بعد الصفقة الإسرائيلية والتقارب التركي.. لماذا سارع ميتسوتاكيس لزيارة مصر؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

في السياسة، كثيرا ما يحمل التوقيت رسالة أهم من الحدث نفسه، ومن هذا المنظور، يكتسب لقاء رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي، مع رئيس وزراء اليونان كرياكوس ميتسوتاكيس، في 8 سبتمبر/أيلول 2026، بمدينة العلمين، أهمية تتجاوز مضمونه إلى توقيته ودلالاته السياسية.

جاء هذا في مقال نشرته صحيفة "كاثيميريني" اليونانية، للصحفية ومحللة في الشؤون الخارجية، سارة شريف التي رأت أن اللقاء لا يُفهم بمعزل عن تطورات أخيرة متسارعة.

وعدّدت هذه التطورات، من التوتر المتصاعد بين أثينا وأنقرة بشأن بحر إيجه، وتوقيع صفقة "درع أخيل" الدفاعية مع إسرائيل بقيمة 3.5 مليارات دولار، إلى تنامي التعاون الدفاعي بين القاهرة وأنقرة، وتصاعد التوتر بين تركيا وإسرائيل في سوريا.

طمأنة التحالف

ووقّعت اليونان صفقة "درع أخيل" مع إسرائيل بقيمة 3.5 مليارات دولار، بما وضع أثينا في موقع أقرب حليف أمني لإسرائيل شرق المتوسط، في وقت باتت فيه العلاقات بين إسرائيل ومصر متوترة منذ الحرب على غزة.

ورأت الكاتبة أن زيارة ميتسوتاكيس السريعة لمصر جاءت في أعقاب ذلك، وقد تكون محاولة لطمأنة القاهرة إلى أن التحالف اليوناني مع إسرائيل لا يعني انحيازا ضد مصر، ورسالة إلى أنقرة بأن العلاقات بين القاهرة وأثينا ممتازة.

وقد عبّر وزير الخارجية اليوناني جورج جيرابيتريتيس، عن ذلك بوضوح؛ إذ وصف مصر بأنها "هدف رئيس" لليونان دبلوماسي، ونعت علاقته بنظيره بدر عبد العاطي بـ"الأخوية".

ولفت المقال إلى أن زيارة مصر تندرج في المنطق ذاته، فمدّ خط دبلوماسي مع مصر في اللحظة التي أنجزت فيها أثينا صفقة السلاح مع إسرائيل ليس مصادفة، وإنما خطوتان متكاملتان ضمن إستراتيجية واحدة.

وذكرت شريف أن صفقة "درع أخيل" ليست قرارا عسكريا فحسب، وإنما قرار سياسي اتخذ على أعلى المستويات؛ حيث نقلت عن وزير الدفاع نيكوس ديندياس، وصفه لها بأنها "رد لا غنى عنه على التحديات الجيوسياسية، يحوّل الدفاع اليوناني من منظومة أسلحة بسيطة إلى قوة ردع شاملة".

وأوضحت أن ذلك “يكشف أن الصفقة صُمّمت رسالة إستراتيجية إلى أنقرة، وفي الوقت نفسه، رفعت أثينا قضية الاستفزازات التركية في بحر إيجه إلى المستوى الأوروبي”.

وادّعت شريف أن الخلفية الأيديولوجية لهذا التوتر معروفة، وهي عقيدة "الوطن الأزرق" التركية التي تعدّ شرق المتوسط بأكمله مجالا للنفوذ التركي، وفق زعم الكاتبة.

وأضافت أن هذه العقيدة تعزّزها تركيا ببناء أكثر من 50 سفينة حربية، بعضها موجّه إلى دول مثل باكستان والسعودية، شريكتَي تركيا في "اتفاق مكة" الذي تتردد القاهرة في الانضمام إليه.

تقارب مشروط

ولاحظت شريف أن العلاقات بين مصر وتركيا بدت في الأشهر الأخيرة أكثر تقاربا، بدليل الزيارات الدبلوماسية واتفاقات التعاون الدفاعي.

لكنها لفتت إلى أنه "ليس سرّا أن العلاقات المصرية-التركية الحالية مشروطة؛ فقد تقارب الجانبان لأسباب جيوسياسية، منها موقفهما من إسرائيل والرغبة في تقليل اعتمادهما على السلاح الأميركي".

