رسالة من ابن زايد إلى الملك سلمان.. لماذا تجاوزت دبي ولي العهد السعودي؟

الإماراتيون شعروا بأنه لم يعد أمامهم خيار سوى التوجه مباشرة إلى رأس السلطة، لكن محمد بن سلمان لن يكون سعيدا بهذا الأسلوب
لم تكن الرسالة المكتوبة بخط اليد من رئيس الإمارات محمد بن زايد إلى العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز مجرد دعوة لحضور مؤتمر أممي للمياه.
ففي توقيتها وطريقة توجيهها إلى العاهل السعودي البالغ تسعين عامًا، قرأ دبلوماسيون محاولة لفتح باب القصر من فوق رأس ولي العهد محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي للمملكة.
وجاءت الرسالة بعد سنوات تآكل خلالها تحالف الرجلين على خلفية الخلافات بشأن اليمن والسودان وأسواق النفط، وفي ظل اصطفاف أمني سعودي جديد يقابله تقارب إماراتي إسرائيلي. فهل تبحث أبوظبي عن مصالحة بلا تنازلات؟ ولماذا اختار ابن زايد مخاطبة الملك بدلًا من ولي عهده؟ وهل تحولت المنافسة الصامتة إلى صراع على قيادة الخليج وإعادة ترتيب الإقليم؟

رسائل اختبار
في 24 أغسطس/ آب 2026، أفادت وكالة الأنباء السعودية بأن الملك سلمان تلقى رسالة خطية من محمد بن زايد تتصل بالعلاقات الثنائية، ثم أعلنت وكالة أنباء الإمارات في اليوم التالي أن الرسالة تتضمن دعوة رسمية إلى مؤتمر الأمم المتحدة للمياه الذي تستضيفه أبوظبي بالشراكة مع السنغال بين 8 و10 ديسمبر/ كانون الأول 2026. وتسلم الرسالة نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي من السفير الإماراتي مطر سالم الظاهري.
ووصف موقع "ميدل إيست آي" البريطاني خطاب الدعوة بأنه الرسالة الثانية بين الزعيمين خلال أيام. ثم نقل المشهد من الإطار البروتوكولي إلى صراع النفوذ؛ إذ قال إن دبلوماسيين أميركيين وعربا رأوا في مخاطبة الملك محاولة لتجاوز ولي العهد.
ونقل الموقع عن مسؤول غربي قوله: إن الإماراتيين شعروا بأنه لم يعد أمامهم خيار سوى التوجه مباشرة إلى رأس السلطة. مضيفًا أن محمد بن سلمان لن يكون سعيدًا بهذا الأسلوب.
وأشار التقرير إلى أن الملك سلمان الذي تولى العرش عام 2015 بعد وفاة أخيه غير الشقيق الملك عبد الله، نادرًا ما يغادر البلاد، وأن آخر رحلة علنية معروفة له كانت إلى تونس لحضور القمة العربية عام 2019.
وفي المقابل، يمسك ابنه بمفاصل الحكم ويمثل المملكة في أعلى المستويات. وكان الملك سلمان قد عاد حينها من زيارة إلى فرنسا استمرت يومين، التقى خلالها الرئيس إيمانويل ماكرون، وبحث معه الاتفاقات الثنائية وتطورات الشرق الأوسط.
وربط الموقع الرسالة بتوتر تفجر عندما قصفت السعودية حلفاء الإمارات الانفصاليين في اليمن، وبوقوف البلدين على طرفين مختلفين في حرب السودان. كما أشار إلى عرض أميركي للوساطة، وعدم إتمام زيارة مسؤول أميركي بارز إلى الإمارات، فضلًا عن إلغاء زيارة كان يعتزمها ستيف ويتكوف، مبعوث الرئيس الأميركي.
ووفق التقرير، منحت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران الرياض وأبوظبي لحظة توافق قصيرة، بعدما شاركتا الولايات المتحدة في ضرب إيران، قبل أن تدعم السعودية وساطة عبر حليفتها القديمة باكستان، حاولت الإمارات منعها.
ثم انضمت الرياض إلى أنقرة وإسلام آباد في "ميثاق مكة" الدفاعي الذي أكد أطرافه أنه لا يستهدف جيرانهم ومفتوح أمام أعضاء جدد، بينما قرأه الموقع بوصفه بديلًا أمنيًا للشراكة الإماراتية الإسرائيلية.
