مع نزع سلاح حزب العمال.. هل تبدأ تركيا سحب قواتها من العراق؟

يوسف العلي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

عاد الوجود العسكري التركي في شمال العراق إلى الواجهة من جديد، بالتزامن مع تسارع مسار نزع سلاح حزب العمال الكردستاني "بي كا كا"، والتطورات المرتبطة باندماج قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في الجيش السوري، إضافة إلى شروط مليشيات عراقية لإلقاء سلاحها.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتجه فيه بغداد وأنقرة إلى فتح مسار تفاوضي بشأن مستقبل القوات التركية الموجودة في الأراضي العراقية، وسط مطالب عراقية بإنهاء الوجود العسكري الأجنبي الذي يشمل قوات التحالف الدولي، إضافة إلى القوات التركية.

وقال المستشار الأمني لرئيس الوزراء، قاسم الأعرجي: إن وجود القوات التركية يرتبط أساسا بوجود حزب العمال الكردستاني الذي وصفه بأنه “غير قانوني وغير شرعي”. مؤكدا أن حكومة بلاده تعمل بالتنسيق مع أنقرة على حل المشكلة وإخراج القوات التركية من العراق نهائيا.

وأوضح الأعرجي، خلال مقابلة تلفزيونية في 29 أغسطس/آب 2026، أن الظروف التي دعت إلى وجود بعض القطعات التركية "تنتهي بانتهاء ملف حزب العمال".

ضمانات تركية

لا يبدو أن إنهاء الوجود العسكري التركي مرتبط بقرار عراقي منفرد، في ظل استمرار المخاوف التركية من إمكانية إعادة حزب العمال الكردستاني تنظيم صفوفه بعد انسحاب القوات التركية.

وقال الباحث في الشأن السياسي العراقي حامد العبيدي لـ"الاستقلال": إن القوات التركية قد تنسحب جراء انتهاء تهديد حزب العمال الكردستاني في مناطق شمال العراق، لكنه أكد أن الأمر "لن يكون في الوقت الحالي، لأسباب عدة".

وأوضح العبيدي أن من أهم الأسباب أن الجانب التركي قد يشترط الحصول على ضمانات من العراق تضمن عدم ملء الفراغ بمليشيات أو الحشد الشعبي، لأنها أيضا تمثل تهديدا له.

وأضاف الباحث العراقي أن "الجانب التركي ربما يطالب بإدخال قوات من الجيش العراقي لمسك الأرض، وليس مليشيات أو جهات حزبية تكون على حدودها وتحل محل العمال الكردستاني".

ويرتبط ذلك، وفق رؤية العبيدي، بطبيعة الترتيبات التي ستعقب أي انسحاب تركي؛ إذ لا تريد أنقرة أن يؤدي خروج قواتها إلى انتقال السيطرة في المناطق الحدودية إلى جهات تعدها تهديدا لأمنها.

وتبرز هنا قضية وجود مجاميع من حزب العمال الكردستاني في جبل سنجار، لا سيما مع استمرار وجود مجموعات من الحزب من المكون الأيزيدي ضمن قوات في المنطقة منضوية في الحشد الشعبي.

وكان وجود حزب العمال في جبال سنجار ومناطق أخرى من شمال العراق أحد الملفات التي شكلت مبررا للوجود العسكري التركي، ولذلك فإن إنهاء هذا الوجود يظل مرتبطا بما ستؤول إليه أوضاع الحزب بعد تسليم السلاح وإنهاء العمل المسلح.

وأشار العبيدي كذلك إلى أن تركيا قد تستخدم وجودها في مناطق شمال العراق للضغط على الجانب العراقي من أجل تسوية ملفات محافظة نينوى التي قال: إنها تسيطر عليها المليشيات والحشد الشعبي، وتمثل تهديدا لنفوذ تركيا الاقتصادي والسياسي أيضا.

وبذلك، فإن الضمانات التي قد تطلبها أنقرة لا تتعلق فقط بانتهاء نشاط حزب العمال، وإنما أيضا بالجهة التي ستتولى ملء أي فراغ أمني ينشأ بعد انسحاب القوات التركية من قواعدها وموقعها. وفقا للعبيدي.

ترتيبات أمنية

وفي السياق ذاته، قال الباحث في الشأن السياسي التركي جواد جوغ: إن أنقرة تنظر بإيجابية إلى التطورات الأخيرة وتبدي استعدادا للانسحاب من العراق، لكنه استبعد حدوث ذلك في المدى القريب، بحسب ما نقلت صحيفة "المدى" العراقية في 29 أغسطس/آب 2026.

وأوضح جوغ أن الانسحاب يحتاج إلى ترتيبات فنية وتنسيق استخباري مع الجانب العراقي، متوقعا طرح ملف سحب القوات وإخلاء القواعد خلال أول اجتماع عسكري بين البلدين.

وأضاف الباحث أن القوات التركية قد تنسحب على مراحل بعد استكمال ترتيبات تسليم سلاح حزب العمال الكردستاني. مؤكدا، بحسب تقديره، عدم وجود نية لدى أنقرة للإبقاء على قواتها في إقليم كردستان بعد انتهاء دوافع وجودها.

