80 رجل أعمال إماراتيا في بيروت.. هل تستعد أبو ظبي لاقتناص فرص لبنان؟

"أبو ظبي تحركت بحذر"
في مشهد يعكس رهان الحكومة اللبنانية على إعادة بناء شراكاتها الخليجية وجذب التمويل لإنعاش اقتصاد أنهكته الحرب والأزمة المالية، حطّت في بيروت أواخر أغسطس/آب 2026، طائرة تقل عشرات من رجال الأعمال والمستثمرين الإماراتيين.
وذكر موقع "المونيتور" الأميركي، في تقرير له، أن العاصمة اللبنانية استقبلت وفدا تجاريا رفيع المستوى من الإمارات أواخر أغسطس، في وقت تسعى فيه أبو ظبي إلى انخراط اقتصادي إقليمي جديد مع تراجع النفوذ الإيراني.

مؤشرات ثقة
وأوضح التقرير أن الوفد، الذي قاده وزير الدولة الإماراتي للتجارة الخارجية، ثاني بن أحمد الزيودي، يمثل أحدث مؤشر على تقدم إعادة ضبط العلاقات بين البلدين، وأن حضوره في منتدى استثماري رفيع المستوى يعد مكسبا للحكومة اللبنانية.
وأشار "المونيتور" إلى أن الإمارات كانت لسنوات أحد أبرز الشركاء الاقتصاديين العرب للبنان، قبل أن تبدأ العلاقة بالتدهور عام 2005، مدفوعة بتنامي نفوذ حزب الله المدعوم إيرانيا في البلد المتوسطي، عقب اغتيال رئيس الوزراء، رفيق الحريري.
وأضاف أن الدولة الخليجية عادت حاليا للانخراط مع الحكومة اللبنانية الجديدة المدعومة غربيا برئاسة جوزيف عون؛ إذ أعادت منذ العام 2025 فتح سفارتها في بيروت، ورفعت قيود السفر المفروضة على لبنان في إطار تواصل جديد.
ولفت التقرير إلى أن أبو ظبي تحركت بحذر، بما يعكس بيئة الاستثمار المحفوفة بالمخاطر والأوضاع الأمنية المتقلبة في لبنان، وقد بدا هذا الحذر جليا رغم وصول الزيودي على رأس 80 من قادة الصناعة والمسؤولين الإماراتيين في قطاعات مثل الخدمات اللوجستية والزراعة والطاقة والسياحة.
ووصف "المونيتور" الزيارة التي استمرت يومين وبدأت في 26 أغسطس بأنها دفعة كبرى لإحياء التجارة والاستثمار، لكنه رأى أن الصفقات المعلنة ظلت محدودة، إذ أثمر اليوم الأول خمس مذكرات تفاهم تمحورت حول مجلس أعمال مشترك وتعاون زراعي.
ونقل التقرير عن وكالة الأنباء اللبنانية الرسمية أن الزيودي ووزير الاقتصاد والتجارة اللبناني، عامر بساط، وقّعا في اليوم الثاني اتفاقا حول تعزيز التعاون التجاري والاستثماري، مضيفا أن النقاشات الأكثر طموحا بشأن المشاريع والشراكات لم تثمر الاتفاقات المتوقعة.
وأوضح أن مجلس الأعمال الإماراتي اللبناني المطلق حديثا كُلّف بوضع خارطة طريق استثمارية، وأورد بيانا لمكتب عون قال: إن لبنان دعا الإمارات إلى الاستثمار، وإن الزيودي وصف الحضور الإماراتي بأنه "رسالة إيجابية وخير دليل على محبة الإمارات للبنان".
وأشار التقرير إلى أن الجانب الإماراتي أبرز أن التبادل التجاري غير النفطي مع لبنان بلغ 4.2 مليارات دولار عام 2025، بزيادة 35.6 بالمئة مقارنة بعام 2024، مقدرا أن الفجوة بين الإشارات الدبلوماسية ورأس المال الفعلي مسألة بالغة الأهمية.
وذكر "المونيتور" أن الاستثمار الخليجي يُنظر إليه بوصفه مفتاحا لتعافي لبنان، في حين أن أضرار الحرب الجديدة الناجمة عن العمليات الإسرائيلية عام 2026 أضافت على الأرجح ما بين 3 و4 مليارات دولار إلى كلفة إعادة الإعمار.
وأضاف أن دور الإمارات هنا يكتسب أهمية خاصة بعد أن تعهدت أبو ظبي أخيرا بمليارات لدعم مصر وسوريا، وأن السؤال المطروح الآن هو إلى أي مدى تستعد أبو ظبي للمضي، وما إذا كانت بيروت قادرة على تهيئة ظروف تجعل الاستثمار يستحق المخاطرة.
وبحسب الباحثة الزائرة في مبادرة الشرق الأوسط بكلية كينيدي بجامعة هارفارد، لينا الخطيب، فإن الإمارات اتخذت حتى الآن خطوات تدريجية نحو استعادة العلاقات الاقتصادية مع لبنان، وهي خطوات قد تلمّح إلى أن دعما أكثر تأثيرا بات في الأفق.
وقالت الخطيب، في تصريح لموقع “المونيتور”: إنه يمكن توقع أن تبني الإمارات على مؤشرات الثقة هذه بالحكومة اللبنانية، بما يمهّد الطريق لعودة الاستثمار والتجارة الخليجيين اللذين تمسّ الحاجة إليهما.
وأضافت أن هذا الأمر مهم لا للبنان وحده، بل للإمارات وسائر دول الخليج أيضا؛ لأن الاستقرار الإقليمي يصب في مصلحتها الوطنية.
فرصة أبو ظبي
ورأى التقرير أن المشهد السياسي المتغير في لبنان يقع في صميم هذا الإفراج؛ إذ جعل عون ورئيس الوزراء، نواف سلام، إصلاح العلاقات مع دول الخليج أولوية منذ توليهما السلطة في يناير/كانون الثاني 2025.
وأشار "المونيتور" إلى أن حزب الله ضعُف بصورة حادة جراء صراعات متتالية مع إسرائيل، ويواجه ضغوطا لنزع سلاحه عقب اتفاق ثلاثي برعاية أميركية في يونيو/حزيران، مقدرا أن ذلك يمثل لأبو ظبي وسائر العواصم الخليجية فرصة كان يصعب تخيلها حتى وقت قريب.
وأورد التقرير أن الحسابات الإستراتيجية تمتد إلى ما هو أبعد من لبنان نفسه، ناقلا عن الخطيب قولها إنه مع رفع العقوبات الأميركية عن سوريا بالكامل، يتجه المشرق أكثر ليكون جزءا من مشروع أوسع لتحقيق الاستقرار الاقتصادي.
وأضافت الخطيب أن دول الخليج تؤدي في هذا المشروع دورا محوريا، وأن لبنان يقف مستفيدا منه، فيما لفت "المونيتور" إلى أن الولايات المتحدة دعمت حكومة عون على نحو أكثر استباقية مما توقعه البعض، ما خلق انفتاحا سياسيا لانخراط أكبر.
وذكر التقرير أن الإطار المتفق عليه في يونيو يُلزم الولايات المتحدة بحشد الشركاء الدوليين للمساعدة في إعادة بناء الاقتصاد اللبناني، وترميم البنية التحتية، وتعبئة مساعدات إعادة الإعمار.
ورأى "المونيتور" أن نهج الإمارات في لبنان يوازي تواصلها الأخير مع دمشق، في وقت تخرج فيه سوريا من سنوات من النفوذ الإيراني والحرب، مشيرا إلى أن أكثر من 120 شركة ومؤسسة إماراتية شاركت خلال مايو/أيار في منتدى الاستثمار السوري الإماراتي الأول.
وأوضح التقرير أن القطاعات المطروحة تراوحت بين البنية التحتية والسياحة، وأن أبرز تطور بين مذكرات التفاهم المعلنة كان كشف الملياردير الإماراتي، محمد العبار، أنه يدرس مشاريع عقارية سورية قد تبلغ قيمتها 19 مليار دولار.
وأضاف أن أبو ظبي انتقلت في البلدين من الانخراط السياسي نحو المساعدة الاقتصادية، دون أن تلقي فورا بثقل رأسمالها الكامل؛ إذ تختبر البيئة وتبني العلاقات وتحدد الفرص، ريثما ترى ما إذا كانت التغيرات السياسية ستغدو راسخة بما يكفي.
ولفت "المونيتور" إلى أن المستثمرين الإماراتيين الناشطين في لبنان يجسّدون حجم المخاطر؛ إذ رفعت مجموعة "الحبتور" ومقرها دبي دعوى قضائية مطلع العام 2026 ضد الدولة اللبنانية، تطالب فيها بأكثر من 1.7 مليار دولار عن خسائر مرتبطة بالانهيار المالي في البلاد.
وأورد التقرير أن رئيس المجموعة، خلف أحمد الحبتور، استند أيضا إلى مخاوف أمنية ومخاوف من الفساد في تخليه عن استثمارات كان يعتزمها.

