أدلة من الميدان.. هل تقود "فرق الظل" إلى محاكمة مرتكبي جرائم دارفور؟

داود علي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

وسط تصاعد المعارك في إقليم دارفور واتساع التقارير عن القتل الجماعي والعنف الجنسي والاحتجاز على أساس عرقي، تعمل فرق ميدانية سرية على جمع الأدلة داخل مناطق يصعب على الصحفيين والمنظمات الحقوقية الوصول إليها.

وتتبع هذه الفرق قطاع دارفور في المفوضية القومية لحقوق الإنسان، وتتحرك خصوصا داخل المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، مستعينة بشبكة من المتعاونين المحليين ووسائل اتصال محدودة لنقل الشهادات والصور وقوائم الضحايا والمحتجزين.

وفي 27 يوليو/تموز 2026، أعلن مدير القطاع، رحمة الله محمدين أبكر، أن المواد التي تجمعها هذه الفرق ساعدت المفوضية في رصد نمط من الانتهاكات يستهدف المدنيين على أساس عرقي، من الفاشر إلى القرى المحيطة بمدينة الجنينة. غير أن عملها يجري تحت تهديد مستمر، في وقت قد تشكل فيه الأدلة التي تحفظها أساسا لتحقيقات ومحاكمات مستقبلية داخل السودان أو خارجه.

لم تعد المعارك في دارفور تدور بالسلاح فقط، بل امتدت إلى معركة موازية حول توثيق ما يجري على الأرض. فمع تراجع قدرة المنظمات الدولية ووسائل الإعلام على الوصول إلى كثير من مناطق القتال، أصبحت كل صورة وشهادة واسم ضحية وثيقة قد تحدد مستقبلا مسار المساءلة، أو تضيع إلى الأبد إذا لم تُحفظ في الوقت المناسب.

لماذا دارفور تحديدا؟

تختلف دارفور عن معظم الولايات السودانية في أربعة عوامل رئيسة، هي: سيطرة قوات الدعم السريع على مساحات ومدن واسعة، والتاريخ الممتد للجرائم الجماعية والنزاعات ذات الطابع العرقي، واستمرار اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بالجرائم المرتكبة في الإقليم منذ إحالة مجلس الأمن ملف دارفور إليها عام 2005، إضافة إلى صعوبة وصول المؤسسات الدولية والصحفيين والمحققين إلى مسارح الجرائم.

وتجعل هذه العوامل من الشاهد المحلي، في كثير من الأحيان، المصدر الوحيد القادر على توثيق ما حدث قبل دفن الضحايا أو نزوح السكان أو تدمير الوثائق.

وفي 23 يونيو/حزيران 2026، أصدر مركز أبحاث حقوق الإنسان (Human Rights Research Center) دراسة بعنوان "انهيار منظومة التوثيق في الصراع السوداني وتأثيره على المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان"، أعدتها الباحثة ماهيكا داتا.

وأشارت الدراسة إلى أن انهيار المحاكم والمستشفيات والسجلات المدنية وشبكات الاتصال خلق فجوة واسعة في عملية التوثيق داخل السودان، بينما لا تستطيع صور الأقمار الصناعية أو شهادات اللاجئين خارج البلاد أن تحل بالكامل محل التحقيق الميداني.

ورغم وجود بعثات أممية ومنظمات حقوقية دولية، فإن معظمها يعتمد على المقابلات مع اللاجئين أو صور الأقمار الصناعية أو شهادات تُجمع بعد أسابيع أو أشهر من وقوع الأحداث، بسبب صعوبة الوصول الميداني.

أما فرق الرصد المحلية فتتحرك داخل البيئات التي تقع فيها الانتهاكات نفسها، وهو ما يمنحها فرصة الوصول إلى الشهود والأدلة قبل اختفائها، لكنه في المقابل يضاعف حجم المخاطر الأمنية التي تواجهها.