وتشير هذه الرؤية إلى أن الانسحاب التركي، في حال حصوله، لن يكون بالضرورة قرارا مفاجئا أو شاملا، وإنما قد يتم تدريجيا وبالتزامن مع تطورات ملف حزب العمال، لا سيما مسألة تسليم السلاح.

من جانبه، رأى عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني في إقليم كردستان العراق، دلشاد شعبان، أن الوجود التركي لن يستمر طويلا، وأن انسحاب القوات من الإقليم والقواعد التي تنتشر فيها بات أقرب مع تقدم اتفاق السلام بين أنقرة وحزب العمال.

وأشار شعبان إلى أن وجود حزب العمال في مناطق الإقليم وسنجار ومخمور شكل مبررا لتركيا لبناء قواعد عسكرية وتنفيذ عمليات داخل العراق، مقدرا أن هذا المبرر سينتهي بعد اكتمال عملية تسليم السلاح.

وكانت مليشيات مسلحة عراقية قريبة من إيران قد ربطت، في إحدى شروطها، نزع سلاحها بإنهاء الوجود العسكري التركي من الأراضي العراقية، بصفتها قوات "محتلة"، حالها حال التواجد الأميركي في العراق.

وعلى رأس هذه المليشيات "كتائب حزب الله" في العراق و"كتائب سيد الشهداء"، اللتان طالبتا بانسحاب القوات التركية من شمال العراق كشرط أساسي ورئيس لأي تفاهم أو مقاربة حكومية بشأن ملف حصر السلاح بيد الدولة بعد الانسحاب الأميركي من البلاد في 30 سبتمبر/أيلول.

انسحاب تدريجي

يتزامن ذلك مع تصريحات عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية، كريم عليوي المحمداوي، الذي تحدث عن مباحثات أمنية مرتقبة بين بغداد وأنقرة، مشددا على ضرورة إنهاء وجود القوات الأجنبية على أرض العراق.

وقال البرلماني العراقي، خلال تصريح لصحيفة "العالم الجديد" العراقية في 29 أغسطس/آب 2026: إن الانسحاب التركي سيكون جزءا من مباحثات أمنية مقبلة بين العراق وتركيا.

وشدد على ضرورة عدم وجود أي قوات أجنبية داخل الأراضي العراقية، مضيفا أنه مثلما سينتهي الوجود الأميركي في 30 سبتمبر/أيلول المقبل، فلا بد أن "ينتهي الوجود العسكري التركي، لكون مبررات هذا الوجود قد زالت".

وتشير التقديرات والتقارير الأمنية التي أوردتها المعلومات المتاحة إلى امتلاك تركيا أكثر من 20 قاعدة ونقطة عسكرية وموقع انتشار في شمال العراق، فيما ترفع تقديرات أخرى العدد إلى نحو 50 موقعا، بين ثابتة ومتحركة، يتركز معظمها في محافظتي دهوك وأربيل.

ويأتي طرح إنهاء الوجود التركي بالتزامن مع التطورات التي يشهدها ملف حزب العمال الكردستاني، لا سيما بعد دعوة زعيمه عبد الله أوجلان، المعتقل في تركيا منذ عام 1999، في 27 فبراير/شباط 2025، الحزب إلى اتخاذ قرار بحله وإنهاء الكفاح المسلح.

وفي نهاية يوليو/تموز 2025، أقيمت مراسم رمزية لإتلاف وتسليم الأسلحة في منطقة دوكان بمحافظة السليمانية، في خطوة أُعلن أنها جزء من تنفيذ قرار الحزب بإنهاء العمل المسلح.

كما أخلى حزب العمال الكردستاني عشرات المعسكرات الواقعة عند حدود تركيا مع العراق، في خطوة جديدة لتسريع خطوات طرح "القانون الإطاري" لعملية السلام التي تطلق عليها أنقرة عملية "تركيا خالية من الإرهاب"، والمستندة أساسا إلى حل الحزب ونزع أسلحته.

وفي خطوة جديدة، سحب الحزب مسلحيه من 81 معسكرا عند "النقطة صفر" من الحدود، فيما قامت القوات التركية بعملية مسح كامل وتفتيش للمنطقة، وتم تأكيد الإخلاء عبر صور الأقمار الاصطناعية.

ومن بين المعسكرات التي تم إخلاؤها معسكر إستراتيجي يُعد رمزا للحزب في وادي متينا، مقابل منطقة هدى تبه في بلدة تشوكورغا التابعة لولاية هكاري، جنوب شرقي تركيا، على ارتفاع يتراوح بين 1740 و1754 مترا.

وكانت هذه المنطقة قد قُتل فيها 12 جنديا تركيا في هجوم لحزب العمال الكردستاني عام 2007، إضافة إلى انسحاب عناصر الحزب من كهفين منفصلين في منطقة آفاشين، كان يستخدمهما الحزب مقرا إقليميا له.