إرهاب المستوطنين، انفتحت جبهة دبلوماسية واقتصادية دولية غير مسبوقة بإعلان 12 دولة غربية فرض قيود على تجارة السلع مع المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

الأمر الذي عمّق الشرخ بين العواصم الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية الداعمة للاحتلال الإسرائيلي، ودفعها لإعلان رفضها لأي قرارات مناهضة للاحتلال الإسرائيلي.

فقد أعلنت المملكة المتحدة، بالاشتراك مع 11 دولة غربية وأوروبية بارزة من بينها كندا، فرنسا، هولندا، إيرلندا، إسبانيا، بلجيكا، والنرويج، عن خطوة اقتصادية ودبلوماسية منسقة تقضي بفرض حظر شامل وقيود تجارية صارمة على السلع والمنتجات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة والخدمات المرتبطة بها.

وقال وزراء خارجية الدول الـ12 في بيان مشترك صدر في 8 سبتمبر/أيلول 2026، بشأن حل الدولتين: إن "تصرفات حكومة إسرائيل في الضفة الغربية تقوض إمكانية حل الدولتين، ويتدهور الوضع بسرعة وسط مستويات غير مسبوقة من عنف المستوطنين وتوسع المستوطنات، بما في ذلك القرار غير المقبول بنشر مناقصات مشروع مستوطنة "E1" شرق القدس الشرقية".

ويستهدف مشروع E1 المنطقة الواقعة بين القدس ومستوطنة "معاليه أدوميم" شرقي القدس، وتقول جهات فلسطينية ودولية: إن تنفيذه سيؤدي إلى فصل أجزاء من الضفة عن بعضها وتقويض فرص إقامة دولة فلسطينية متواصلة جغرافيا.

وفي 18 أغسطس/آب الماضي، قالت جمعيات "عير عميم" و"بمكوم" و"السلام الآن" الحقوقية الإسرائيلية: إن تل أبيب نشرت عطاءً لبناء ألف و234 وحدة استيطانية من أصل نحو 3 آلاف و400 وحدة، ضمن مشروع "إي 1" في القدس الشرقية المحتلة.

وأضاف البيان: "وقد اتفق رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني على ضرورة اتخاذ إجراءات لمنع المزيد من الضرر".

وتابع: "اليوم تؤكد كل من كندا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وأيسلندا وأيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد والمملكة المتحدة عزمها على فرض قيود وطنية و/أو دعم القيود الأوروبية على تجارة السلع مع المستوطنات غير القانونية بموجب القانون الدولي، أو أنها تدرس بجدية هذه التدابير وغيرها، وفقًا لإجراءاتها الوطنية".

وأوضح البيان أن "المملكة المتحدة وفرنسا وكندا ترحب بالإجراءات المهمة التي اتخذتها بالفعل أيرلندا وإسبانيا وهولندا والنرويج وبلجيكا، وستقدم تدابير وطنية لحظر تجارة سلع المستوطنات"، دون مزيد من التفاصيل بشأن هذه التدابير.

وبدوره، أصدر الاتحاد الأوروبي بياناً شديد اللهجة أدان فيه تصاعد اعتداءات المستوطنين المتطرفين في الضفة الغربية، واصفاً إياها بـ"الإرهاب الممنهج" والانتهاك الصارخ للقانون الدولي. 

وجدّد الاتحاد مطالبته الملحة للحكومة الإسرائيلية بالوقف الفوري والكامل لكل الأنشطة الاستيطانية، وخاصة المناقصات الأخيرة المطروحة في منطقة (E1) الحساسة، محذراً من أن هذه الخطوات تقضي نهائياً على أي أمل متبقٍ لتطبيق حل الدولتين.

ترحيب وإشادة

من جانبها، رحبت دولة فلسطين، بموقف الـ12 دولة بشأن التمسك بحل الدولتين، وفرض قيود على التجارة في منتجات المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وقال نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ: إن ما ورد في بيان الدول من خطوات عملية تستهدف منتجات المستوطنات يمثل "تحركا في الاتجاه الصحيح"، مؤكدا على ضرورة الانتقال من "الإدانة والمواقف السياسية" إلى إجراءات "ملزمة وحاسمة" لوقف التوسع الاستيطاني والضم الفعلي لأراضي الضفة الغربية.

