من طهران إلى بغداد.. كيف صعد همام حمودي إلى "حلقة وصل" إيرانية؟

المرشد الإيراني ينصب حمودي "حلقة الوصل" ين بغداد وطهران
لم يكن الحديث عن اختيار القيادي الشيعي همام حمودي "حلقة وصل" بين إيران والعراق حدثًا عابرًا في المشهد السياسي العراقي، إذ ينتمي حمودي إلى جيل من القيادات الشيعية التي تشكلت تجربتها السياسية والتنظيمية في إيران، قبل أن تعود إلى بغداد عقب سقوط نظام صدام حسين عام 2003.
وفي 25 أغسطس/ آب 2026، استضاف منزل رئيس "المجلس الأعلى الإسلامي العراقي" همام حمودي في بغداد اجتماعًا لقيادات الإطار التنسيقي، بحضور ممثل المرشد الإيراني الجديد محسن قمي، ورئيس الوزراء علي فالح الزيدي، ووفد من مجلس خبراء القيادة الإيراني.
وأبلغ قمي قيادات الإطار اعتماد حمودي "حلقة وصل" بين إيران والعراق، في خطوة تعيد إلى الواجهة أسئلة قديمة بشأن حجم النفوذ الإيراني داخل القوى السياسية الشيعية العراقية، وحدود الدور الذي يمكن أن يؤديه رجل دين وسياسي عراقي تربطه بطهران علاقات سياسية وتنظيمية تمتد لأكثر من أربعة عقود.

جذور إيرانية
ولد همام باقر حمودي الربيعي عام 1952 في بغداد، ودرس علم النفس في جامعة بغداد، وحصل على درجة الماجستير في التخصص نفسه، قبل أن يتجه إلى دراسة الفقه والفلسفة والاقتصاد الإسلامي.
وانخرط مبكرًا في النشاط الإسلامي الشيعي المعارض لنظام حزب البعث بقيادة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وكان قريبًا من المرجع محمد باقر الصدر وأفكاره، بحسب سيرته المنشورة.
وفي عام 1975، اعتُقل بسبب نشاطه الإسلامي والتنظيمي، وبقي في السجن حتى عام 1977، قبل أن تتصاعد مشاركته في العمل السياسي المعارض.
ومع اشتداد الملاحقة الأمنية، غادر العراق ووصل إلى إيران؛ حيث انخرط في نشاط المعارضة العراقية، وأصبح من الشخصيات المرتبطة بالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، الذي أسسه النظام الإيراني عام 1982 بقيادة محمد باقر الحكيم، وبمرجعية فكرية تقوم على مبدأ ولاية الفقيه.
وتولى حمودي خلال وجوده خارج العراق مسؤوليات سياسية وتنظيمية عدة، بينها العمل معاونًا سياسيًا لمحمد باقر الحكيم، ومسؤولًا عن العلاقات مع دول الخليج والولايات المتحدة، إضافة إلى الإشراف على بعض تنظيمات المجلس في الخارج.
وتُعد هذه المرحلة الأكثر أهمية في تفسير طبيعة علاقته بطهران؛ فالمجلس الأعلى وذراعه العسكرية "فيلق بدر" لم يكونا حزبًا عراقيًا تقليديًا نشأ داخل العراق، وإنما تأسسا في إيران، وعَمِلا لسنوات من الأراضي الإيرانية، في ظل علاقة وثيقة مع نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وكان حمودي جزءًا من هذه البيئة السياسية خلال الحرب العراقية الإيرانية التي امتدت ثماني سنوات بين عامي 1980 و1988، وهي الفترة التي تشكل خلالها جانب كبير من المعارضة العراقية الشيعية في إيران.
لذلك، فإن جذور العلاقة بين حمودي وطهران تعود إلى ما قبل سقوط نظام صدام بعقود، ولا ترتبط فقط بمرحلة مشاركته في العملية السياسية العراقية بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

كاتب الدستور
بعد الغزو الأميركي للعراق وسقوط نظام صدام حسين عام 2003، عاد حمودي إلى العراق، وانتقل من العمل المعارض إلى مؤسسات الدولة، فشارك في مجلس الحكم الانتقالي، وانتُخب عضوًا في الجمعية الوطنية، ثم أصبح عضوًا في مجلس النواب لعدة دورات.
وكانت أبرز محطاته السياسية ترؤسه لجنة كتابة الدستور العراقي الدائم عام 2005، في واحدة من أكثر مراحل العراق اضطرابًا عقب الغزو.
وأشرف حمودي على نقاشات تناولت هوية الدولة، والنظام الفيدرالي، وصلاحيات الأقاليم، وحقوق المكونات، في وقت كانت فيه الخلافات السياسية والمذهبية في أوجها، وكان من أبرز المدافعين عن الفيدرالية ومنح الشيعة إمكانية تشكيل إقليم خاص بهم.
كما ترأس لجنة مراجعة الدستور العراقي ولجنة العلاقات الخارجية في البرلمان، قبل أن يصبح النائب الأول لرئيس مجلس النواب بين عامي 2014 و2018.
وفي يوليو/ تموز 2017، تولى رئاسة المجلس الأعلى الإسلامي العراقي خلفًا لعمار الحكيم، بعد انشقاق الأخير وتأسيسه تيار الحكمة الوطني، وبذلك عاد حمودي إلى قيادة التنظيم الذي كان جزءًا من صفوفه خلال سنوات المعارضة.
ولم يخف حمودي خلال السنوات الأخيرة قربه السياسي من إيران، ولا سيما في الملفات الإقليمية التي وضعت طهران في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. وخلال عام 2026، أعلن مواقف مؤيدة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، مؤكدًا رفضه الوقوف على الحياد تجاه ما وصفه بالعدوان عليها.
كما واصل لقاءاته مع مسؤولين إيرانيين والسفير الإيراني في بغداد محمد كاظم آل صادق، متحدثًا عن أهمية العلاقات بين البلدين. ورغم أن هذه المواقف لا تعني بالضرورة تلقيه توجيهات مباشرة من طهران، فإنها تكشف بوضوح عن اصطفاف سياسي وفكري قريب من إيران.
ويضاف إلى ذلك أن المجلس الأعلى الإسلامي العراقي نفسه ينتمي إلى مدرسة سياسية ذات جذور إيرانية، وكان مرتبطًا تاريخيًا بمبدأ ولاية الفقيه وبالمؤسسات الدينية والسياسية في إيران.
ولهذا، فإن انتقال حمودي من سياسي قريب من إيران إلى "حلقة وصل" بين طهران وبغداد، يعكس رغبة إيرانية في الاعتماد على شخصية عراقية تتمتع بمعرفة عميقة بالمؤسسات الإيرانية، وفي الوقت ذاته تمتلك موقعًا داخل البيئة السياسية الشيعية العراقية.
وقد تكون هذه الصيغة أكثر فاعلية من الاتصال الرسمي وحده، لأنها تتيح لطهران التواصل مع الإطار التنسيقي والأحزاب والقيادات الدينية من خلال شخصية عراقية لها حضور داخل هذه الدوائر.

