وقف واشنطن لشحنات الدولار.. ما حقيقة تأثيره على الاقتصاد العراقي؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

مع تصاعد الحرب على إيران، تحدثت تقارير عن وقف الولايات المتحدة الشحنات النقدية من الدولار إلى العراق قرابة ثلاثة أشهر، قبل استئنافها أوائل يوليو/تموز 2026.

لكن التغطية الإعلامية الدولية لهذا الوقف والاستئناف عكست مفاهيم خاطئة راسخة عن حسابات العراق الدولارية لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وفق تقرير لـ "المجلس الأطلسي".

أحد هذه المفاهيم أن الوقف حرم الحكومة العراقية من عائدات نفطها المودعة في البنك، فباتت عاجزة عن دفع رواتب القطاع العام والمعاشات التقاعدية.

وهناك مفهوم آخر مفاده أن الشحنات ضرورية لإبقاء اقتصاد العراق المعتمد على الدولار قائما، أو للحفاظ على ربط الدينار العراقي بالدولار.

وبحسب التقرير، تعود جذور هذه المفاهيم إلى الفوضى الاقتصادية والمالية التي أعقبت الغزو الأميركي للعراق عام 2003، لكنها استمرت سنوات رغم تطور اقتصاد البلاد منذ ذلك الحين.

فالعراق يتجه فعليا نحو نظام مصرفي أكثر رسمية، بعيدا عن الاقتصاد النقدي غير الرسمي الذي هيمن عليه سابقا، وهو تحول تسارع منذ أواخر 2022.

تأثير محدود

وقال المجلس: إن "حسابات العراق الدولارية لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي هما في الأساس حسابان منفصلان ومختلفان، لكنهما مرتبطان عبر تحويل عائدات النفط الدولارية إلى دنانير عراقية".

الأول يُودَع فيه إيراد صادرات النفط، والثاني حساب احتياطيات البنك المركزي العراقي من العملات الأجنبية، ومنه تأتي الدولارات المستخدمة في الشحنات النقدية.

ويسحب البنك المركزي دولارات نقدية من هذا الحساب، وينقلها في شحنات منتظمة على مدار العام إلى العراق، حيث تُخزَّن في خزائنه ثم تُستبدل بدنانير لتلبية الطلب على الدولار النقدي.

واستدرك: "غير أن حصة الدولار النقدي من احتياطيات البنك المركزي تراجعت بشدة عبر السنوات، من 7.9 بالمئة من إجمالي الاحتياطيات نهاية 2014 إلى 1.5 بالمئة نهاية 2025".

وأشارت تقارير إعلامية إلى حجب شحنتين على الأقل، إحداهما بقيمة 500 مليون دولار، بين أولى الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران أواخر فبراير/شباط واستئناف الشحنات أوائل يوليو/تموز. ومن المعقول افتراض أن إجمالي المبلغ المحجوب تراوح بين 1 و1.5 مليار دولار.

وتساءل: "قد يبدو هذا مبلغا كبيرا، لكن ما حجمه الحقيقي مقارنة باقتصاد العراق؟"

أرقام الموازنة

وأوضح أن العراق حقق عائدات نفطية بلغت 10.9 مليار دولار بين مارس/آذار ومايو/أيار، أودعها مشترو النفط في حساب إيرادات النفط لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي.

ومن هذا المبلغ، باعت وزارة المالية 8.1 مليار دولار للبنك المركزي مقابل شراء دنانير عراقية للمساعدة في تمويل نفقات موازنة بلغت 22.2 مليار دولار لتلك الأشهر الثلاثة.

وموِّل الباقي من 5 مليارات دولار إيرادات غير نفطية واقتراض محلي. وأدى شراء البنك المركزي الدولارات هذا إلى زيادة احتياطياته الأجنبية. وباعت وزارة المالية 1.1 مليار دولار إضافية في يونيو/حزيران، من عائدات النفط لذلك الشهر.

وبين مارس/آذار ويونيو/حزيران، باع البنك المركزي 18.3 مليار دولار من احتياطياته الأجنبية لشركات وأفراد عراقيين عبر البنوك، لتمويل الواردات ومعاملات أخرى عابرة للحدود.

وهذه الدولارات جاءت من حساب البنك المركزي نفسه لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي الذي يموّل الشحنات النقدية، ما يعني -بحسب التقرير- أن هذه المعاملات معاكسة لبيع وزارة المالية الدولارات للبنك المركزي، وبالتالي تقلّص احتياطياته الأجنبية.

في الوقت نفسه، ظلت قيمة الدولار مقابل الدينار العراقي في السوق الموازية مستقرة بين مارس/آذار ويوليو/تموز، ما يعني أن وقف الشحنات النقدية لم يترك أثرا ملموسا على سعر الدولار في العراق، وهو ما يوحي بغياب أي طلب مذعور على الدولار بين العراقيين.

