عُمان تلجأ إلى الصين ردا على تهديدات أميركية علنية بسبب حرب إيران.. كيف؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

لم يقتصر الاجتماع الذي جمع كبار المسؤولين الصينيين والعُمانيين في مسقط قبل أيام على بحث القضايا الاقتصادية، بل كشف عن تشكّل مساحة جديدة للتعاون السياسي والإستراتيجي بين البلدين. 

ويأتي هذا التقارب بعد أشهر من الاضطرابات الإقليمية التي دفعت السلطنة إلى تسريع نهجها القائم على تنويع الشراكات وتجنب الارتهان لقوة واحدة، لا سيما في ظل التهديدات الأميركية العلنية التي طالتها منذ اندلاع الحرب على إيران.

وفي هذا السياق، رأت مجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت" الأميركية أن الحرب حوّلت هذا التوجه العُماني التقليدي من مجرد خيار مفضل إلى ضرورة إستراتيجية. 

ورأت أن طريقة تعامل واشنطن مع الدول الأصغر الساعية إلى تنويع شراكاتها، في ظل نظام دولي يتجه نحو التعددية القطبية، أصبحت موضع اختبار حقيقي.

اجتماع لافت

وذكرت المجلة أن نائب وزير الخارجية الصيني، مياو دييو، اجتمع في وقت سابق من هذا الشهر مع الأمين العام لمجلس الأمن الوطني العُماني، إدريس عبد الرحمن الكندي، وأكد الطرفان دعم كل منهما للمصالح الجوهرية للآخر.

وبحث الاجتماع تعميق التعاون بين مبادرة "الحزام والطريق" و"رؤية عُمان 2040"، إضافة إلى قضايا الأمن الإقليمي، فيما التقى الكندي خلال زيارته المسؤول في الحزب الشيوعي الصيني، جين شين.

وأبدى الطرفان اهتماما بتوسيع التبادلات الثنائية والتعاون، فيما أعلنت مسقط رغبتها في الإفادة من تجربة الحزب الشيوعي في الحوكمة وتعزيز التعاون في التجارة والاستثمار والمناطق الصناعية والسياحة.

ورأى التقرير أن الاجتماع كان لافتا بحكم مستوى التمثيل، إذ توحي مشاركة الأمين العام لمجلس الأمن الوطني العُماني بأن التعاون الثنائي يتسع ليتجاوز التجارة نحو التشاور السياسي والإستراتيجي.

وحملت اللحظة رسائل واضحة على المستويين، حيث أُبلغت بكين بأن الصين تتحول إلى شريك إستراتيجي أوسع، فيما أُبلغت واشنطن بأن مسقط عازمة على صون استقلال سياستها الخارجية.

وحاورت المجلة الباحث العُماني، حمد الغيثي، الزميل البحثي الأول في مؤسسة "كنتري ريسك سوليوشنز"، الذي أكد أن "عُمان تعيش عبر ضمان ألا تتمكن أي علاقة منفردة من احتجاز سيادتها رهينة".

وذهب الغيثي إلى أن تنويع الشراكات هو "الغريزة الأقدم في فن الحكم العُماني الحديث"، مشيرا إلى أن "ما فعلته الحرب هو أنها حوّلت هذا التفضيل إلى ضرورة".

وترى المجلة أنه مع تصاعد التوترات مع واشنطن وتردد تداعيات الحرب على إيران في أنحاء الشرق الأوسط، تسعى عُمان إلى استقلالية إستراتيجية أوسع عبر تنويع شراكاتها الدولية.

وتشكّل العلاقة المتوسعة مع الصين جزءا محوريا من هذه الأجندة، فيما تحاول مسقط اكتساب مرونة أكبر دون التخلي عن روابطها الأمنية القديمة مع الولايات المتحدة.

وعلى المحك سؤال جوهري يتعلق بمدى استعداد واشنطن لإبداء مرونة تجاه الدول الأصغر التي تسعى إلى التحرك بين مراكز قوى متنافسة في عالم متجه إلى التعددية القطبية، بدل الاصطفاف الحصري خلفها.

