القاهرة ترسم خريطة الانتخابات الفلسطينية.. أين تقف حماس وخصوم عباس؟

“قد يقدم عباس على إلغاء الانتخابات خشية الخسارة”
تشهد العاصمة المصرية القاهرة منذ أسابيع عدة، مشاورات مكثفة تهدف إلى تشكيل قائمة وطنية موسعة؛ استعدادا للانتخابات المقرر إجراؤها في نوفمبر/ تشرين الثاني 2026 لانتخاب المجلس التشريعي الفلسطيني.
ومن المتوقع أن تضم هذه القائمة أعضاء من حركة فتح معارضين لرئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، إلى جانب ممثلين عن حماس، وربما عن حركة الجهاد الإسلامي أيضا.
وفي هذا السياق، حذر "معهد دراسات الأمن القومي العبري" من أن "تشكيل هذه القائمة يعني إدماج حماس في المنظومة السياسية الفلسطينية، دون إلزامها بالإقرار بالاتفاقيات الموقعة بين منظمة التحرير وإسرائيل، ودون إخضاع سلاحها لسيطرة السلطة الفلسطينية".
كما يرى أن أحد التداعيات المتوقعة جراء هذه الخطوة، هو "إضعاف السلطة الفلسطينية، وصولا إلى إفراغها من مضمونها وفقدانها مقومات وجودها، بل وحتى انهيارها أو سقوطها في أيدي حماس".

حاجز إجرائي
وأشار التقرير إلى أنه منذ "منتصف أغسطس/ آب 2026، تجري في القاهرة لقاءات ومشاورات بين حماس والجهاد الإسلامي والتيار الإصلاحي في حركة فتح بقيادة محمد دحلان، والمنتدى الوطني الديمقراطي برئاسة ناصر القدوة، إلى جانب ممثلين عن فصائل أخرى".
وتابع: "وخلال اجتماع موسع عقد في 20 أغسطس، جرت مناقشة فكرة تشكيل قائمة وطنية موسعة تضم فصائل وشخصيات مستقلة ومهنيين".
من جانبه، أوضح القدوة أن "المطروح مجرد فكرة للقائمة وليس تحالفا ضد حركة فتح". مشيرا إلى "عدم اتخاذ قرار نهائي بعد، وهو ما ينطبق أيضا على الجبهتين الشعبية والديمقراطية اللتين لم تحسما صيغة مشاركتهما بعد". بحسب المعهد.
من جهتها، تسعى حركة حماس -وفق التقرير- "للمشاركة في الانتخابات بأي طريقة ممكنة بهدف تثبيت مكانتها والحصول على شرعية سياسية".
وأوضح أنه "استنادا إلى شخصيات بارزة في الحركة، فإن حماس تدرس ثلاثة خيارات رئيسة: خوض الانتخابات بقائمة حزبية مستقلة، أو تشكيل ائتلاف واسع، أو دعم قائمة تضم شخصيات غير محسوبة عليها رسميا".
ومع ذلك، لفت إلى أن "جزءا كبيرا من المعلومات المتداولة يستند إلى مصادر مجهولة وتقارير تنقل عن بعضها بعضا، الأمر الذي يجعل صورة الاتصالات الجارية وفرص نجاحها غير واضحة في هذه المرحلة".
ومن ثم، قدّر أن "الاختبار الأول لهذه التكهنات سيكون مع انطلاق عملية تسجيل القوائم الانتخابية، المقرر إجراؤها خلال الفترة الممتدة من 26 سبتمبر/ أيلول إلى 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2026".
وتحت عنوان "كيف تخدم هذه الخطوة حماس" أشار المعهد إلى أن "محمود عباس حدد موعد الانتخابات في 28 نوفمبر 2026، وهي أول انتخابات للمجلس التشريعي منذ يناير/ كانون الثاني 2006، عندما فازت حماس بـ74 مقعدا من أصل 132".
وبحسب تحليله، "لم يكن فوز حماس آنذاك منفصلا عن الانقسامات التي شهدتها فتح؛ إذ خاضت بعض أطرافها الانتخابات بقوائم منفصلة، وهو ما ساعد الحركة على حصد هذا العدد من المقاعد".
ووفقا للجنة الانتخابات المركزية، سينتخب في الانتخابات المقبلة 132 عضوا وفق نظام التمثيل النسبي الكامل وباستخدام قوائم مغلقة.
