تحت العدوان والاحتلال.. ما فرص عقد الانتخابات التشريعية الفلسطينية؟

حسن عبود | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

تنطلق الانتخابات التشريعية الفلسطينية  في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 وسط فجوة بين اكتمال الإطار القانوني واستمرار الغموض حول شروط التنفيذ. 

فمشاركة قطاع غزة والقدس المحتلة ما زالت مرتبطة بترتيبات لم تُعلن، وبقدرة القوى الفلسطينية على الاتفاق بشأن قواعد المنافسة والحريات السياسية وقبول النتائج وانتقال السلطة.

وكان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قد أصدر في 9 يوليو/تموز مرسومًا يدعو الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة إلى انتخاب مجلس تشريعي جديد، قبل أن تعلن لجنة الانتخابات مواعيد التسجيل والترشح والدعاية والاقتراع. 

غير أن بدء الإجراءات في الضفة سبق حسم آليات العمل في غزة والقدس، ما يجعل شمول الانتخابات مرهونًا بتحديث سجل الناخبين وسط النزوح والدمار، وتأمين المراكز والطواقم، ومواجهة محاولات الاحتلال منع المقدسيين من التصويت.

من يشارك؟

تقود الرئاسة وحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" المسار الحالي انطلاقًا من المرسوم الرئاسي والتعديلات التي سبقت الدعوة إلى الانتخابات.

ويمنح النظام الجديد قيادة الحركة مساحة أوسع لترتيب قائمتها بعد رفع عدد المقاعد من 132 إلى 200، فيما يزيد خفض نسبة الحسم إلى 1 بالمئة فرص القوائم الصغيرة في دخول المجلس.

وتبقى قدرة "فتح" على خوض الانتخابات بقائمة موحدة قضية مؤثرة في قرار المضي إلى النهاية، بعدما كشفت انتخابات 2021 عن تعدد القوائم المحسوبة على الحركة وتنافس مراكزها الداخلية قبل تأجيل الاقتراع.

أما حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، فقد رفضت التعديلات التي أصدرها عباس ووصفتها بأنها استمرار لمنطق "الاستفراد" بالنظام السياسي، فيما يظل قرارها بشأن المشاركة مفتوحًا أمام خوض الانتخابات بقائمة معلنة، أو دعم شخصيات وقائمة قريبة منها، أو مقاطعة العملية. 

ويتركز الخلاف حول الإقرار الذي يفرضه القانون على كل مرشح بالالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها "الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني"، وببرنامجها السياسي والوطني الذي يرفض المقاومة المسلحة، وقرارات الشرعية الدولية. 

يمنح هذا الأمر لجنة الانتخابات أساسًا لفحص أهلية المرشحين، ويفتح في الوقت نفسه نزاعًا سياسيًا وقانونيًا مع حركتي حماس والجهاد الإسلامي وقوى ترفض تبني المرجعية السياسية للمنظمة بصيغتها الحالية.

وقد ظهر اعتراض أوسع في البيان المشترك الذي أصدرته حماس والجهاد الإسلامي والمبادرة الوطنية والجبهتان الشعبية والديمقراطية والجبهة الشعبية–القيادة العامة في 28 يونيو/حزيران؛ إذ طالبت بعقد اجتماع عاجل وإطلاق حوار وطني يسبق الانتخابات ويضمن شمولها. 

ويضع هذا الموقف المسار الحالي أمام سؤال يتعلق بمرجعيته، كون الرئاسة تتعامل مع الانتخابات التشريعية بوصفها استحقاقًا مستقلًا يعقبه اقتراع رئاسي خلال الربع الأول من 2027، بينما تربط الفصائل العملية بانتخابات الرئاسة والمجلس الوطني (برلمان منظمة التحرير) وإعادة بناء المنظمة ضمن تفاهم شامل.