وعُمان، المعروفة بسياستها الخارجية المستقلة، طالما وازنت بين علاقاتها بدول المنطقة والقوى العالمية، متبنية دور الوسيط والشريك المحايد، وهي لا تسعى إلى تحول كبير بعيدا عن الغرب، لكنها تأمل في صون استقلاليتها الإستراتيجية.

وعزّزت أحداث الفترة الأخيرة المخاوف العُمانية من الاعتماد المفرط على واشنطن، مع قلق مسقط بشكل خاص من قرار إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تخريب الدبلوماسية التي يسّرتها عُمان مع طهران في أواخر فبراير/شباط، عبر إطلاق حرب "متهورة" على إيران.

وأضاف تهديد ترامب اللاحق بـ "تفجير" عُمان قلقا إضافيا، في أعقاب تقارير أفادت بأن مسقط كانت في محادثات مع طهران لفرض رسوم مشتركة على مضيق هرمز.

كذلك، حاورت المجلة محللا جيوسياسيا عُمانيا، فضّل عدم الكشف عن هويته، رأى أن "دولة تعاملت طوال عقود وسيطا موثوقا وحافظت على علاقات بنّاءة مع واشنطن، من غير المفترض أن تُهدَّد علنا لمجرد أنها رفضت التخلي عن سياستها الخارجية المستقلة".

ورأى المحلل أن "عُمان لذلك ستعمّق علاقاتها ليس فقط مع الصين، بل أيضا مع القوى الأوروبية والهند وروسيا ودول آسيوية أخرى"، مشيرا إلى أن الهدف ليس استبدال تبعية بأخرى.

وذهب إلى أن "الهدف هو إنشاء شبكة أوسع من الشراكات الاقتصادية والدبلوماسية والتكنولوجية والأمنية تمنح عُمان مساحة مناورة أكبر"، متوقعا أن تكون سياسة خارجية عُمانية "أكثر انفتاحا على التعددية القطبية" النتيجة النهائية.

ورأى أن "حياد عُمان ودورها في الوساطة سيبقيان محوريين، لكن مسقط قد تصبح أكثر حزما في الدفاع عن سيادتها وأقل ميلا للتكيّف مع ضغوط اختيار الطرف".

وعُمان تتجنب عموما إعادة الاصطفاف الدرامية، وتسعى بدل ذلك إلى توسيع علاقاتها بشكل تدريجي، مع صون روابطها الأمنية الغربية القديمة وتعميق تعاملاتها الدبلوماسية والاقتصادية والسياسية مع الصين وشركاء آسيويين آخرين.

وعاد الغيثي ليؤكد أن "عُمان لا تستبدل راعيا بآخر، بل تعيد توزيع المخاطر حتى لا تواجه مجددا لحظة تستطيع فيها عاصمة واحدة إملاء خياراتها".

شراكة تتّسع

وبينما تظل الطاقة أساسَ العلاقات الصينية-العُمانية، من المرجح أن تتوسع الشراكة نحو مزيد من الاستثمار في اللوجستيات والتصنيع والطاقة المتجددة والبنية التحتية الرقمية، بما يعكس التوافق بين "رؤية عُمان 2040" وطموحات الترابط الصينية.

وتعتمد عمان، بصفتها وسيطا فاعلا وموثوقا في الشرق الأوسط، مقاربة دبلوماسية للمعضلات الأمنية الإقليمية تمنح بكين أسبابا وفيرة للنظر إلى مسقط شريكا ذا قيمة.

ويتوقع التقرير أن يمتد تعاون البلدين إلى مجالات جديدة تشمل إدارة الأزمات والحوكمة البحرية وتيسير الدبلوماسية الإقليمية بعد النزاعات، فيما تسعى الصين دوما إلى بناء صورتها بوصفها داعمة للحوار السياسي والقانون الدولي وطرفا بنّاء في الشرق الأوسط.