استثمار مشروط
ورأى "المونيتور" أن غياب إعلانات استثمارية كبرى في المنتدى الإماراتي اللبناني لا ينبغي تفسيره فشلا في الوقت الراهن، فأبو ظبي تشير إلى أنها مستعدة للمضي قدما، لكن الاستثمار سيتبع تحقق الشروط.
وأشار التقرير إلى أن المخاوف الأمنية تبقى حادة جدا؛ إذ تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية في جنوب لبنان وسط مفاوضات على تسوية أوسع، ورأى أن منطق الاستثمار بسيط، إذ قلّة من الشركات سترغب في ضخّ أموال في بنية تحتية قد تهددها حرب أخرى.
ولفت "المونيتور" إلى أن الإصلاحات الاقتصادية عامل حاسم آخر، إذ تتولى الحكومة اللبنانية الحالية مهمة معالجة سنوات من الضرر الناجم عن الأزمة المالية عام 2019، فيما تبقى الإصلاحات المصرفية والتغييرات الهيكلية اللازمة لإطلاق المساعدات الدولية ناقصة رغم التقدم الأخير.
وذكر التقرير أن البرلمان اللبناني أقرّ في أغسطس تعديلات على قانون إعادة هيكلة المصارف، في خطوة رحّب بها صندوق النقد الدولي، بينما توقع البنك الدولي في الشهر نفسه أن ينكمش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4 بالمئة عام 2026، مع بلوغ التضخم 17.5 بالمئة.
وأوضح أن موضوع الإصلاحات برز خلال المنتدى الإماراتي اللبناني الذي تزامن مع اجتماع عون بوزير المالية، ياسين جابر، وحاكم مصرف لبنان، كريم سعيد، لبحث قانون إعادة هيكلة المصارف في 27 أغسطس.
وخلص التقرير إلى أن الدعم الإماراتي وحده لن يكون كافيا لمعالجة مشكلات لبنان المتشعبة، لكنه أشار إلى أن زيارة الوفد الإماراتي إلى بيروت تعكس عودة الانخراط الإماراتي، وتحسنا متزايدا في نبرة الخطاب، فيما يبقى تحويل هذا الزخم إلى استثمارات كبرى أمرا لم يُحسم بعد.

