ظل خامنئي
عقب تداول المعلومات بشأن الدور المنسوب إلى حمودي، استحضر ناشطون عراقيون قرار المرشد الإيراني علي خامنئي في فبراير/ شباط 2025، باختيار الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم "وكيلًا وممثلًا شرعيًا له" في لبنان.
لكن المقارنة بين الحالتين تحتاج إلى قدر أكبر من التثبت، إذ لا تتوافر معلومات معلنة تفيد بأن حمودي أصبح وكيلًا شرعيًا لخامنئي، فيما يقتصر الحديث المتداول عنه على اختياره "حلقة وصل" بين إيران والعراق.
مع ذلك، فإن استحضار نموذج نعيم قاسم يعكس مخاوف عراقية من انتقال النفوذ الإيراني إلى مستويات أكثر تنظيمًا، بحيث لا تقتصر العلاقة على السفارات والحكومات، وإنما تمتد إلى شخصيات دينية وسياسية تتمتع بنفوذ داخل الدول الحليفة لطهران.
وفي الحالة العراقية، تزداد حساسية هذا الأمر بسبب طبيعة الإطار التنسيقي الشيعي نفسه، الذي يضم معظم القوى السياسية والمجموعات المسلحة الشيعية الرئيسية، بينها قوى ترتبط بدرجات متفاوتة بإيران.
ومن ثم، فإن وجود شخصية سياسية تحظى بثقة طهران داخل هذا الإطار قد يمنحها قدرة أكبر على إيصال رسائلها والتأثير في مسارات النقاش، لا سيما في الملفات المرتبطة بالأمن والسلاح والعلاقة مع الولايات المتحدة.
ولم تخلُ مسيرة حمودي من الانتقادات والاتهامات، خصوصًا خلال فترة توليه منصب النائب الأول لرئيس البرلمان. ففي عام 2017، طالبت البرلمانية عواطف نعمة بالتحقيق في تخصيص نحو 95 مليون دينار عراقي، أي ما يعادل آنذاك نحو 800 ألف دولار، لتأهيل منزله، مقدرة أن حجم الإنفاق لا يتناسب مع ظروف التقشف التي كانت تمر بها البلاد.
وفي عام 2018، اتهمت عضو لجنة النزاهة البرلمانية النائبة عالية نصيف، نائب رئيس البرلمان همام حمودي، بعرقلة محاولات نيابية لفتح ملف عقارات الدولة، وربطت ذلك بجهات سياسية متنفذة.
وأثار ظهور قصر حمودي الذي استضاف اجتماع الإطار التنسيقي بحضور رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي وممثل المرشد الإيراني محسن قمي، ردود فعل غاضبة على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ تساءل ناشطون عن مصدر ثروته، مستحضرين مسيرته السابقة في المعارضة العراقية داخل إيران.
وتداول مستخدمون منشورات تنتقد ما وصفوه بالفارق الكبير بين حياة حمودي خلال سنوات معارضته في إيران ووضعه الحالي، وتتهمه بالاستفادة من المناصب والنفوذ السياسي. غير أن هذه المنشورات تمثل مواقف وآراء أصحابها، ولا تشكل في حد ذاتها أدلة على ارتكاب مخالفات مالية.
كما تداولت وسائل إعلام اتهامات مرتبطة بملف استيراد سيارات من نوع "سايبا" الإيرانية، وربطت تلك الملفات بحمودي، إلا أن هذه القضايا بقيت، وفق المعلومات المتاحة، في إطار الاتهامات السياسية والإعلامية، من دون الإشارة إلى صدور أحكام قضائية أو إجراءات نزاهة نهائية بحقه بشأنها.
وارتبط اسم حمودي كذلك بالعمل المسلح عقب اجتياح تنظيم الدولة مساحات واسعة من العراق عام 2014، عندما تحدثت مصادر عن تشكيل "سرايا عاشوراء" للمشاركة في القتال ضد التنظيم، في مرحلة شهدت توسعًا كبيرًا في نفوذ القوى المسلحة داخل الدولة العراقية.
ويضيف هذا الجانب من سيرته بُعدًا آخر إلى صورته السياسية؛ إذ تجمع مسيرته بين العمل الحزبي والبرلماني والديني والارتباط ببيئة الفصائل المسلحة التي أصبحت جزءًا أساسيًا من المشهد العراقي بعد عام 2014.

