ومن أبرز أوجه التآزر بين عُمان والعملاق الآسيوي، الدور الذي أدّياه إلى جانب العراق في الاستفادة من نفوذهما الدبلوماسي لدفع السعودية وإيران نحو تطبيع علاقاتهما الرسمية في مارس/آذار 2023.

ولفت المحلل العُماني إلى أن "الصين وعُمان تتشاركان مصلحة في منع مضيق هرمز من أن يصبح ساحة قتال أو أداة إكراه سياسي"، شارحا أن "الصين تحتاج إلى تدفقات طاقة دون انقطاع، وعُمان تحتاج إلى الاستقرار وحرية الملاحة واحترام سيادة الدول المطلة على المضيق، وهذا يوفر أساسا قويا للتنسيق البحري والدبلوماسي".

وأردف بأن "الصين قد تجد في عُمان أيضا جسرا دبلوماسيا مفيدا، إذ تمتلك مسقط خبرة في الوساطة والتواصل مع أطراف كثيرا ما ترفض الحديث مباشرة بعضها إلى بعض".

وتابع أن "الصين في المقابل تسعى إلى تقديم نفسها داعمة للتسويات الدبلوماسية وفاعلا سياسيا مهما في الشرق الأوسط، ولذلك قد يمتد التعاون بين البلدين إلى خفض التوتر في النزاعات والترتيبات البحرية والحوار الإقليمي بعد الحرب".

حدود التعاون

ومن المرجح كذلك أن يتوسع التعاون الثنائي في مجالات مثل التنسيق الأمني البحري والأمن السيبراني ومكافحة الإرهاب والتعليم العسكري وتبادل المعلومات الاستخبارية بشأن التهديدات غير التقليدية، إضافة إلى مشتريات دفاعية محدودة حيث تقدم الأنظمة الصينية مزايا عملية.

غير أن هذا التعاون سيبقى محصورا داخل حدود واضحة، إذ تفضّل مسقط تنويعا انتقائيا في الملفات الأمنية، لا التزامات تحالفية أو قواعد عسكرية دائمة.

والعلاقات الدفاعية القديمة بين عُمان وبريطانيا والولايات المتحدة تجعل من المستبعد جدا أن تحل الصين محل الشركاء الغربيين ضامنا أمنيا رئيسا لمسقط.

وعزّز عدم الاستقرار الإقليمي الأخير تفضيل عُمان لشراكات متوازنة تحفظ استقلاليتها الإستراتيجية وتوسيع خياراتها الدبلوماسية والاقتصادية، فيما ستتخذ مسقط الخطوات اللازمة لتفادي تبعية اقتصادية مفرطة تجاه الصين قد تقوّض سيادتها.

وتعكس هذه الإستراتيجية الموازنة رؤية عُمانية أوسع مفادها أن الاستقلالية الإستراتيجية تعتمد على الحفاظ على المرونة للعمل مع قوى متعددة مع صون المصالح الوطنية.

وذهب الغيثي إلى أن "عُمان هي حالة الاختبار لما إذا كانت الدول الصغيرة قادرة على الحفاظ على تعدد الاصطفافات في نظام دولي منقسم، ولما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على تحمّل الشركاء لا مجرد الأتباع".

وحذّر من أنه "إذا نجح الضغط الحالي في إجبار عُمان على الاختيار، فلن تكسب واشنطن حليفا أكثر طاعة، بل ستفقد أكثر الأدوات الدبلوماسية فائدة في المنطقة، وسترث الصين، دون كلفة، شراكة أمضى الأميركيون قرنين في بنائها".

وطرح الغيثي في ختام حديثه سؤالا عده التقرير الأكثر دلالة: "السؤال الذي يستحق الطرح ليس ما إذا كانت عُمان تنجرف نحو الصين، بل لماذا تدفع السياسة الأميركية الكثير من الدفع في هذا الاتجاه".