ونوَّه التقرير إلى أن "التعديل الذي أُدخل على قانون الانتخابات في أغسطس يلزم كل مرشح بالتعهد باحترام القانون الأساسي الفلسطيني، والاعتراف بمنظمة التحرير ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني، والالتزام بالبرنامج السياسي والوطني لمنظمة التحرير وقرارات مؤسسات الأمم المتحدة ذات الصلة، ويعد هذا التعهد التزاما شخصيا بالمرشح".
ومن هنا، توقع المعهد أنه "يمكن لحماس الدفع بمرشحين يوقعون على هذا التعهد دون أن تكون الحركة نفسها مطالبة بقبول شروط منظمة التحرير".
بدوره، حذر أمين أيوب، الباحث في منتدى الشرق الأوسط، وهو مركز أبحاث أميركي، أن "تسعى حماس للمشاركة في الانتخابات عبر راية مختلفة، لتجاوز قيود منظمة التحرير والحفاظ على أيديولوجيتها وصورتها لدى الفلسطينيين".
وبحسبه، فإنه "في حال فوزها، ستتمكن حماس من ترسيخ وجودها داخل السلطة الفلسطينية، في وقت تنتشر فيه خلاياها المسلحة في أنحاء الضفة الغربية".
"لا يمكن لحماس أن تقبل بوجود دولة إسرائيل؛ لأن ذلك سيمس جوهر أيديولوجيتها"، يقول أيوب.
وأضاف أن "الهوية السياسية لحماس متجذرة في رفض إسلامي جذري وعداء لا هوادة فيه لاتفاقيات أوسلو".
ومن وجهة نظره، فإن "التوقيع على تعهد بقبول برنامج منظمة التحرير، والاعتراف بإسرائيل، والتخلي عن العنف، سيقوض مكانة حماس بين قاعدتها".
ورغم اعتقاده أن "الشرط المسبق الذي تضعه السلطة الفلسطينية -المتمثل في إلزام جميع المرشحين بالتعهد باحترام مبادئ منظمة التحرير- يبدو (عصيا على التجاوز)"، فإنه يقدر أن "حماس وجدت طريقة للالتفاف على هذا الشرط، من خلال تشكيل قوائم انتخابية تحت مسميات محايدة، مثل (الوحدة الوطنية) أو (التغيير)".
بصورة أوضح، قال الباحث: "من خلال تشكيل قوائم تضم شخصيات وفصائل محسوبة على الحركة من دون أن ترتبط بها رسميا، تلتف حماس على شرط منظمة التحرير، وتتجنب تقديم تنازلات أيديولوجية، وتحافظ في الوقت ذاته على هويتها الإسلامية".
"وبذلك، تنشئ (حاجزا إجرائيا) يتيح لمرشحيها تجاوز متطلبات لجنة الانتخابات المركزية التابعة للسلطة الفلسطينية". وفق تحليله.
من جهة أخرى، أوضح أيوب أن "هذا الأسلوب يوفّر أيضا قدرا كافيا من الغموض لتجنب العقوبات الدولية".
وتابع: "فوفقا لـ(الخطة الشاملة لإنهاء الصراع في غزة) المؤلفة من 20 نقطة، لا يفترض أن تشارك حماس في الانتخابات على الإطلاق؛ إذ ينص البند 13 على أن (حماس والفصائل الأخرى توافق على ألا يكون لها أي دور في إدارة غزة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة أو بأي شكل من الأشكال)".
وأردف: "عبر الدفع بأنصارها إلى المجلس التشريعي الفلسطيني، ستحصل حماس على حق النقض التشريعي، وإمكانية الوصول إلى الموارد المالية، والحصانة القانونية، وبذلك ستشل الجهود الدولية الرامية إلى إقامة إدارة مدنية نزيهة وخالية من نفوذ الفصائل".
محسوبة المخاطر
بالنسبة إلى دحلان والقدوة وغيرهما من خصوم عباس داخل فتح، يرى المعهد أن "تشكيل قائمة وطنية موسعة من شأنه الحد من تشتت أصوات المعارضة، وإتاحة الفرصة لهم لمنافسة الأطر الرسمية لحركة فتح".
في هذا الإطار، أشار التقرير إلى أن "استطلاعا أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في أغسطس/ آب 2026 أظهر أن فتح وحماس يحظى كل منهما بتأييد نحو ربع الجمهور، مع تقدم طفيف لفتح بين الذين حسموا قرارهم بالتصويت".