متى نشأت فكرة "فرق الظل"؟

لا تمثل "فرق الظل" منظمة مستقلة، كما لا يرد هذا الاسم ضمن الهيكل القانوني للمفوضية القومية لحقوق الإنسان، وإنما يستخدم لوصف فرق الرصد السرية والمتعاونين الذين يعتمد عليهم قطاع دارفور للوصول إلى المناطق المغلقة أمنيا.

وتعود البنية المؤسسية لهذه الفرق إلى قانون المفوضية الصادر في 31 مايو/أيار 2009 الذي منحها صلاحية إنشاء فروع في الولايات، وتلقي الشكاوى، والتحقيق في الانتهاكات. كما أجازت المادة العاشرة لها تشكيل لجان وفرق عمل، والاستعانة بأشخاص أو جهات بصورة دائمة أو مؤقتة.

وبدأ التشكيل الفعلي للمفوضية في يناير/كانون الثاني 2012، قبل أن تتوسع لاحقا إلى الأقاليم. وفي 10 ديسمبر/كانون الأول 2018، أعلنت تدشين مكتب دارفور في مدينة الفاشر بالتعاون مع بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي "يوناميد".

وفي 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2022، عُيّن رحمة الله محمدين أبكر مديرا لقطاع إقليم دارفور، قبل اندلاع الحرب السودانية بنحو خمسة أشهر.

ومع اندلاع القتال في 15 أبريل/نيسان 2023، تعطلت إمكانات الرصد التقليدية في مناطق واسعة، بعد تضرر المحاكم والمستشفيات والسجلات المدنية، وانقطاع الاتصالات، ومغادرة العديد من الحقوقيين والصحفيين مناطق النزاع.

ومن هنا برزت فكرة العمل من داخل "الظل". فبدلا من إرسال بعثات حقوقية معلنة، اعتمد مكتب دارفور على مراقبين ومتعاونين محليين موجودين أصلا داخل المدن والقرى والمعسكرات ومناطق سيطرة قوات الدعم السريع.

وبذلك تحول العمل من بعثات ميدانية معلنة إلى شبكات محدودة لا تكشف هويات أفرادها، في صيغة فرضتها طبيعة المخاطر الأمنية في دارفور أكثر مما نتجت عن قرار تأسيسي منفصل.

 

كيف تعمل "فرق الظل"؟

تعتمد فرق الظل على أشخاص موجودين أصلا داخل المدن والقرى ومخيمات النزوح، ما يتيح لهم الوصول إلى الضحايا وأسر المفقودين والأماكن التي يصعب دخولها من الخارج. ولا تنشر المفوضية عدد أفراد الشبكة أو أسماءهم أو أماكن انتشارهم، خشية تعرضهم للاعتقال أو الانتقام.

ويقول محمدين أبكر: إن الفرق تتحرك بحذر داخل مناطق سيطرة الدعم السريع، وتستخدم شبكات من المتعاونين المحليين ووسائل اتصال محدودة لنقل المعلومات إلى قطاع دارفور، قبل إدراجها في تقارير ترفع إلى المفوضية والجهات الحقوقية المعنية.

ويبدأ العمل عادة بتلقي بلاغ عن جريمة قتل أو اختفاء أو اعتقال أو عنف جنسي، ثم جمع إفادات الضحية أو أفراد أسرته أو الشهود، ومقارنتها بما يتوافر من صور ومقاطع مصورة وقوائم ووثائق طبية.

ويفترض أن يساعد تكرار الوقائع المتشابهة في مناطق مختلفة على تحديد نمط الجريمة، والوحدات الموجودة في موقع الحدث، ومستويات القيادة المحتملة.

لكن المفوضية لم تنشر حتى الآن منهجية تفصيلية توضح معايير اختيار المراقبين وتدريبهم، أو كيفية تخزين الملفات وتأمينها، أو آلية توثيق سلسلة حيازة الأدلة منذ جمعها وحتى تسليمها.

