بعد الحرب الأميركية الإيرانية.. كيف يبدو مستقبل الأمن بالعالم الإسلامي؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولات متسارعة في بيئتها الأمنية، فرضتها عوامل عدة، في مقدمتها الأزمات الإقليمية، وتصاعد التنافس بين القوى الدولية، إلى جانب التحولات التي طرأت على أولويات الفاعلين الإقليميين.

وفي هذا السياق، نشر معهد التفكير الإستراتيجي التركي مقالًا للكاتب التركي "فرقان حميد"، تناول فيه مستقبل الأمن في المنطقة في ظل هذه التحولات المتلاحقة.

ومع تسارع هذه المتغيرات، بات مستقبل الأمن الإقليمي موضع تساؤل واسع: هل ستواصل الدول الإسلامية الاعتماد على الضمانات الأمنية الخارجية، أم ستتجه نحو بناء نموذج دفاعي أكثر استقلالًا، يقوم على التعاون المشترك وتكامل القدرات؟

وتتزايد أهمية هذا النقاش في ظل تصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل، واستمرار الولايات المتحدة في تبني موقف داعم لإسرائيل، بالتزامن مع إعادة دول الخليج ترتيب أولوياتها الأمنية. 

فلم تعد هذه التطورات مجرد أحداث منفصلة، بل باتت مؤشرات على تحول أوسع في طبيعة التوازنات الإقليمية، بما يدفع إلى إعادة النظر في مفهوم الأمن الجماعي داخل العالم الإسلامي.

تراجع الثقة بالضمانات

وذكر الكاتب التركي أنّ دول الخليج اعتمدت لعقود طويلة على الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة، حيث عدتها الركيزة الأساسية لحماية أمنها الوطني. 

ويمكن أن نرى ذلك في صفقات تسليح ضخمة، واستضافة قواعد عسكرية، وتطوير تعاون دفاعي واسع مع واشنطن، التي عدت الضامن الرئيس للاستقرار في المنطقة. 

غير أن التطورات الأخيرة أعادت طرح تساؤلات عديدة حول قدرة هذه الضمانات على الاستجابة لمتطلبات الأمن الإقليمي في ظل تغير الأولويات الدولية؛ فقد عززت الأزمات المتلاحقة الاعتقاد بأن السياسة الأميركية تضع أمن إسرائيل ومصالحها الإستراتيجية في مقدمة أولوياتها، وهو ما دفع عدداً من دول المنطقة إلى مراجعة سياساتها الأمنية والبحث عن خيارات أكثر استقلالاً. 

من هذا المنطلق، لم يعد السؤال يدور حول أهمية العلاقات مع القوى الكبرى، وإنما حول مدى جدوى الاعتماد الكامل عليها في حماية الأمن الوطني على المدى الطويل.

في الوقت نفسه، قدمت التجربة الإيرانية مثالاً مختلفاً في هذا السياق. فعلى الرغم من سنوات طويلة من العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية والعزلة الدبلوماسية، تمكنت إيران من الحفاظ على موقعها في معادلة الأمن الإقليمي. 

وقد دفعت هذه التجربة كثيراً من الدول إلى إعادة التفكير في أهمية امتلاك عناصر القوة الذاتية، بصفتها عاملاً أساسياً في تعزيز القدرة على الصمود ومواجهة الضغوط الخارجية.

هذه المتغيرات تعكس تحولاً تدريجياً في النظرة إلى الأمن، حيث لم تَعُد الحماية الخارجية الضمان الوحيد للاستقرار، بل أصبح بناء القدرات الوطنية وتعزيز التعاون الإقليمي خياراً يحظى باهتمام متزايد.

تعاون دفاعي متنام

ضمن هذا المشهد، تبرز باكستان بوصفها الدولة الوحيدة ذات الأغلبية المسلمة، والتي تمتلك قدرات نووية متكاملة. فمنذ التجارب النووية التي أجرتها عام 1998، نجحت في تثبيت مكانتها كقوة نووية، واستمرت في تطوير قدراتها الدفاعية رغم ما واجهته من عقوبات وضغوط دولية. 

وتؤكد "إسلام آباد" باستمرار أن عقيدتها النووية تقوم على الردع والدفاع، وأن هدفها الأساسي يتمثل في منع اندلاع الحُروب والحفاظ على الاستقرار.

وأضاف الكاتب أنّ أهمية القدرات النووية الباكستانية لا تقتصر على بعدها العسكري فحسب، بل تحمل أيضاً دلالة إستراتيجية بالنسبة للعالم الإسلامي، إذ يعد رمزاً للاستقلال الدفاعي والثقة بالقدرات الذاتية، حتى وإن بقي استخدامها مرتبطاً حصراً بالسياسات الدفاعية الوطنية لباكستان.