واستطرد: "وبما أن نسبة المترددين لا تزال مرتفعة، فإن مجرد تشكيل قائمة واسعة قد يؤدي إلى تغيير موازين القوى".
علاوة على ذلك، فإن "مشاركة دحلان في التحركات السياسية الرامية إلى تشكيل قائمة وطنية موسعة تشير إلى وجود دور للإمارات".
ووفق تقديره، "قد يعكس انخراطها في هذا المسار، أو على الأقل سماحها بدفعه قدما، توافقا مع دحلان على أن الأمر يتعلق بإدارة محسوبة للمخاطر، يمكن أن تقود إلى تجديد النظام السياسي الفلسطيني".
"أما بالنسبة إلى حماس، فيبدو أن الحركة ترى في المنصة الواسعة التي توفرها القائمة فرصة لاستعادة مكانتها والحصول على اعتراف بها بوصفها لاعبا سياسيا شرعيا". على حد تعبيره.
وعزا ذلك إلى أنه "في حال خوضها الانتخابات بشكل مباشر كحزب أو حركة، ستكون حماس مطالبة باستيفاء الشروط التي طرحت بوصفها متطلبات للمشاركة في الانتخابات، وفي مقدمتها تفكيك جناحها العسكري، والتخلي عن السيطرة على قطاع غزة، والانخراط في إطار حكم فلسطيني لا يخضع لسيطرتها".
وبحسب رأيه، "تأتي هذه المطالب في وقت قد تكون فيه مكانة حماس بين الجمهور الفلسطيني قد تراجعت منذ 7 أكتوبر 2023".
وبالتالي، يعتقد أن "مشاركة الحركة في قائمة وطنية موسعة قد تتيح لها التخلي عن سيطرتها المباشرة على غزة وجزء من قدراتها العسكرية، مقابل الحصول على تمثيل في المؤسسات الفلسطينية والحفاظ على نفوذها في عملية صنع القرار، بما يسمح لها بالبقاء طرفا مؤثرا في النظام السياسي، حتى من دون سيطرة مباشرة".
وقدر المعهد أن "هناك أدلة، وإن كانت غير مؤكدة، على أن الإدارة الأميركية على علم بهذا التحرك، انطلاقا من رؤية مفادها أنه يخدم خططها الخاصة بقطاع غزة".
واستشهد بتصريح الممثل الأعلى لشؤون غزة لدى مجلس السلام، نيكولاي ملادينوف، حين قال في مايو/ أيار 2026: "إننا لا نطلب من حماس أن تختفي كحركة سياسية"، وإن "حزبا يتخلى عن النشاط المسلح يمكنه خوض الانتخابات الفلسطينية الوطنية".
واستطرد التقرير: "كما زعمت مصادر في حماس أنها حصلت على موافقة من مسؤولين في الإدارة الأميركية على مواصلة نشاطها السياسي وفقا للقانون الفلسطيني".
وفي المحصلة، ومع اقتراب موعد الانتخابات، خلص المعهد إلى أن "حماس قد تحصل، إذا لم تكن قد حصلت بالفعل، على إذن بالمشاركة فيها قبل استيفاء الشروط المتعلقة بتفكيك سلاحها ونقل إدارة القطاع إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة الخاضعة لإشراف مجلس السلام".
أما مصر، فيرى أنها "تحتضن هذه المشاورات من منطق السعي لإنجاح خطة إدارة ترامب، أي خطة النقاط العشرين التي دخلت حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، بما يساعد على إنهاء الحرب وتداعياتها السلبية على مصر".
ومع أنه يعتقد أن "القاهرة ترغب في عودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة، وإرساء أفق سياسي في الساحة الإسرائيلية الفلسطينية"، إلا أنها، وفق تحليله، "تبدو مستعدة لقبول دمج حماس في النظام السياسي الفلسطيني الجديد، شريطة تقييد نفوذها السياسي والعسكري".
وفيما يتعلق بقطر وتركيا، قال المعهد: "لدى الطرفين مصلحة مزدوجة في دفع هذا المسار قدما، تتمثّل في المساعدة على تطبيع وضع حماس وتعزيز قوتها السياسية، وفي الوقت نفسه، الظهور أمام إدارة ترامب بوصفهما دولتين تساعدان في إشراك حماس في المسارات التي تحاول الإدارة دفعها في غزة".