وتكتسب هذه التفاصيل أهمية قانونية؛ إذ إن التقرير الحقوقي قد يثبت وجود نمط من الانتهاكات ويوجه مسار التحقيق، لكنه لا يتحول تلقائيا إلى دليل جنائي مقبول ما لم تحفظ مادته الأصلية، ويتحقق من مصدرها، وتحمى هوية الشهود وموافقتهم.

ولا يقتصر التحدي على الوصول إلى الضحايا؛ إذ تواجه هذه الفرق عقبات أخرى، منها انقطاع شبكات الاتصالات والكهرباء، وصعوبة إرسال الملفات، وخطر اكتشاف هوية المتعاونين المحليين، إضافة إلى احتمال نزوح الشهود أو مقتلهم قبل استكمال توثيق إفاداتهم.

كما أن استمرار العمليات العسكرية يجعل التحقق من بعض المعلومات أكثر تعقيدا، ما يفرض على الفرق مقارنة الشهادات والوثائق والصور الواردة من أكثر من مصدر قبل اعتمادها.

ماذا وثقت "فرق الظل"؟

يقول مدير قطاع دارفور: إن فرق الظل وثقت، خلال الفترة الماضية، عمليات قتل وإعدام جماعي، واستهدافا للمدنيين على أساس عرقي، نفذتها وحدات من قوات الدعم السريع، إلى جانب الاعتقالات والعنف الجنسي والنهب والتهجير وتدمير المرافق العامة.

وبحسب محمدين أبكر، تمتلك المفوضية تقارير أعدتها فرق الظل عن مقابر جماعية في الجنينة والفاشر، كما سجل قطاع دارفور نحو أربعة آلاف حالة عنف جنسي، تشكل الفتيات دون الثامنة عشرة قرابة 20 بالمئة منها.

وكشف المسؤول الحقوقي عن احتجاز 1480 مدنيا في مواقع متفرقة داخل الفاشر، بينهم 446 طفلا و360 امرأة، إضافة إلى نحو عشرة آلاف محتجز في سجن دقريس بمدينة نيالا، قال: إن النساء يشكلن نسبة كبيرة منهم.

ويربط محمدين أبكر بين ما وثقته الفرق في الفاشر والمؤشرات التي ظهرت في قرى محيطة بالجنينة، ضمن مسار يبدأ بالاعتقالات الجماعية، ويمر بالعنف ضد النساء والأطفال، وينتهي بنهب الممتلكات وتدمير البنية التحتية.

وتمنح هذه المقارنة عمل الفرق أهميته؛ إذ لا تسجل كل واقعة بمعزل عن غيرها، بل تحاول تحديد ما إذا كانت الجرائم المتكررة ناتجة عن تجاوزات فردية، أم أنها جزء من هجوم منظم يستهدف مجموعة سكانية بعينها.

ويفرق القانون الدولي بين التوثيق الحقوقي والدليل الجنائي. فالتوثيق يهدف إلى حفظ الوقائع ومنع ضياعها، بينما يتطلب الدليل القضائي شروطا إضافية، مثل التحقق من أصالة المادة، وتوثيق سلسلة حيازتها، وضمان سلامة الشهود.

ولهذا فإن قيمة المواد التي تجمعها فرق الظل تكمن في أنها تحفظ الأدلة الأولية وتمنع اندثارها، لتصبح لاحقا جزءا من ملفات يمكن أن تستكملها جهات التحقيق والقضاء.

ومنذ إحالة مجلس الأمن ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية عام 2005، أصبحت الجرائم المرتكبة في الإقليم خاضعة لاختصاص المحكمة، التي تعتمد عادة على مزيج من الأدلة، يشمل الشهادات والوثائق والصور وتقارير المنظمات الحقوقية والتحقيقات الميدانية.

ولا تعتمد المحكمة على مصدر واحد، لكن المواد التي تجمعها فرق الرصد المحلية قد تساعد في رسم خريطة أولية للجرائم وتحديد الأنماط والأماكن والأشخاص الذين ينبغي التحقيق معهم.