في المقابل، شهدت تركيا خلال العقدين الماضيين تطوراً لافتاً في صناعاتها الدفاعية، وذلك من خلال الاستثمار في الطائرات المسيّرة، والبرامج الصاروخية، والسفن الحربية، والمركبات المدرعة، إضافة إلى مشروعات الطائرات المقاتلة. وقد مكّن هذا التطور أنقرة من تعزيز قدراتها العسكرية، بالإضافة إلى تحوّلها إلى مصدر للتقنيات الدفاعية المتقدمة لعدد متزايد من الدول.

تزامناً مع ذلك، كثفت دول خليجية، وفي مقدمتها السعودية والكويت، تعاونها الدفاعي مع كل من تركيا وباكستان، سواء من خلال برامج التدريب العسكري، أو المناورات المشتركة، أو الاتفاقيات المتعلقة بالصناعات الدفاعية. 

وأشار الكاتب إلى أنّ هذا التعاون رغم كونه لا يرقى حتى الآن إلى مستوى تحالف دفاعي مؤسسي، إلّا أنّه يعكس توجهاً نحو بناء علاقات أمنية أكثر عمقاً وتنظيماً، مقارنة بما كان عليه الحال في السابق.

ويشير هذا المسار إلى أن التعاون بين هذه الدول لم يعد يقتصر على تبادل المعدات أو الخبرات فقط، بل أصبح يتجه تدريجياً نحو بناء شراكات إستراتيجية طويلة الأمد، تقوم على تكامل الإمكانات العسكرية والصناعية والاقتصادية.

فرص المشروع وتحدياته

ويرى الكاتب التركي أنّ استمرار هذه العلاقات في التطور قد يفتح المجال أمام ظهور نموذج جديد للتعاون الدفاعي داخل العالم الإسلامي. 

فنجد أنّ باكستان تمتلك خبرة عسكرية واسعة، وقدرات صاروخية متقدمة، وإمكانات ردع نووي، بينما توفر تركيا قاعدة صناعية دفاعية متطورة وخبرة تقنية متنامية، في حين تمتلك السعودية والكويت إمكانات مالية واقتصادية يمكن أن تسهم في دعم مشاريع التعاون المشترك.

هذا التعاون لا يقتصر فقط على الجوانب العسكرية التقليدية، بل يمتد إلى مجالات أصبحت تشكل أساس القوة الدفاعية الحديثة؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وتقنيات الفضاء، و الأنظمة غير المأهولة، والحرب الإلكترونية، إضافة إلى مشاريع الإنتاج المشترك والبحث والتطوير. 

كما يشمل أيضاً تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتنسيق في مكافحة الإرهاب، وتعزيز أمن الحدود، وتطوير برامج التدريب العسكري، والدعم اللوجستي، والبحوث الدفاعية.

لكن في المقابل، لا يخلو هذا المسار من تحديات كبيرة. فالعالم الإسلامي ما زال يواجه اختلافات في المواقف السياسية، وتبايناً في أولويات السياسة الخارجية، وخلافات إقليمية معقدة، فضلاً عن الضغوط الدولية التي قد تؤثر في أي محاولة لبناء إطار دفاعي مستقل. 

لذلك فإن نجاح أي مشروع من هذا النوع لن يتوقف على القدرات العسكرية وحدها، وإنما سيعتمد أيضاً على بناء الثقة السياسية، وتعزيز التنسيق الدبلوماسي، وصياغة رؤية إستراتيجية مشتركة بين الدول المشاركة.

كما أن الهدف من أي تعاون دفاعي مستقبلي ينبغي أن يكون تعزيز الاستقرار الإقليمي، وترسيخ الأمن الجماعي والحفاظ على التوازن الإستراتيجي، لا الدفع نحو مزيد من التصعيد. فَالردع الفعال يقوم على تقليل احتمالات الصراع، وليس على توسيع نطاقه.

وفي ظل التحول المتسارع نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، يبدو أنّ الدول الإسلامية أمام فرصة لإعادة تقييم موقعها في النظام الدولي، والاستفادة بصورة أفضل من إمكاناتها العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. فإذا تمكنت من توظيف هذه الإمكانات ضمن رؤية مشتركة تقوم على التعاون والمصالح المتبادلة، فقد تتمكن من تعزيز استقلالها الإستراتيجي، وتوسيع هامش حركتها في السياسة الدولية.

ولم يعد مفهوم الأمن القومي يقتصر على امتلاك القوة العسكرية، بل أصبح يرتبط أيضاً بالاستقرار السياسي، والاقتصاد القوي، والتقدم العلمي، والصناعات الدفاعية الوطنية، والدبلوماسية الفاعلة. 

من هذا المنطلق، فإن مستقبل التعاون الدفاعي بين باكستان وتركيا والسعودية والكويت وغيرها من الدول الإسلامية سيظل مرتبطاً بقدرتها على تحويل التقارب الحالي إلى شراكة مؤسسية تقوم على رؤية استراتيجية طويلة الأمد. 

وإذا تحقق ذلك بحسب تقييم الكاتب التركي، فقد يشكل بداية مرحلة جديدة تعزز مكانة العالم الإسلامي، وقدرته على التعامل مع التحديات الإقليمية والدولية بصورة أكثر استقلالاً وتوازناً.