ودعا إلى فرض احترام الشرعية الدولية والقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ومحاسبة مرتكبي "إرهاب وعنف المستوطنين".

وقالت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية (حكومية): إن الإعلان يمثل "تطورًا مهمًا" للانتقال من الإدانة السياسية إلى الإجراءات العملية.

وأضافت أن الخطوة تؤكد بصورة متزايدة أن الاستيطان "ليس مسألة داخلية إسرائيلية ولا مجرد خلاف سياسي"، وإنما منظومة غير قانونية تترتب على استمرارها مسؤوليات واضحة على الدول والمجتمع الدولي.

ودعت إلى سياسة دولية متكاملة تشمل حظر التعامل التجاري والمالي مع المستوطنات والجهات الداعمة لها، ومساءلة المؤسسات والأشخاص الذين يمولون أو ينظمون أو يحمون الاستيطان، ومنع أي مساهمة اقتصادية أو سياسية في استدامته، بالتوازي مع مساءلة إسرائيل عن انتهاكات قواتها بحق الفلسطينيين.

فيما رحبت دول أخرى بتوجه 12 دولة لتقييد التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية منهم تركيا ومصر والأردن وقطر، والكويت وعدوها خطوة مهمة لردع الاحتلال الإسرائيلي.

غضب إسرائيلي

وعلى خلفية المواقف الغربية، سادت حالة من الهستيريا السياسية داخل حكومة الاحتلال الإسرائيلي برئاسة بنيامين نتنياهو؛ حيث وصف وزير المالية بتسلئيل سموتريتش القرار البريطاني بـ"المعادي للسامية" وطالب بطرد السفير البريطاني فوراً. 

فيما توعد وزير الخارجية جدعون ساعر بردود فعل تجارية ودبلوماسية مضادة، بدأت بالفعل بإعلان إغلاق القنصلية البريطانية في القدس وطرد ممثليها الدبلوماسيين من مركز المساعدات الدولي لقطاع غزة في كريات غات، وإنهاء الأنشطة البريطانية الخاصة بتدريب قوات السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.

كما أعلن ساعر منع دخول 12 مسؤولًا بريطانيًا منتخبًا، إلى جانب مواطنين بريطانيين آخرين، إلى "إسرائيل"، بدعوى مشاركتهم في أنشطة وصفها بأنها "معادية للسامية".

وقال: إن الخطوة البريطانية تمثل "محاولة غير مقبولة" من حكومة أجنبية للتأثير على إسرائيل خلال فترة الانتخابات العامة للكنيست، ووصف القرار بأنه "سخيف" وأضاف أن بلاده لن تقبل بما عده تدخلًا خارجيًا في شؤونها.

في حين دعا وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إلى معاقبة لندن عبر اعتراف إسرائيل بسيادة الأرجنتين على جزر الفوكلاند. 

رفض أميركي

وجاء الموقف الأميركي متماشيا مع الموقف الإسرائيلي؛ إذ أعلنت الولايات المتحدة رفضها القاطع للحظر التجاري الغربي. 

وصرح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأن واشنطن لن تنضم نهائياً لهذه العقوبات، مقدرا أن مثل هذه الخطوات "تزعزع الاستقرار" وتعرقل جهود التهدئة. 

كما لوح أعضاء في الكونغرس الأميركي بفرض عقوبات ارتدادية على الشركات البريطانية التي ستلتزم بالحظر بموجب قوانين بعض الولايات الأميركية التي تمنع مقاطعة إسرائيل.

يعود الدافع المباشر وراء هذا التحرك الدولي المنسق إلى إصرار الحكومة الإسرائيلية على المضي قدماً في المشروع الاستيطاني المعروف باسم (E1) شرق القدس المحتلة، وإصدار عطاءات لبناء آلاف الوحدات السكنية هناك.

