بعد انتهاء مهمة التحالف.. هل يقترب العراق من حسم ملف الفصائل؟

نهاية التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة لن تنهي أزمة الفصائل في العراق
رأت مجلة "فورين بوليسي" الأميركية أن انتهاء مهمة التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة لا يعني اقتراب العراق تلقائيا من إنهاء أزمة الفصائل المسلحة، بقدر ما يفتح مرحلة جديدة تدير فيها حكومة رئيس الوزراء، علي فالح الزيدي، العلاقة الأمنية مع واشنطن بصيغة ثنائية.
وفي مقال لنائبة مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، لهيب هيجل، رأت الكاتبة أن الزيدي أدرك منذ توليه المنصب في مايو/أيار حجم التحدي في التعامل مع الفصائل المدعومة من إيران، لكنه ربما لم يتوقع سرعة اشتعاله.
وأوضحت أنه في 27 يوليو/تموز، استهدفت طائرات مسيّرة أُطلقت من العراق منشآت نفطية شرقي السعودية. ونفت الفصائل العراقية مسؤوليتها، لكن الرياض وواشنطن شنّتا بعد يومين ضربات على فصائل موالية لإيران، قُتل فيها 20 عنصرا على الأقل.
ولفتت إلى أن هذه المواجهة كشفت مأزق الزيدي في ضبط جماعات مسلحة قادرة على جرّ العراق إلى نزاع إقليمي، مع موازنة علاقات بغداد بواشنطن وطهران في آن واحد.
وذكرت هيجل أن التحالف الدولي بقيادة أميركا تأسس عام 2014 لمحاربة تنظيم الدولة عقب اجتياحه مساحات واسعة من العراق وسوريا، وضم عشرات الدول التي شاركت بقوات وخبراء عسكريين على مدى أكثر من عقد.
وأوضحت أن وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، أكّد خلال زيارة الزيدي إلى واشنطن أن التحالف سينهي مهمته في 30 سبتمبر/أيلول المقبل، بما يفضي إلى سحب نحو 2500 جندي متمركزين حاليا في العراق، غالبيتهم أميركيون، إلى جانب عشرات من دول أخرى يعملون في مهام تدريب واستشارة.
وأشارت إلى أن هذا الانتهاء يعني تحول العلاقة الأمنية الأميركية العراقية من إطار متعدد الأطراف إلى إطار ثنائي بحت، بعدما ظل التحالف الإطار الحاكم للوجود العسكري الأجنبي في البلاد أكثر من عقد.

علاقة أمنية جديدة
وأوضحت هيجل أن هذا التحول يتيح لبغداد التفاوض على نطاق التعاون الأمني وشروطه مع واشنطن وحدها، بما يقرّبه من الأولويات العراقية ويمنح الحكومة فرصة أفضل لإدارة مأزقها الإقليمي.
وذكرت أن الزيدي وسلفه محمد شياع السوداني دفعا بأن هذا الانتقال سيحسّن نفوذ الدولة على الفصائل التي تذرّعت بالقوات الأجنبية لتبرير احتفاظها بقيادة وأسلحة مستقلة.
واستدركت بأن لهذا الطرح حدودا، فالقوات الأميركية لا يُرجّح أن تغادر كليا، إذ يُتوقع أن تحتفظ بغداد بعدد محدود من المستشارين ضمن الإطار الثنائي الجديد.
والأكثر أهمية، بحسبها، أن أقوى الفصائل الموالية لإيران ترتبط عقائديا وعملياتيا بما يسمى "محور المقاومة"، وقاتلت إلى جانب نظام الأسد في سوريا أكثر من عقد.
وأوضحت أن الحرب الأميركية-الإسرائيلية الأخيرة على إيران أبرزت طابعها العابر للحدود، إذ استهدفت فصائل عراقية قواعد أميركية وبنى مدنية في الأردن وسوريا والخليج.
وأكدت أن نهاية التحالف لن تنهي أزمة الفصائل، فالزيدي سيرث المأزق نفسه الذي أرهق أسلافه، وهو أن التحرك البطيء يرسّخ سلاسل قيادة موازية، والتحرك المفرط يهدد بإشعال نزاع شيعي داخلي قد تعجز الدولة عن احتوائه.