وأفادت شريف بأن هذا التقارب القائم على مصالح مؤقتة “قد لا يدوم طويلا في السياسة، بالنظر إلى الشكوك المصرية في تحركات أنقرة”.

ورأت أن “مصر، بوصفها قوة إقليمية، لا تريد أن تشعر بأن أحدا يقودها، بينما تحاول تركيا أن تقدّم نفسها محرّكا للأحداث في المنطقة”.

ولخّصت شريف قصة هذا التعاون بأنه "تعاون براغماتي تشوبه الريبة والتنافس على الزعامة"، مضيفة أن البعد الاقتصادي أسهم بدوره في نمو العلاقة بين القاهرة وأنقرة.

وذكرت أن تراجع إيرادات قناة السويس وتداعيات أزمة الحبوب الأوكرانية جعلا مصر أكثر انفتاحا على التعاون مع أطراف لم تكن لتضعها في مقدمة أولوياتها في ظروف مختلفة.

لكنها أكدت أن حدود هذا الانفتاح واضحة، فقد رفضت مصر مثلا العرض التركي بمنحها منطقة اقتصادية خالصة أوسع مما توفره اتفاقاتها مع اليونان وقبرص الرومية.

وأوضحت أن العرض غير قابل للتطبيق عمليا؛ لأنه يقوم على مزاعم تنتهك حقوقا سيادية يونانية وقبرصية قائمة، بحسب ادعاء المقال.

ورأت شريف أن الرسالة الواضحة من رفض مصر، هي أن لها حدودا في تعاونها مع تركيا، وأن هذا التعاون لن يؤثر في علاقاتها باليونان وقبرص.

لعبة التوازن

وأشارت إلى أن هناك ساحات أخرى بات فيها التفاعل بين اليونان وتركيا ومصر أكثر تعقيدا، ففي ليبيا مثلا استأنفت أثينا وطرابلس مفاوضاتهما التقنية بشأن ترسيم الحدود البحرية، في جولة ثالثة عُقدت في يوليو/تموز 2026.

ورأت أن ذلك يمنح مصر، بما لها من نفوذ كبير في المعادلة الليبية، دورا مباشرا في التنسيق مع اليونان، ما يجعل ليبيا امتدادا لتوازن القوى في شرق المتوسط.

وأضافت أن ذلك يجعل اليونان أيضا لاعبا في ليبيا، وهي ساحة تنخرط فيها تركيا كذلك.

وتابعت شريف أن مشروع الربط الكهربائي "غريغي" بين مصر واليونان، الذي يخلق ممرا مباشرا يربط إفريقيا بأوروبا "دون المرور عبر تركيا"، أداة اقتصادية لتحييد النفوذ التركي دون مواجهة مباشرة، ويعكس التفاهم بين القاهرة وأثينا.

وأكّدت شريف أن زيارة ميتسوتاكيس لمصر في هذا التوقيت تحديدا رسالة سياسية في المقام الأول، فتحالف اليونان مع إسرائيل، وتقارب مصر مع تركيا، وتصاعد التوتر بين تركيا وإسرائيل، لا تعني بالضرورة أن القاهرة وأثينا باتتا في كتلتين متعارضتين.

ولأن كل شيء ممكن في السياسة، فإن القاهرة وأثينا، حتى في هذا السياق، ما زالتا تحافظان على علاقتهما العميقة والخاصة القائمة على الاحترام المتبادل.

وأوضح المقال أن التركيز الحالي منصبّ على إيجاد توازن بين مصالح كل منهما، والحفاظ على شراكتهما التاريخية.

ولفتت شريف إلى أن مصر، من جانبها، تلعب لعبة توازن كلاسيكية، فتقترب من تركيا بما يكفي للحفاظ على موقعها في التحالفات الإقليمية الناشئة، لكنها تتوقف في اللحظة المناسبة كي لا تعرّض علاقاتها بلاعبين إقليميين آخرين للخطر.

وتجلّى ذلك، وفق الكاتبة، في قرار مصر عدم الانضمام إلى اتفاق مكة مع السعودية وباكستان وتركيا.

وختمت شريف بأن اليونان تدرك أن أي فراغ دبلوماسي مع القاهرة قد يملؤه تنامي النفوذ التركي، لذا تتحرك سريعا لترسيخ حضورها "على الخط" بزيارة رمزية تُبقي مصر داخل فضاء أثينا ونيقوسيا.