ويمثل هذا المشروع خطاً أحمر دولياً؛ لأنه يقطع التواصل الجغرافي للضفة الغربية ويقسمها إلى شطرين منفصلين.

ونظراً لفشل التوافق داخل الاتحاد الأوروبي لفرض عقوبات موحدة بسبب "الفيتو" الضمني لبعض الدول الحليفة لإسرائيل، لجأت الدول الـ12 إلى تفعيل "إجراءات وطنية منفردة" لضمان تنفيذ العقوبات بشكل متزامن وفعال.

ويأتي هذا الحظر التجاري والدبلوماسي في سياق ميداني متفجر؛ فالضفة الغربية تعيش على وقع تصعيد هو الأعنف منذ سنوات. 

ولا يقتصر الأمر على عمليات جيش الاحتلال النظامية وحملات الاعتقال اليومية التي نالت الأسرى المحررين، بل يتكامل مع تبادل أدوار علني بين الجيش والمستوطنين الذين يشنون هجمات مسلحة ومحرقة على القرى الفلسطينية المعتزلة، مما دفع عواصم غربية -كلندن- للتصريح علناً بأن ما يحدث يرقى إلى مرتبة "التطهير العرقي" والتهجير القسري.

اعتقالات ومداهمات

وبالتوازي مع الحراك الدولي المناهض لجرائم الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين، نفّذت قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي حملة مداهمات واقتحامات واسعة النطاق شملت مختلف مدن ومخيمات الضفة الغربية المحتلة. 

وأفادت مصادر محلية وهيئات شؤون الأسرى بأن الحملة ركزت بشكل أساسي على إعادة اعتقال العشرات من الأسرى المحررين من سجون الاحتلال، ترافق معها عمليات تفتيش تخريبية للمنازل، واعتداءات جسدية، وفرض حصار مشدد على البلدات المستهدفة.

وأعلن الاحتلال الإسرائيلي  اعتقال أكثر من 30 فلسطينيًا في القدس الشرقية المحتلة والضفة الغربية، بزعم التخطيط لتنفيذ هجمات.

وزعم بيان مشترك لجهاز الأمن العام (الشاباك) والشرطة والجيش الإسرائيلي، أنه "تم الكشف عن بنية تحتية إرهابية كبيرة وواسعة النطاق كانت تخطط لتنفيذ هجمات ضد اليهود وقوات الأمن".

وأضاف: "في إطار إحباط هذه البنية، ألقى جهاز الأمن العام والشرطة الإسرائيلية القبض على أكثر من 30 ناشطًا من القدس والضفة الغربية. ولا يزال استجواب بعض المتورطين جاريًا".

وأشار البيان إلى تقديم لوائح اتهام بحق 5 من سكان القدس، بينهم معتقل فلسطيني سابق أُفرج عنه ضمن صفقة تبادل أسرى، دون الإشارة إلى توقيت الصفقة.

وزعم أن اثنين من المعتقلين، وهما من سكان القدس وينشطان ضمن تنظيم "شباب الأقصى" الذي قال إنه يتبع لحركة "حماس"، "أسسا بنية إرهابية واسعة، جندا من خلالها خلايا عسكرية تحت إمرتهما في جميع أنحاء الضفة الغربية، بهدف شنّ هجمات ضد اليهود وقوات الأمن"، وفق البيان.

جرائم الاحتلال

وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، في 8 سبتمبر 2026، مقتل 4 فلسطينيين باعتداءات الاحتلال الإسرائيلي خلال الساعات الـ24 الماضية بالضفة الغربية المحتلة، ما رفع حصيلة القتلى إلى 100 منذ بداية العام 2026.

كما أفاد مسؤول محلي فلسطيني، بأن إرهاب المستوطنين الإسرائيليين نال المواطنين وممتلكاتهم في قرية برقة شمالي الضفة، وشمل محاولة إحراق 6 مركبات.

وكشفت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، عن إعادة السلطات الإسرائيلية ترسيم حدود إعلان "أراضي دولة" يعود إلى عام 1984، بما يشمل مصادرة نحو 194 دونمًا من أراضي قريتي جالود والمغير وسط الضفة، وإضافتها إلى نطاق الإعلان.