وكان الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله، المقرب من ابن زايد، قد وجه انتقادات للاتفاق، قبل أن يخلص إلى أن التواصل مع الملك بدا أيضًا تجاوزًا لقناة سبق أن اقترحها محمد بن سلمان في رسالة إلى مستشار الأمن الوطني الإماراتي طحنون بن زايد، لمعالجة الخلافات عبر وزير الدفاع خالد بن سلمان.
ويلقب طحنون بـ"شيخ الجواسيس"، وهو معروف بأنه رجل المهمات الصعبة في أبوظبي، لا سيما أنه لعب دورًا في استعادة العلاقات مع قطر بعد أزمة 2017، واستضاف، وفق "رويترز"، أعضاء في الحرس الثوري الإيراني لبحث وقف الهجمات على الإمارات.
وتكمن إشكالية الرسالة الأخيرة من ابن زايد في هوية المخاطَب أكثر من مضمونها. فقد لخص الباحث البريطاني أندرياس كريغ قراءته للمشهد بالقول إن محمد بن زايد توجه مباشرة إلى القمة، متجاوزًا ولي العهد والحاكم الفعلي، وإن أبوظبي تستميت في إعادة بناء علاقتها بالرياض من دون تقديم التنازلات المطلوبة في اليمن والسودان وإسرائيل.
وعلى الجانب السعودي من منصة "إكس"، ذهب المحلل السياسي السعودي عبد السلام صالح إلى قراءة أكثر حدة، إذ ربط بين الرسالة وإعلان أبوظبي دعوة 192 دولة إلى مؤتمر المياه، وعدّ ذلك محاولة لإثبات الحضور، مختصرًا موقفه بعبارة: "من يملك القرار لا يحتاج إلى مؤتمرات منفوخة".
وتابع قائلًا: "من يملك القلق، يفتعل الفعاليات الكبرى ليشتري صورة حضور"، وأضاف: "أما السؤال الأكثر أهمية: ماذا لو كان هذا المؤتمر مجرد رد فعل على الخبر السعودي؟ حينها لن يكون مؤتمرًا عالميًا، بل محاولة لترميم وجع إستراتيجي"، ثم اختتم: "الزمن تغير، وأبوظبي تعرف ذلك أكثر من أي وقت مضى".
قصف الحلفاء
ولم يبدأ الشرخ برسالة أغسطس/ آب، بل نما داخل التحالف نفسه. فمنذ التدخل العسكري في اليمن عام 2015، تحركت السعودية والإمارات تحت مظلة واحدة ضد الحوثيين، لكنهما دعمتا على الأرض شريكين مختلفين؛ إذ تمسكت الرياض بالحكومة المعترف بها دوليًا، بينما دعمت أبوظبي المجلس الانتقالي الجنوبي ومشروعه الانفصالي.
وفي ديسمبر/ كانون الأول 2025، انتقلت المنافسة من توزيع النفوذ إلى المواجهة المباشرة، بعدما تقدم الانفصاليون المدعومون إماراتيًا في الجنوب والشرق.
حينها، شن التحالف بقيادة السعودية غارة على شحنة عسكرية إماراتية في ميناء المكلا، كانت موجهة إلى الانفصاليين، وطالب بخروج القوات الإماراتية.
وخلال يناير/ كانون الثاني 2026، استعادت القوات المدعومة سعوديًا المكلا ومناطق أخرى، بينما دخل المجلس الانتقالي في انقسامات كشفت أن الخلاف بين بن زايد وبن سلمان لم يعد قابلًا للإخفاء خلف شعارات التحالف.
وبالتوازي، تحولت المنافسة الاقتصادية إلى مسار ضغط مستقل. فمنذ عام 2021، دفعت الرياض الشركات الدولية إلى نقل مقارها الإقليمية إلى المملكة للحصول على العقود الحكومية، في خطوة فُهمت على نطاق واسع بصفتها تحديًا لموقع دبي.
وفي العام نفسه، ظهر خلاف علني نادر داخل "أوبك" حول حصص الإنتاج، ضمن محطات في مسار تحول الحليفين إلى منافسين. ثم انسحبت الإمارات من المنظمة و"أوبك بلس" بدءا من الأول من مايو/ أيار 2026، منهية عضوية استمرت قرابة ستة عقود.