وتختلف صيغة 2026 عن اتفاق القاهرة الذي توصلت إليه الفصائل في فبراير/شباط 2021، حين تعهدت القوى باحترام النتائج وإطلاق الحريات ووقف الاعتقالات السياسية، وضمان حياد أجهزة الأمن، وتوفير حرية الدعاية والاجتماعات والإعلام. 

ولم تصدر وثيقة توافقية محدثة تحمل التزامات مماثلة، ما يجعل حرية مرشحي حماس والمعارضة في الضفة معيارًا مبكرًا لنزاهة الانتخابات.

ويتيح قانون الانتخابات حضور وكلاء القوائم والمراقبين المحليين والدوليين والإعلاميين خلال الاقتراع والفرز، ويمنح محكمة الانتخابات صلاحية مراجعة قرارات اللجنة.

غير أن ضمان قبول النتائج يحتاج إلى تفاهم سياسي يحدد شكل الحكومة التالية، وصلاحيات المجلس في غزة والضفة، وآلية انتقال المؤسسات والمالية والأمن والقضاء.

ويضيف تشكيل اللجنة الوطنية المؤقتة لإدارة غزة برئاسة علي شعث سؤالًا يتعلق بالسلطة التي سيخضع لها القطاع بعد الانتخابات؛ فقد أُنشئت اللجنة لإدارة المؤسسات والخدمات المدنية خلال المرحلة الانتقالية، فيما لم تتضح بعد علاقتها القانونية بالحكومة الفلسطينية أو بالمجلس التشريعي المقبل.

ويحتاج قبول نتائج الاقتراع إلى اتفاق يحدد ما إذا كانت اللجنة ستخضع لرقابة المجلس المنتخب، وكيف ستنتقل صلاحياتها إلى حكومة تستمد تفويضها من المؤسسات الفلسطينية.

وأظهرت تجربة 2006 أن الفوز في الصناديق يستطيع فتح أزمة جديدة عندما ترفض الأطراف المحلية والخارجية التعامل مع نتيجته، إذ حصلت قائمة "التغيير والإصلاح" التابعة لحماس على 74 مقعدًا مقابل 45 لفتح، ثم تحول الصراع على الحكومة والأجهزة إلى انقسام جغرافي وتعطيل للمجلس.

ورأى المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، خلال تقدير نشره في 3 أغسطس، أن توقيت الانتخابات يرتبط بضغوط دولية لإعادة تشكيل السلطة وإعدادها لترتيبات ما بعد العدوان الإسرائيلي على غزة.

ورأى أن تعديلات القانون تعيد رسم مجال المشاركة داخل النظام الفلسطيني، خصوصًا عبر شرط الالتزام بمنظمة التحرير، وربط عضوية البرلمان بعضوية المجلس الوطني. ويعني ذلك أن الخلاف يتصل بهوية القوى التي ستدخل المؤسسات الجديدة وحدود البرامج المسموح لها بالمنافسة.

كما أعلن "التحالف من أجل التغيير"، وهو تجمع فلسطيني يضم شخصيات سياسية وقانونية ومجتمعية، في 22 يوليو رفضه الشروط السياسية المسبقة على المرشحين والتعديلات التي يراها محاولة لهندسة النظام السياسي، وطالب بإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية بصورة متزامنة. 

ويمنح موقف التحالف المعارض بعدًا يتجاوز القوى الإسلامية، ويكشف مخاوف لدى شخصيات فلسطينية من أن يتجدد المجلس وفق قواعد تصوغها السلطة التنفيذية في غياب مجلس تشريعي قائم.

وتكشف القراءة الإسرائيلية اهتمامًا مباشرًا باستبعاد حماس من المجال السياسي، فقد وصفت صحيفة "إسرائيل اليوم" اليمينية شرط الالتزام ببرنامج منظمة التحرير بأنه إجراء يستهدف عرقلة ترشح حماس باسمها.