وأكمل: "وتبرز تقارير في وسائل الإعلام القطرية دور الدولتين، العضوين في مجلس السلام، في الدفع بهذا التحرك، في وقت أجرت فيه قيادتا البلدين خلال الأسابيع الأخيرة لقاءات متكررة مع مسؤولين من حماس".

إضعاف السلطة
بالنسبة لإسرائيل، حذر المعهد من أن "الخطر الرئيس الكامن في هذه العملية يكمن في سابقة خطيرة تمثلت في ترشح حماس لانتخابات المجلس التشريعي عام 2006؛ إذ حازت الحركة آنذاك قوة سياسية وشرعية دون مطالبة بالإقرار بالاتفاقيات الموقعة بين منظمة التحرير وإسرائيل، ودون إخضاع سلاحها للسلطة".
ومع ذلك، نوَّه إلى أن "المقارنة مع عام 2006 ليست كاملة، نظرا إلى أن نظام الانتخابات الحالي يقوم على التمثيل النسبي، فضلا عن أن مستوى التأييد لحماس يبدو أقل مما كان عليه آنذاك".
واستدرك: "لكن فرص فوز القائمة الوطنية الموسعة في انتخابات حرة تبدو مرتفعة، وعلى أقل تقدير، يتوقع أن تحقق مكاسب كبيرة، بما يمنح حماس نفوذا على النظام السياسي الفلسطيني وشرعية داخلية وخارجية".
ومن ثم، يرى أنه "على غرار سابقة عام 2006، فإن دخول حماس من الباب الرئيس إلى النظام المؤسسي الفلسطيني قد يؤدي إلى إضعاف السلطة الفلسطينية، وصولا إلى إفراغها من مضمونها أو سقوطها في أيدي حماس".
وما يزيد الطين بلة، أن "السلطة الفلسطينية تدخل هذه الانتخابات وهي تعاني بالفعل من أزمة مالية حادة، تتجلى في خفض الرواتب وتراكم الديون وتزايد الضغوط على النظام المصرفي".
وعليه، رجّح أن "فوزا يمنح حماس نفوذا كبيرا قد يؤدي إلى مواجهة بين الرئاسة والمجلس التشريعي، وتصعيد صراعات الخلافة داخل فتح، وانقسام الأجهزة الأمنية".
وتابع: "وفي الوقت ذاته، قد تؤدي هذه النتيجة إلى تشديد الشروط المفروضة على تحويل أموال المقاصة من إسرائيل والمساعدات، فضلا عن عزوف المانحين والبنوك عن التعامل مع السلطة".
وفي مثل هذا الوضع، لا يستبعد المعهد أن "تنشأ حلقة تغذي نفسها بنفسها؛ إذ يؤدي إضعاف السلطة إلى توسيع هامش تحرك حماس، بينما تبرر قوتها المتزايدة اتخاذ مزيد من إجراءات الضغط على السلطة الفلسطينية، وهو ما يؤدي بدوره إلى إضعاف مؤسساتها بصورة أكبر".
"أما موقف إسرائيل من تطبيع وضع حماس وتعزيز نفوذها السياسي على حساب السلطة الفلسطينية يتحدد، بطبيعة الحال، وفقا لرؤيتها الإستراتيجية تجاه الساحة الفلسطينية"، قال المعهد.
وأوضح مقصده: "فمن يتبنى نهجا يسعى إلى منع قيام دولة فلسطينية، ويصور النظام الفلسطيني ككتلة متطرفة واحدة، قد يرى في ذلك التطور فرصة سانحة".
وأردف: "في المقابل، فإن من يرون في وجود سلطة فلسطينية فاعلة حاجزا أمنيا ومدنيا فعالا ضد خطر قيام دولة واحدة، ينظرون إلى هذا السيناريو كمصدر خطر جسيم".
من جهته، رأى المعهد أنه "حتى من منظور النهج الأول، ينبغي الإقرار بأن السيناريو المتبلور من شأنه إضفاء طابع مؤسسي على شرعية حماس، والإضرار بالتنسيق الأمني مع إسرائيل وبالخدمات المدنية".
فضلا عن "فتح مجال أوسع لتحرك الحركة وغيرها من الجهات المسلحة، سواء في قطاع غزة أو في الضفة الغربية".