وأضاف التقرير: "توحي البيانات الأوسع بأن حجب الشحنات الدولارية لم يُحدث أثرا اقتصاديا يُذكر، إذ لم يمس قدرة الحكومة على تلقي عائداتها النفطية بالدولار لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي، ولا تحويلها إلى دنانير، ولا استخدامها لتمويل الإنفاق المحلي".

كما لم يقيّد قدرة البنك المركزي على استخدام احتياطياته الأجنبية لتمويل تعاملات العراق مع الخارج، خصوصا الواردات.

وأشار إلى أن الأثر الوحيد الملموس، لو استمر الوقف، كان سيتمثل في ضيق إمدادات الدولار النقدي في المطارات للمسافرين العراقيين إلى الخارج، وحتى في تلك الحالة كان بإمكانهم استخدام بطاقاتهم المصرفية لتغطية نفقاتهم.

وواصل البنك المركزي تزويد العراقيين المسافرين للخارج، لا سيما لأداء الحج، بالدولار النقدي، إذ وفّر 600 مليون دولار بين مارس/آذار ويونيو/حزيران من الدولارات المخزنة في خزائنه.

ويتناقض غياب أي أثر اقتصادي ملموس لهذا الوقف الأخير بشدة مع ما حدث في المرة السابقة التي عُلّقت فيها الشحنات، وفق التقرير.

ففي 2015، أوقفت الولايات المتحدة التحويلات وسط مخاوف من استخدام "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش) وبنوك إيرانية للدولارات. وحينها ارتفعت قيمة الدولار مقابل الدينار في السوق الموازية نحو 11 بالمئة، ما عكس طفرة حادة في الطلب على الدولار.

تحول جذري

ويرى المجلس أن الاقتصاد العراقي تطور كثيرا بعد عقود من الحرب، لا سيما مع تحوله التدريجي نحو اعتماد أكبر على النظام المصرفي الرسمي.

وتسارع هذا التحول بعدما حدّث البنك المركزي لوائحه لتوفير الدولارات للتحويلات الخارجية في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، ما جعل تحويلات العراق المالية العابرة للحدود متسقة مع المعايير العالمية.

والأكثر أهمية، وفق التقرير، أن هذا النظام الجديد جاء ثمرة تخطيط استمر عامين بين بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك ووزارة الخزانة الأميركية والبنك المركزي العراقي ووزارة المالية.

وقتها، مثّلت تلك التغييرات تحولا زلزاليا لاقتصاد يهيمن عليه النقد، تقوده قطاعات غير رسمية واسعة. لكن الصدمة الأولية، مقترنة بحزمة الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي والحكومة منذ ذلك الحين، ساعدت على تسريع الانتقال نحو النشاط المصرفي والاقتصادي الرسمي.

ويتجلى أثر هذا التحول في التغيرات الحادة في توفير البنك المركزي للدولارات، نقدا وعبر التحويلات، بين 2023 ويونيو/حزيران 2026 مقارنة بالفترة الممتدة بين 2015 و2022.

وبيّن التقرير أن تغييرين يبرزان في هذا السياق. أولهما أن التحويلات الدولية تحولت بشكل متزايد إلى أقوى البنوك العراقية، التي تربطها علاقات مصرفية مراسلة ببنوك دولية كبرى، وتراجع معاملاتها وكالة دولية لإدارة المخاطر يرشحها بنك الاحتياطي الفيدرالي.

وارتفعت حصة هذه المعاملات من 40 بالمئة في 2023، حين بدأت، إلى 95 بالمئة بين يناير/كانون الثاني ومايو/أيار 2026.

والتغير الثاني أن المعاملات النقدية باتت تشكل حصة أصغر بكثير من إجمالي المدفوعات العابرة للحدود، وتشمل هذه توفير البنك المركزي الدولار النقدي للعراقيين المسافرين للخارج في المطارات، وهي القناة الأكثر تأثرا مباشرة بوقف الشحنات النقدية.

لكن الجداول لا تعكس تغييرا مهما آخر -وفق التقرير- وهو أن النظام المعتمد بعد نوفمبر/تشرين الثاني 2022 لتوفير هذه الدولارات بات من أكثر أنظمة توزيع النقد رقابة في العالم.

صحيح أن المعاملات النقدية تظل محدودة القابلية للتتبع بطبيعتها، لكن النظام يسجل للعراقيين الحاصلين على الدولار النقدي معلومات دقيقة، منها أرقام جوازات السفر ووجهات السفر وتكراره والمبالغ المحصَّلة، ما يمنح السلطات ما يلزم من معلومات للتحقيق مع المسافرين والأطراف المرتبطة بهم عند الحاجة.

وختم المجلس بالقول: "يشير كل ذلك إلى حقيقة أوسع، وهي أن اقتصاد العراق، وقطاعه المالي تحديدا، تغيّر جذريا منذ 2003، وأن المخاطر المصاحبة لهذا التطور لا يمكن فهمها ولا معالجتها بافتراضات عفا عليها الزمن. وقد آن الأوان لتلحق التغطية الإعلامية بهذا الواقع".