دمج تدريجي لا نزع سلاح
ونقلت هيجل أن نهج الحكومة ليس عملية تقليدية لنزع السلاح والتسريح، فهذه الجماعات ليست تمردا مهزوما ولا توجد خطة شاملة لتفكيكها. وأوضحت أن بغداد تسعى بدلا من ذلك إلى دمج تدريجي عبر التفاوض مع كل فصيل على حدة.
وذكرت أن "سرايا السلام" التابعة لمقتدى الصدر كانت أول من سلّم قيادة ألويته في الحشد إلى الزيدي، القائد العام للقوات المسلحة، في يونيو/حزيران. وتعهّدت "عصائب أهل الحق" بزعامة قيس الخزعلي، و"كتائب الإمام علي" بزعامة شبل الزيدي، بأن تحذو حذوها.
وأشارت إلى أن فصائل أوثق ارتباطا بالمقاومة، منها "كتائب حزب الله" و"حركة النجباء" و"كتائب سيد الشهداء" و"حركة أنصار الله الأوفياء"، رفضت الفكرة علنا رغم أن بعضها يبدو في نقاش مع الحكومة.
وأوضحت أن نزع السلاح الكامل لا ينبغي أن يكون المقياس الوحيد، فبوسع بغداد إعادة هيكلة الألوية ودمج قادتها في مؤسسات أمنية أخرى، على أن يكون الهدف إخضاع الوحدات التي تتقاضى رواتب الدولة للقائد العام لا لزعماء الفصائل.
واستدركت بأن الحكومة أقل قدرة بكثير على السيطرة على العتاد، فأقوى الفصائل تحتفظ بصواريخ ومسيّرات زوّدتها بها إيران، وتخزّنها في منشآت بعيدة عن متناول الحكومة، ومنها قواعد مثل "جرف الصخر". وأكدت أن إخضاعها يستلزم مواجهة مباشرة تفادت الحكومات المتعاقبة خوضها.
ورأت أن خوض تلك المواجهة بينما تظل واشنطن وطهران في عداء مفتوح قد يقوّي الفصائل ويضعف الحكومة ويفكك الدولة في نهاية المطاف.

توصية لواشنطن
وأوضحت هيجل أن فصلا أوضح بين الألوية الرسمية والفصائل المستقلة سيعين بغداد على إدارة التصعيد المقبل. وذكرت أنه خلال جولة القتال في مارس/آذار وأبريل/نيسان، أحجمت الحكومة عن تسمية الجماعات التي هاجمت الأهداف الأميركية خوفا من رد فعل داخلي.
ونقلت أنه حين قتلت الضربات الأميركية الانتقامية عراقيين، منهم أفراد من القوات النظامية لم يشاركوا في الهجمات، بدت بغداد وكأنها تقبل عملا عسكريا أميركيا ضد مؤسساتها الأمنية.
ورأت هيجل أنه إذا شاءت واشنطن تقوية الدولة العراقية، فالأحكم ألا تدفع الزيدي إلى مواجهة عسكرية لا يُرجّح أن ينتصر فيها، داعية إلى دعم جهوده بالحفاظ على التعاون الأمني الثنائي مع الجيش العراقي، بقواته الاتحادية وقوات إقليم كردستان.
وأوضحت أن الإنذارات المطالِبة بنزع سلاح فوري تفعل العكس؛ إذ تكشف ضعف الدولة وتضيّق المجال أمام الزيدي وتقرّب المواجهة قبل أن تقدر مؤسسات الدولة على الحسم.
وذكرت أن على واشنطن أن تدرك كذلك أن انكشاف العراق أمام النفوذ الإيراني تعزّزه العزلة الإقليمية؛ فقد تدهورت علاقاته بدول الخليج مع مهاجمة الجماعات الموالية لإيران لها خلال الحرب.
واستدركت بأن رد الزيدي على الضربات السعودية الأميركية الأخيرة كان أكثر اتزانا من سلفه، وأنه رغم إلغائه زيارة مقررة إلى الرياض، أحجم عن استدعاء السفير السعودي.
وختمت هيجل بأن الضغط وحده لن ينزع سلاح فصائل المقاومة، لكن واشنطن تستطيع -إن أرادت عراقا أكثر استقرارا واستقلالا- أن تدعم مؤسساته وتمنح حكومته المجال السياسي لملاحقة التغيير بوتيرة تقدر على تحملها.