ويشير خبراء القانون الدولي إلى أن كثيرا من ملفات الإبادة الجماعية وجرائم الحرب في رواندا ويوغوسلافيا السابقة وسيراليون بدأت بشهادات محلية جُمعت في ظروف مشابهة، قبل أن تتحول لاحقا إلى أدلة استندت إليها المحاكم الدولية في إصدار أحكامها.

ويرى مراقبون أن خصوصية دارفور تكمن في أن كثيرا من المناطق التي تشهد الانتهاكات لا تزال مغلقة أمام الصحافة والبعثات الدولية، ما يجعل شبكات الرصد المحلية في كثير من الأحيان المصدر الوحيد للمعلومات القادمة من داخل مسرح الأحداث.

أهمية "فرق الظل"

قال السياسي السوداني إبراهيم الشيخ لصحيفة "الاستقلال": إن أهمية "فرق الظل" لا تقتصر على توثيق الانتهاكات الآنية، بل تمتد إلى حفظ ذاكرة الجرائم ومنع ضياع الوقائع بمقتل الشهود أو نزوحهم أو تدمير مسارح الأحداث.

وأوضح أن جمع شهادات ووقائع متشابهة من مدن وقرى متعددة يساعد على كشف ما إذا كانت الجرائم حوادث فردية أم جزءا من سياسة منظمة تستهدف المدنيين أو جماعات عرقية بعينها.

وأضاف الشيخ أن التوثيق الدقيق للأسماء والتواريخ والوحدات العسكرية وتسلسل القيادة يتيح الانتقال من إثبات وقوع الجريمة إلى تحديد منفذيها والمسؤولين الذين أصدروا الأوامر أو علموا بالانتهاكات ولم يتخذوا ما يلزم لمنعها.

وأشار إلى أن هذه المواد يمكن الاستفادة منها أمام النيابات والمحاكم السودانية، وبعثات تقصي الحقائق، ومفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، والمحكمة الجنائية الدولية، شريطة الحفاظ على مصداقية الأدلة وسريتها وسلامة سلسلة توثيقها.

ولفت إلى أن القضاء السوداني يمتلك، منذ تعديل القانون الجنائي عام 2009، اختصاصا بالنظر في جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، مستشهدا بالحكم الغيابي الذي أصدرته محكمة في بورتسودان، في 12 يوليو/تموز 2026، بالإعدام بحق قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي"، وشقيقيه عبد الرحيم والقوني، وآخرين، في قضية مقتل والي غرب دارفور خميس أبكر ومذابح الجنينة.

وأكد الشيخ أن قيمة التوثيق لا تنحصر في المحاكمات، بل تشمل أيضا كشف مصير المفقودين، وحصر أعداد القتلى والنازحين، وتوثيق الممتلكات المنهوبة، وتهيئة الأساس للتعويضات وجبر الضرر واستعادة الحقوق.

غير أن انتقال هذه الملفات إلى مساءلة فعلية يظل مرهونا باستقلال الجهات التي تحفظ الأدلة، وحماية الشهود، وقدرتها على ربط الجرائم بقياداتها؛ إذ تستطيع "فرق الظل" تسجيل ما حدث وحماية الحقيقة من الضياع، لكنها لا تستطيع وحدها ضمان وصول المتهمين إلى قاعات المحاكم.

وبينما تتواصل الحرب وتتسع رقعة الانتهاكات، تتحول مهمة هذه الشبكات السرية من مجرد توثيق يومي إلى سباق مع الزمن لحفظ ذاكرة الصراع. فكل شهادة تنجو من الضياع، وكل صورة تحفظ قبل اختفائها، قد تصبح مستقبلا جزءا من ملف قضائي يحدد مسؤولية الأفراد والقيادات عن واحدة من أعقد الحروب التي شهدها السودان في تاريخه الحديث.