وفي 18 أغسطس/ آب 2026، كشفت "رويترز" أن السعودية شددت التدقيق في التحويلات المصرفية المتجهة إلى الإمارات، وقال رجال أعمال إن بعض المدفوعات تأخرت أو أُعيدت، بينما أكد البنك المركزي السعودي أنه يطبق ضوابط مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وهكذا وصلت الرسالة بعد أن عبر التنافس ثلاث دوائر متتالية: الوكلاء المسلحون، والنفط، ثم حركة الأموال.

رسم المعسكرات
لم يعد الخلاف بين الرياض وأبوظبي مجرد تنافس على النفوذ أو تباين في إدارة الملفات الإقليمية، بل أخذ يتحول إلى اختلاف في تصور شكل المنطقة والتحالفات التي ينبغي أن تحكمها. ويقدم السودان وإسرائيل أبرز مثالين على هذا التباعد؛ ففي السودان، كشفت الحرب التي اندلعت في 15 أبريل/ نيسان 2023 عن تضارب واضح في حسابات البلدين ومصالحهما، بعدما اقترب كل منهما من مسار مختلف في الصراع.
لا سيما أن باحثين في الأمم المتحدة ومشرعين أميركيين والجيش السوداني اتهموا الإمارات بتقديم دعم حاسم، من عتاد ومرتزقة وأموال، إلى قوات الدعم السريع المتمردة عبر دول مجاورة.
وفي الوقت نفسه، احتفظت الرياض بموقع الوسيط من خلال محادثات جدة التي رعتها مع واشنطن، ما جعل السودان ساحة تتداخل فيها الوساطة الرسمية مع منافسة النفوذ.
أما إسرائيل، فتمثل فارقًا أكثر بنيوية؛ إذ طبعت الإمارات علاقاتها معها عام 2020، ثم وسعت التعاون التجاري والدفاعي، بما في ذلك اتفاقات بين شركات حكومية لتطوير أنظمة عسكرية غير مأهولة.
في المقابل، لم تقم السعودية علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، وظلت تربط ذلك بمسار واضح نحو إقامة دولة فلسطينية، حتى مع اشتراط الرئيس الأميركي دونالد ترامب اعتراف الرياض بإسرائيل للمضي في اتفاق التعاون النووي المدني الذي أرسله إلى الكونغرس في 25 أغسطس/ آب 2026.
وبين المسارين جاء "ميثاق مكة" في 7 أغسطس/ آب 2026، جامعًا السعودية وتركيا وباكستان على قاعدة أن الهجوم على دولة منها يعد هجومًا على الجميع. ويجمع الاتفاق الثقل المالي للرياض بالقدرات العسكرية والصناعات الدفاعية التركية والخبرة العسكرية الباكستانية، في إطار ردع جماعي وصفه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بأنه مماثل فنيًا للمادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي.
وقد أظهر تساؤل عبد الخالق عبد الله عن هوية "العدو المشترك" حجم القلق في بعض الأوساط الإماراتية. فالمعادلة الجديدة لا تقسم المنطقة إلى معسكرين مغلقين، لكنها تكشف اختلافًا واضحًا: الرياض تبني شبكة ردع مع أنقرة وإسلام آباد وتحافظ على شرط إقامة الدولة الفلسطينية، فيما تستند أبوظبي إلى علاقتها المتقدمة بإسرائيل وشراكتها الأمنية مع واشنطن.
ومن هنا يصبح ثمن المصالحة أكبر من لقاء أو رسالة؛ لأنه يمس اختيار الحلفاء، وحدود الحركة في السودان واليمن، وشكل الأمن الخليجي المقبل.
المصادر
- UAE president's letter to elderly Saudi king seen as jab at Crown Prince
- Saudi Arabia tightens anti-crime oversight on UAE-bound bank transfers
- سياسي / خادم الحرمين الشريفين يتلقى رسالة خطية من رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة
- UAE, Israel to jointly develop unmanned military, commercial vessels
- تحويلات مالية تتأخر وأخرى تمر عبر دول ثالثة.. ما الذي يجري بين السعودية والإمارات؟

