المعضلة الإسرائيلية
بناء على تلك المعطيات، خلص المعهد إلى أن "إسرائيل تجد نفسها مرة أخرى منساقة وراء التطورات السياسية داخل الساحة الفلسطينية".
وتابع موضحا: "فبعد أن امتنعت طوال سنوات الحرب في غزة عن بلورة سياسة واضحة واستباقية بشأن مستقبل السلطة الفلسطينية، وعن العمل على إيجاد بديل معتدل لحكم حماس؛ بدأت مبادرات أطراف أخرى، وفي مقدمتها مصر وتركيا وقطر والولايات المتحدة وحماس نفسها، تملأ الفراغ الذي تركته إسرائيل".
ورأى المعهد أنه "في هذه المرحلة، من الأفضل تجنب إصدار تصريحات علنية تفيد بأن إسرائيل لن تسمح بإجراء الانتخابات، لا سيما أن القائمة الموحدة لم تعلن بعد بصورة رسمية وعلنية ونهائية، وأن الخلافات بين الأطراف المشاركة قد تؤدي إلى انهيار هذا التحرك".
علاوة على ذلك، "قد يُقْدِم عباس نفسه على إلغاء الانتخابات التي أعلن عنها خشية الخسارة، كما فعل عام 2021".
بل حذر من أنه "في الواقع، قد تشكل المعارضة الإسرائيلية العلنية حافزا لتشكيل القائمة الوطنية، مما قد يؤدي إلى صراع غير ضروري بين الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأميركية".
"ورغم أن هذه السيناريوهات قد تخفف من حدة التوتر بالنسبة لإٍسرائيل، إلا أنه من الخطأ أن تبني سياستها على أمل تحققها"، قال المعهد.
وأرجع ذلك أساسا إلى أن "المؤشرات توحي بأن الأمر لا يقتصر على تحرك بين أطراف فلسطينية، وإنما قد يكون جزءا من تحرك أوسع تقوده دول أعضاء في مجلس السلام، وهي الولايات المتحدة وقطر وتركيا والإمارات، بهدف تطبيع وضع حماس في إطار خططها الأوسع لقطاع غزة والساحة الفلسطينية، أو على الأقل أن يكون هذا التحرك قد حصل على موافقة الإدارة الأميركية".
وفي ظل هذه الظروف، شدد على أنه "من المناسب أن تضع إسرائيل سياسة متماسكة تجاه هذه القضية في أقرب وقت ممكن؛ إذ ستتقلص إلى حد كبير قدرتها على التأثير في التطورات مع بدء تسجيل القوائم في 26 سبتمبر".
وأردف: "وبغضّ النظر عن حجم الإنجاز المتوقع أن تحققه حماس في الانتخابات، وعن حجم المواجهة المتوقعة مع الإدارة الأميركية، يجب ألا توافق إسرائيل على تطبيع وضع حماس عبر صناديق الاقتراع".
واستطرد: "ينبغي لإسرائيل أن تتبنى موقفا يجمع بين الرفض الحازم لمشاركة حماس في انتخابات المجلس التشريعي، وإظهار مبادرة سياسية في قطاع غزة، تطرح أمام الإدارة الأميركية مسارا بديلا لتنفيذ خطة ترامب من دون منح حماس الشرعية".
ومن هنا، دعا المعهد إسرائيل إلى "المطالبة بحظر حماس ومنع الأشخاص الذين يمثلونها من خوض انتخابات المجلس التشريعي، على غرار الإجراءات التي اُتخذت ضد الإخوان المسلمين في دول عربية".
وأضاف أنه "في حال رفض عدم تبنى إسرائيل لهذا المسار، فعليها أن تطالب حماس، كحد أدنى، بقبول الاتفاقات السياسية الموقعة مع منظمة التحرير الفلسطينية، والالتزام بنبذ العنف وتسليم أسلحتها قبل الانتخابات كشرط لمشاركة ممثليها فيها".
واسترسل: "وإذا لم تتم الاستجابة لهذا المطلب أيضا، فعلى إسرائيل عرقلة إجراء الانتخابات بوسائل مختلفة، بما في ذلك منع التصويت في القدس الشرقية أو تقييد حركة التنقل في الضفة الغربية، (وهو ما سيمنح عباس ذريعة لإلغاء الانتخابات)".