وقالت في بيان: إن ما يسمى "طاقم الخط الأزرق" الإسرائيلي أقر مصادرة 193.93 دونمًا وإضافتها إلى حدود الإعلان القديم، فيما أخرج 15.07 دونمًا من حدوده السابقة، وأبقى 1433.85 دونمًا دون تغيير.

وبذلك، يبلغ صافي الزيادة في مساحة الإعلان نحو 179 دونمًا، في حين تبلغ مساحة الأراضي الجديدة التي أُدخلت إلى حدوده نحو 194 دونمًا.

انتصار دبلوماسي

واحتفى سياسيون وحقوقيون وأكاديميون وناشطون على منصات التواصل الاجتماعي بقرار الدول الـ12، واصفين الخطوة بأنها انتصار معنوي واقتصادي طال انتظاره للمقاومة الدبلوماسية، واعترافاً دولياً متزايداً بخطورة التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين ورفض مشروع E1.

وعدوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #بريطانيا، #الضفة_الغربية، #المستوطنين، #الاحتلال_الإسرائيلي، وغيرها، القرار الغربي بداية انهيار جدار الحصانة الدولية للاحتلال الإسرائيلي، مشيدين بانتقال بعض الدول الغربية من الإدانة اللفظية إلى إجراءات ملموسة تؤثر اقتصادياً على منظومة الاستيطان.

وأشار ناشطون إلى أن البيان يمثل ضغطاً دبلوماسياً مهماً يرفض الضم والتهجير القسري، ويدعو إلى مساءلة عنف المستوطنين ووقف التوسع، مؤكدين الحاجة إلى تحويل هذه المواقف إلى عقوبات ملزمة وإجراءات أوسع من الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي لإنهاء الاحتلال فعلياً.

=========

غسيل سمعة

في المقابل، أبدى ناشطون تحفظهم على الحفاوة الواسعة بقرارات بريطانيا والدول الـ11 الأخرى، ووصفوا موقفها بأنه  خطوة شكلية أو "غسيل أخلاقي" و"نفاق غربي"، لا يمس جوهر الدعم العسكري والاقتصادي للكيان ولا يوقف الاستيطان كسياسة رسمية للدولة.

وذكروا بأن هذه الدول هي التي أسست الاحتلال ومدّته تاريخياً (خاصة بريطانيا بوعد بلفور)، وأن وجود وزارة استيطان رسمية يثبت أن الاستيطان سلوك دولة لا فعل متطرفين. 

ورأوا في الاحتفاء بهذه الإجراءات محاولة لذر الرماد في العيون وفصل المستوطنين عن المجتمع الإسرائيلي لحماية صورته عالمياً، بينما يستمر تصدير الأسلحة والدعم الاستخباراتي، ولا تُفرض عقوبات مماثلة على الجيش أو القادة أو الحكومة المسؤولة عن الإبادة في غزة.

ووصف البعض القرارات بأنها "مسرحية متفاهم عليها" أو إجراءات مؤقتة ضعيفة الأثر اقتصادياً، ويطالبون بإجراءات حقيقية لا بيانات شكلية.

نذالة إسرائيلية

وسخر ناشطون من ردود الفعل الإسرائيلية الغاضبة -خاصة تصريحات بن غفير حول جزر الفوكلاند وتهديدات سموتريتش بطرد السفير البريطاني-، عادين هذه الردود "الطفولية والمنفعلة" تعكس حجم الصدمة والرعب الحقيقي الذي يعيشه الكيان الإسرائيلي من شبح العزلة الدولية والمقاطعة الاقتصادية التي بدأت تدق مضاجعهم.

وأشاروا إلى أن الإجراءات الإسرائيلية (إغلاق القنصلية خلال 30 يوماً وطرد دبلوماسيين) تكشف حساسية تل أبيب تجاه أي ضغط اقتصادي حقيقي على المستوطنات، ورأوا فيها تصعيداً دبلوماسياً يكشف هشاشة التحالفات التقليدية، مذكرين بدور هذه القنصلية في تثبيت أركان الاحتلال.