بينما رأى مركز بيغن–السادات للدراسات الإستراتيجية، خلال دراسة في 4 أغسطس، أن أحد أهداف المسار يتمثل في صناعة شرعية فلسطينية جديدة خارج نتيجة انتخابات 2006، وقدم غياب حماس والجهاد الإسلامي عن المؤسسات المنتخبة بوصفه "إقصاءً سياسيًا" و"انتصارا إستراتيجيا" على الحركتين. 

وتعكس هذه القراءات مصلحة إسرائيلية في تحديد هوية المشاركين والنتيجة السياسية المقبولة، بالتوازي مع قدرة الاحتلال على اعتقال المرشحين وتقييد الحملات ومنع الاقتراع في القدس.

كيف يجري التصويت؟

تملك الضفة الغربية البنية الإدارية الأكثر جاهزية؛ إذ تظهر بيانات لجنة الانتخابات المحدثة في 3 أغسطس وجود مليون و588 ألفًا و294 ناخبًا مسجلًا، مع تخصيص 467 مركزًا لاستقبال طلبات التسجيل وتحديث البيانات بين 15 و19 أغسطس. 

كما أدارت اللجنة في أبريل/نيسان انتخابات محلية واسعة بلغت المشاركة فيها 56 بالمئة في الضفة، وهو ما يوفر طواقم ومقار وخبرة تشغيلية يمكن البناء عليها في الاقتراع التشريعي، لكن هذه الجاهزية تصطدم بمنظومة الاحتلال التي تقطع الضفة بحواجز وبوابات وطرق مغلقة. 

ووثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة “أوتشا” خلال تقرير نشره في أبريل وجود 925 عائق حركة، بينها 89 حاجزًا دائمًا و218 حاجزًا جزئيًا و232 بوابة طرق. ويعوق نحو نصفها الوصول بين التجمعات الفلسطينية والطرق الرئيسة، فيما يعزل الجدار ونظام التصاريح مناطق وتجمعات عن القدس وبقية الضفة.

ويؤثر هذا الواقع في وصول الناخبين والطواقم إلى المراكز وتنقل المرشحين، ونقل أوراق الاقتراع والصناديق والمحاضر، ومشاركة القرى الواقعة خلف الجدار أو قرب المستوطنات. 

كما تستطيع قوات الاحتلال إغلاق محافظة أو اقتحام مدينة أو اعتقال مرشح ووكيل قائمة خلال الحملة أو يوم الاقتراع، وهي إجراءات يتجاوز أثرها قدرة اللجنة القانونية على تمديد التصويت في مراكز محددة.

وتحتاج العملية في الضفة الغربية إلى خريطة مخاطر لكل مركز، وطواقم احتياطية تقيم داخل المنطقة نفسها، ومسارات بديلة لنقل مستلزمات الاقتراع، وقواعد واضحة لمعالجة الإغلاقات والاقتحامات. 

كما يحتاج التنافس إلى ضمان الحريات داخل مناطق السلطة، كون الاعتقال السياسي أو التضييق على الحملات المعارضة يضيف عرقلة فلسطينة إلى القيود التي يفرضها الاحتلال.

أما غزة فتبدأ عقدتها من تحديد الكتلة الناخبة ومواقعها؛ فقد قالت لجنة الانتخابات: إن سكان القطاع سيشاركون من دون الحاجة إلى التسجيل الجاري في الضفة، ووعدت بإعلان آليات خاصة لاحقًا. 

ويحتاج هذا الاستثناء إلى قواعد تحدد مصدر بيانات الناخبين وطريقة تحديث الوفيات والمفقودين وتوزيع النازحين على المراكز، والوثائق المقبولة لمن فقد أوراقه، وكيفية منع ازدواج التصويت. ويشترط القانون وجود سجل نهائي لكل مركز والتحقق من هوية الناخب قبل تسليمه ورقة الاقتراع.

ويرتبط تنفيذ هذه الإجراءات بالجهة التي ستدير غزة خلال الأشهر السابقة للاقتراع، فإذا تسلمت اللجنة الوطنية المؤقتة المؤسسات المدنية، فستكون الطرف المحلي المسؤول عن توفير المقار والبلديات والاتصالات والموظفين والتنسيق مع لجنة الانتخابات. 