ومع ذلك، لفت إلى أن "اتباع مثل هذه السياسة سيضع إسرائيل بصورة أكبر في موقع الطرف الرافض، وسيكرس حالة الجمود المستمرة في النظام السياسي الفلسطيني الذي يتوق إلى التجديد وإعادة ترتيب أوضاعه، كما سيمنح حماس مكسبا على مستوى صورتها، ومن المتوقع أيضا أن يثير احتكاكا مع الإدارة الأميركية".
وبناء عليه، أوصى المعهد بـ"إطلاق مبادرة سياسية متكاملة تعمل على مسارين: الأول، في قطاع غزة، يشمل تحسين المسار الحالي لتنفيذ خطة النقاط العشرين، التي دفعت إدارة ترامب إلى إبداء مرونة أكبر تجاه حماس للحصول على موافقتها بشأن إدخال آليات مجلس السلام إلى القطاع".
وفي هذا الإطار، دعا إسرائيل إلى "تشجيع دخول حكومة التكنوقراط إلى المناطق الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية حاليا، والتي تعرف في الخطة بـ(المنطقة الخضراء)، وتسريع عمليات إعادة الإعمار فيها".
وفي الوقت ذاته، أكد التقرير على "ضرورة استمرار الوجود الإسرائيلي الأمني في المنطقة، بالتوازي مع تقليص تدريجي لنطاق سيطرة حماس، من خلال نقل مزيد من المناطق إلى الإدارة المدنية (المنطقة الخضراء)".
ونوّه إلى أن "هذا البديل يستند إلى البند 17 من خطة النقاط العشرين الأصلية، بوصفه إجراء احتياطيا في حال رفض حماس التعاون".
أما المسار الثاني، فيتمثل -بحسبه- في "اعتراف إسرائيل بالحاجة إلى الحفاظ على سلطة فلسطينية فاعلة ومستقلة عن نفوذ حماس، إلى جانب استعدادها للمساعدة في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة داخلها وتعزيز قدراتها المؤسسية".
وشدَّد المعهد على أهمية هذه الخطوة كون أنه "لن يكون من الممكن مستقبلا دفع أي عملية للتوصل إلى تسوية، بما في ذلك التنفيذ الكامل لخطة النقاط العشرين في قطاع غزة، إذا تمكنت حماس من اختراق مراكز صنع القرار الفلسطينية بدعم دولي".
وفي هذا الصدد، لفت إلى "تقاطع مصالح بين إسرائيل وقيادة السلطة الفلسطينية ومعظم الدول العربية".
لذا، أكد ضرورة أن "تعمل إسرائيل بالتنسيق معها على بلورة سبل لعرقلة تحرك القائمة الوطنية الموسعة، التي تسعى إلى إنهاء حكم محمود عباس على وجه الخصوص، وإنهاء هيمنة حركة فتح على السلطة الفلسطينية بشكل عام".
وأضاف أنه "لا يمكن لإسرائيل الاكتفاء بعرقلة التحركات التي لا تتوافق مع مصالحها، بل عليها أن تطرح بديلا سياسيا عمليا يحول دون تطبيع وضع حماس، ويؤسس لنظام فلسطيني جديد وأكثر فاعلية يمكن، في ظل قيادته، الدفع نحو التفاهمات".
واختتم محذرا: "كلما أخرت إسرائيل حسم موقفها، استمرت التطورات في الساحة الفلسطينية في التشكل من دون مشاركتها".

ذريعة مناسبة
من جانب آخر، تساءلت صحيفة "مكور ريشون" العبرية حول ما إذا كانت الانتخابات ستجرى أصلا.
وعزت ذلك إلى أن "السلطة الفلسطينية الحالية لا تحظى بشعبية كبيرة؛ فوفقا لاستطلاع حديث أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، فإن عباس سيحصل على 14 بالمئة فقط من الأصوات في حال إجراء انتخابات رئاسية افتراضية، فيما يريد 79 بالمئة من الفلسطينيين استقالته".
وقال الباحث الرئيس في مركز بيغن السادات للدراسات الإستراتيجية، مردخاي كايدر: "السؤال هو ما إذا كانت منظمة التحرير الفلسطينية ستسمح لحماس بخوض انتخابات الرئاسة أو البرلمان، وهي تدرك أنها قد تفوز".
من جانبه، قال كوبي ميخائيل، الباحث البارز في معهد دراسات الأمن القومي، إنه لا يعتقد أن السلطة الفلسطينية ستجري الانتخابات "إلا إذا حدث شيء في غزة واختفت حماس".