أما تأخر انتقال الصلاحيات إليها، فسيبقي اللجنة الانتخابية مضطرة إلى التعامل مع الهياكل الإدارية القائمة فعليًا في القطاع، من دون إطار معلن يحدد مسؤولية كل جهة.

وقدمت انتخابات بلدية دير البلح وسط القطاع في 25 أبريل اختبارًا ميدانيًا لقدرة اللجنة على العمل داخل غزة؛ إذ شملت نحو 70 ألفًا و449 صاحب حق في الاقتراع، وجرى التصويت في 12 مركزًا كان معظمها خيامًا.

وبلغت نسبة المشاركة 23 بالمئة في التجربة التي أثبتت قدرة اللجنة على تشغيل اقتراع محدود، فيما تحتاج الانتخابات التشريعية إلى تغطية خمس مناطق انتخابية وتشغيل شبكة أوسع من المراكز والموظفين والوكلاء والمراقبين، كما تجرى الاستعدادات وسط دمار ونزوح مستمرين بفعل العدوان الإسرائيلي.

وقال مكتب "أوتشا" في تقرير أصدره في 31 يوليو: إن القصف الإسرائيلي قرب ما يسمى "الخط الأصفر" وفي مناطق أخرى ما زالت تلحق أضرارًا بالملاجئ وتدفع إلى نزوح جديد وتعرقل الوصول إلى الخدمات، وإن 67 بالمئة من السكان يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد. 

ويؤثر ذلك في صلاحية المدارس والمباني العامة كمراكز اقتراع، وفي حركة الموظفين والناخبين، وتوفير الكهرباء والاتصالات والطباعة وحماية الصناديق.

وتحتاج القوائم إلى حملة وطنية داخل القطاع، بما يشمل التجمعات النازحة ومناطق النفوذ المختلفة، مع إمكانية تعيين وكلاء ومراقبة الفرز وتقديم الطعون. 

وستتفاوت فرص المنافسة إذا تمكنت جهة من التحرك والوصول إلى الناخبين بينما تُقيد قوائم أخرى أمنيًا أو لوجستيًا، خصوصًا في ظل غياب تفاهم سياسي بين السلطة وحماس حول إدارة العملية.

ويتوقف أمن الانتخابات على الجهة التي ستدير الشرطة والمؤسسات الأمنية في غزة يوم الاقتراع، فإذا تولت اللجنة الوطنية المؤقتة إدارة القطاع، فستحتاج إلى تحديد جهاز الشرطة المسؤول وسلسلة قيادته وعلاقته المباشرة بلجنة الانتخابات، إلى جانب حماية المرشحين والموظفين والصناديق ومنع الظهور المسلح قرب المراكز. 

أما بقاء الإدارة الأمنية بيد الهياكل السابقة أو توزيعها بين أكثر من جهة، فسيهدد وحدة التعليمات وقدرة اللجنة على تنفيذ القانون. وتصبح آليات غزة مطلوبة قبل فتح باب الترشح في 26 سبتمبر/أيلول، كون القائمة الوطنية تحتاج إلى معرفة أماكن ناخبيها وطرق الوصول إليهم وحجم المراكز التي ستعمل فعليًا. 

وأي تأخير إلى مرحلة الدعاية سيجعل القوى تدخل سباقًا يحتسب أصوات غزة في نتيجته الوطنية، بينما تظل طريقة جمع هذه الأصوات وتدقيقها معلقة.

أما القدس فتعد العقدة السياسية الأثقل؛ إذ دعا المرسوم سكان المدينة إلى المشاركة، فيما أحالت لجنة الانتخابات ترتيبات المقدسيين إلى إعلان لاحق، دون صدور اتفاق يسمح بفتح مراكز داخل المدينة أو بتنظيم الحملات تحت سلطة الاحتلال.

استندت الانتخابات السابقة إلى الملحق الانتخابي في اتفاق المرحلة الانتقالية لعام 1995 الذي سمح لعدد محدود من المقدسيين بالاقتراع داخل مكاتب بريد إسرائيلية، فيما توجه العدد الأكبر إلى مراكز في ضواحي القدس. 

وفي انتخابات 2006 خُصصت ستة مكاتب بريد بسعة بلغت نحو 6300 ناخب، وافتتحت اللجنة مراكز إضافية في كفر عقب والرام وعناتا والزعيم ومناطق أخرى خارج مركز المدينة.

 ووثقت اللجنة حينها اعتداءات واعتقالات وعراقيل إسرائيلية نالت المرشحين والناخبين، وأوصت لاحقًا بالبحث عن صيغة أكثر كرامة من الاقتراع في مكاتب البريد التابعة للاحتلال.

وتدور الخيارات المتاحة حول إعادة ترتيبات مكاتب البريد، أو نقل المقدسيين إلى مراكز في الضواحي، أو فتح مراكز فلسطينية داخل المدينة رغم احتمال إغلاقها ومصادرة موادها واعتقال العاملين فيها. 

ويحتاج الخيار الأول إلى موافقة الاحتلال، بينما يفرض الثاني على الناخبين عبور الحواجز والخروج من مدينتهم، ويجعل الخيار الثالث عرضة لتدخل أمني مباشر.

ولا يقدم القانون الحالي نظامًا عامًا للتصويت الإلكتروني أو البريدي من المنازل؛ إذ يربط الاقتراع بهوية الناخب واسمه في سجل المركز وحضوره الشخصي إلى مكان التصويت. ويعني استحداث بديل إلكتروني أو بريدي تعديل القواعد قبل الاقتراع، مع بناء ضمانات للسرية والتدقيق ومنع التلاعب.

وتحمل سابقة 2021 أثرًا مباشرًا على القرار الحالي، فقد أوقف عباس العملية بعد اكتمال مرحلة الترشح، وربط مرسوم التأجيل استئنافها بتوافر شروط إجراء الانتخابات في الأراضي الفلسطينية كافة وفي مقدمتها القدس. 

وكانت لجنة الانتخابات قد أعلنت استعدادها لتنفيذ ترتيبات بديلة داخل المدينة إذا تلقت قرارًا سياسيًا بذلك، ثم أوقفت العملية عقب قرار عباس في 29 أبريل من نفس العام.

انتخابات شاملة أم جزئية؟

يقوم السيناريو الأول على إجراء اقتراع متزامن في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس المحتلة، وهو المسار الذي يتفق مع نص المرسوم وبنية القانون؛ إذ تُجمع الأصوات على مستوى دائرة وطنية واحدة لتحديد نسبة الحسم وتوزيع مقاعد المجلس.

ويتطلب تنفيذ هذا السيناريو إعلان ترتيبات غزة والقدس خلال الأسابيع المقبلة، والتوصل إلى ضمانات للحريات والأمن، وإتاحة الحملات ووكلاء القوائم والمراقبين في المناطق الثلاث، إلى جانب تحديث سجل الناخبين في غزة وتحديد مراكز الاقتراع والجهة المسؤولة عن حمايتها.

كما يحتاج الاقتراع الشامل إلى حسم مستقبل اللجنة الوطنية المؤقتة لإدارة غزة بعد انتخاب المجلس، فاستمرارها في إدارة القطاع وفق تفويض انتقالي منفصل سيُبقي سلطة تنفيذية خارج الرقابة المباشرة للمؤسسة التي شارك سكان غزة في انتخابها، بينما يتطلب دمجها في الحكومة الفلسطينية وإخضاع موازنتها وقراراتها لرقابة المجلس اتفاقًا يحدد مدة عملها وآلية إنهاء ولايتها ونقل صلاحياتها.