يُذكر أن ميخائيل سبق وأجرى تحليلا للانتخابات المحلية التي أجريت في 25 أبريل/ نيسان 2025 في الضفة الغربية ودير البلح في قطاع غزة؛ حيث سارعت حركة فتح إلى إعلان "فوز كاسح"، لكن "نظرة أكثر دقة إلى النتائج تثير شكوكا بشأن هذا الادعاء"، بحسب وصف الصحيفة.
وقال ميخائيل: إن "فتح ربما تكون قد فازت على الورق، لكن الواقع أكثر تعقيدا".
وتابع: "ففي العديد من المجالس المحلية، تصدرت القوائم القائمة على أساس عشائري النتائج، وفي مدن مثل الخليل وطولكرم، فازت قوائم محلية لا ترتبط بالسلطة الفلسطينية".
وأضاف: "وفي مناطق أخرى، ربما حملت القوائم اسم فتح، لكن المرشحين أنفسهم لم يكونوا (معروفين علنا بوصفهم أعضاء ناشطين في فتح أو مؤيدين حقيقيين للحركة)".
والأكثر أهمية من ذلك -وفقا له- أن "حماس قاطعت الانتخابات، ولم توافق على الشرط المسبق القاضي بالاعتراف بالسلطة الشرعية الوحيدة لمنظمة التحرير الفلسطينية".
من جهته، أوضح أيوب أن "سبب مقاطعة حماس للانتخابات المحلية، في حين تصر على المشاركة في الانتخابات العامة، هو أن الانتخابات المحلية تتطلب (حكما مدنيا فعليا) من دون أن تمنح الحركة قوة سياسية حقيقية".
"أما انتخابات المجلس التشريعي، فتتيح لها مجموعة من المزايا، من بينها الحصانة البرلمانية، والوصول إلى موازنات الدولة، و(منصة لتقويض منظمة التحرير والمؤسسات العلمانية من الداخل)"، على حد تعبيره
وذكرت الصحيفة أن "أيوب يشكك أيضا في إجراء الانتخابات من الأساس؛ إذ تحافظ حماس على قاعدة أيديولوجية صلبة تتراوح بين 30 بالمئة و35 بالمئة من المؤيدين".
وقال الباحث: "في حال تشتت أصوات فتح، فإن هذه القاعدة المنضبطة ستكون كافية تماما للسيطرة على كتلة تشريعية وازنة".
في هذا السياق، أشارت الصحيفة إلى استطلاع المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في 12 أغسطس الذي أظهر أن حماس تتساوى مع فتح، إذ يحظى كل منهما بتأييد 24 بالمئة من الفلسطينيين".
ونوَّهت الصحيفة إلى أن "نسبة التأييد لحماس انخفضت من 35 بالمئة في الاستطلاع السابق الذي أجراه المركز في أكتوبر 2025".
ويعتقد أيوب أن "حدوث ارتفاع حاد في عدد ممثلي حماس سيدفع عباس إلى إلغاء الانتخابات أو تأجيلها إلى أجل غير مسمى".
وأضاف: "إن الحفاظ على قبضة فتح الاستبدادية على السلطة الفلسطينية يتقدم دائما على المسؤولية الديمقراطية الحقيقية أو الإصلاح المؤسسي".
وقدر أنه "في هذه الحالة، قد يلجأ عباس إلى تكرار أساليب سبق استخدامها في الماضي، ففي عام 2021، شكل رفض إسرائيل السماح بإقامة مراكز اقتراع في أجزاء من القدس الشرقية ذريعة مناسبة لإلغاء الانتخابات".
وتابع أيوب: "بمجرد أن تفرض إسرائيل قيودا أمنية في القدس الشرقية أو تستهدف مرشحين قدمهم ممثلو الانتخابات، ستعلن رام الله أن هناك تدخلا في الانتخابات لوقف عملية الاقتراع، وستستخدم العمليات الإسرائيلية لمكافحة الإرهاب للتغطية على جبن فتح السياسي ومنع تعرضها لهزيمة انتخابية".
وبحسب قراءته التحليلية، "قد يكون هذا السيناريو هو البديل الأفضل".
وفي معرض توقعه لنتائج الانتخابات في حال إجرائها، قال أيوب: “توقعوا سيناريو حصان طروادة: سيفوز مبعوثو حماس وحلفاؤها بكتلة تشريعية كبيرة”.


