ويبقى معيار الشمول مرتبطًا بحجم المشاركة المتاحة فعليًا؛ فقد تفتح لجنة الانتخابات مراكز في غزة وضواحي القدس، بينما يعجز قسم واسع من الناخبين عن الوصول إليها بسبب النزوح والحواجز والقصف والاعتقالات. وعندها يتحقق وجود جغرافي للصناديق في المناطق الثلاث، فيما تظل المساواة بين الناخبين والقوائم موضع طعن سياسي وقانوني.

أما السيناريو الثاني فيقوم على إجراء الانتخابات في المناطق المتاحة، مع استبعاد غزة أو القدس أو تأجيل اقتراعهما إلى مرحلة لاحقة. 

ولا يخصص القانون مقاعد مستقلة لكل محافظة يمكن انتخابها بمعزل عن بقية الأراضي، كما تُحتسب نسبة الحسم وتوزيع المقاعد من مجموع الأصوات الصحيحة على مستوى الدائرة الوطنية الواحدة. ولذلك يؤثر استبعاد غزة أو القدس في القاعدة الانتخابية التي تُحسب منها النتائج وفي فرص القوائم وحصصها من المقاعد.

ويحتاج التصويت المرحلي إلى تعديل قانوني أو مرسوم جديد يحدد مدة التأجيل وطريقة حفظ الصناديق وموعد نشر النتائج وفترات الطعن. 

كما يتطلب حجب نتائج المرحلة الأولى حتى اكتمال الاقتراع؛ لأن نشر اتجاهات أصوات الضفة قبل تصويت غزة أو القدس قد يؤثر في الحملات وتحالفات القوائم وسلوك الناخبين.

وسيواجه مجلس منتخب من الضفة وحدها أزمة تمثيل في غزة، حيث توجد سلطة فعلية وفصائل قد ترفض الاعتراف بنتيجته، كما سيعيد استبعاد القدس إنتاج التناقض مع قرار 2021، ويكرس قدرة الاحتلال على تحديد المجال الجغرافي للديمقراطية الفلسطينية. 

أما استبعاد المنطقتين معًا فسيجعل المجلس ناتجًا عن جزء من الأراضي الخاضعة لإدارة السلطة، ويضعف قدرته على ادعاء تمثيل الشعب الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة.

ويبقى السيناريو الثالث تأجيل الانتخابات بمرسوم جديد إذا تعذر تحقيق الحد الأدنى من المشاركة في غزة والقدس، وهو مسار يتسق مع سابقة 2021، لكنه يحمل كلفة سياسية بعد مرور 20 عامًا على آخر انتخابات تشريعية. 

ويحتاج أي تأجيل إلى موعد بديل وشروط معلنة لاستئناف العملية وقرار بشأن استمرار صلاحية التسجيل والقوائم والإجراءات المنجزة، حتى لا يتحول التعطيل إلى أجل مفتوح.

وقدمت هيئة البث الإسرائيلية الرسمية "كان" خلال تقرير نشرته في 22 يوليو قراءة ترى أن عباس ترك لنفسه "طريق هروب" من الانتخابات، مستندة إلى خوفه من صعود حماس وسابقة التأجيل. 

كما رأت صحيفة “زمن إسرائيل” في 16 يوليو أن اشتراط إجراء الاقتراع في القدس قد يتحول إلى مدخل جديد للتأجيل، متوقعة معارضة إسرائيلية قوية لأي تصويت داخل المدينة. 

وفي المقابل، نسبت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية في 9 يوليو إلى مسؤول فلسطيني لم تسمه قوله: إن ضغوط الدول المانحة والعواصم العربية دفعت نحو الانتخابات وإنتاج قيادة منتخبة جديدة.

ويعزز هذا الطرح قراءة المركز العربي التي تضع الاقتراع ضمن مسار إصلاح دولي أوسع، لكنه يثير في الوقت نفسه سؤالًا حول قدرة عملية تتحرك تحت ضغط الخارج والاحتلال والانقسام على إنتاج عقد سياسي فلسطيني يحترمه المتنافسون بعد ظهور النتائج.