لقاء سري في لندن مع مليشيات الدعم السريع يفتح ملف الدور الإماراتي

داود علي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

في ظل تصاعد الحرب في السودان، وتقدم الجيش السوداني في محوري كردفان ودارفور، كشفت مصادر بريطانية وسودانية متعددة، في 22 يوليو/تموز 2026، لموقع "ميدل إيست آي" البريطاني، أن وزارة الخارجية البريطانية استضافت اجتماعًا دبلوماسيًا "غير معلن" بشأن السودان، أثار جدلًا واسعًا.

وجاء ذلك بعد الكشف عن مشاركة ممثل للجناح السياسي لمليشيا الدعم السريع، إلى جانب شخصيات إماراتية، ما فتح الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة الاجتماع وأهدافه، وأسباب عقده سرًا في لندن.

ووفقًا للمصادر، تلقى نصر الدين عبد الباري، أحد قيادات تحالف "تأسيس" المرتبط بالجناح السياسي لمليشيا الدعم السريع، دعوة للمشاركة في مؤتمر نظمته مؤسسة ويلتون بارك (Wilton Park) التابعة للحكومة البريطانية، إلى جانب شخصيات أخرى محسوبة على دولة الإمارات، التي تتهمها الحكومة السودانية بدعم مليشا الدعم السريع.

وأثار ذلك استياء الحكومة السودانية في بورتسودان، التي أكدت أنها لم تكن ممثلة في الاجتماع، والذي وصفه عدد من المسؤولين البريطانيين بأنه اجتماع "غير معلن".

وجاءت دعوة ممثل الجناح السياسي لمليشيا الدعم السريع، إلى جانب شخصيات إماراتية، بعد شهادة أدلى بها ناثانيال ريموند، المدير التنفيذي لمختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل (Humanitarian Research Lab)، أمام لجنة برلمانية بريطانية، قال فيها: إن لندن فضّلت الحفاظ على علاقتها مع الإمارات على اتخاذ خطوات أكثر حزمًا لمنع الفظائع المرتكبة في السودان.

الإمارات حاضرة

وأكد موقع "ميدل إيست آي" أن شخصيات أخرى من دول الخليج ستشارك في اجتماع ويلتون بارك، وهي المؤسسة التي أُنشئت عقب الحرب العالمية الثانية بهدف تعزيز الحوار الديمقراطي الدولي. ونقل الموقع عن أحد المشاركين أن المؤتمر يضم أيضًا شخصيات سودانية تُعد أقرب إلى موقف الجيش السوداني.

من جهتها، أوضحت وزارة الخارجية والتنمية البريطانية أن الوفود الرسمية لدول “الرباعية” التي تضم السعودية والإمارات ومصر والولايات المتحدة، لم تُدعَ إلى الاجتماع، مشيرة إلى أن جميع المشاركين يحضرون بصفتهم الشخصية وليس بوصفهم ممثلين رسميين لحكوماتهم.

وتعرّف مؤسسة ويلتون بارك، التي تتخذ من "ويستون هاوس" في مقاطعة ويست ساسكس مقرًا لها، نفسها بأنها "أبرز منصة بريطانية متعددة الأطراف لتيسير الحوار الدولي وصنع السياسات"، مؤكدة أنها تضطلع بدور خبير الحكومة البريطانية في تنظيم الحوارات الدولية.

ورغم أن المؤسسة تعلن عادة عن معظم فعالياتها عبر موقعها الإلكتروني، فإن الاجتماع الخاص بالسودان لم يُدرج ضمن جدول الفعاليات المنشورة.

ونقل الموقع عن أحد المصادر في وزارة الخارجية البريطانية قوله: "الجميع ذاهبون إلى الاجتماع"، فيما أكد أحد موظفي مؤسسة ويلتون بارك انعقاد المؤتمر بالفعل.

اعتراض سوداني

من جانبه، انتقد أمجد فريد الطيب، مستشار مجلس السيادة الانتقالي السوداني المدعوم من الجيش، في تصريحات لوسائل إعلام محلية وإقليمية، قرار الحكومة البريطانية استضافة شخصيات مرتبطة بمليشيا الدعم السريع.

وقال: "رأينا العديد من البيانات الصادرة عن الحكومتين البريطانية والأميركية التي أبدت قلقها إزاء ما قد ترتكبه مليشيا الدعم السريع من جرائم وإبادة جماعية إذا سيطرت على مدينة الفاشر".

وأضاف: "لا يزال الخطاب نفسه يتكرر؛ ففي الوقت الذي تعرب فيه الحكومة البريطانية عن قلقها من الجرائم المحتملة التي قد ترتكبها مليشيا الدعم السريع، بل وحتى من احتمال ارتكابها إبادة جماعية، فإنها تستضيف شخصيات مرتبطة بها في بريطانيا لمناقشة مستقبل السودان".

وتابع: "أي اجتماع يحتاج إلى أن يكون غير معلن، فهو يخفي أمرا يجعل من الضروري إبقاءه بعيدا عن الأنظار".

وأشار فريد إلى أن دعم الإمارات لمليشيا الدعم السريع موثق، حتى في تقارير صادرة عن البرلمان البريطاني نفسه، مقدرا أن الحكومة السودانية "لا تملك سوى قدر ضئيل جدا من الثقة أو الاطمئنان تجاه ما تحاول الحكومة البريطانية القيام به بعيدا عن الأضواء".

وأضاف أن قيمة صادرات الأسلحة البريطانية إلى الإمارات خلال السنوات الثلاث الماضية بلغت 422 مليون جنيه إسترليني (565 مليون دولار). لافتا إلى أن معدات عسكرية بريطانية الصنع عُثر عليها في ساحات القتال داخل السودان، وكانت بحوزة مليشيا الدعم السريع.

وختم بالقول: "يمكننا أن نرى نمطا من التواطؤ هنا؛ فهم يصدرون بيانات تعبر عن القلق من احتمال ارتكاب الدعم السريع إبادة جماعية، ثم يدعون قياداته إلى مناقشة مستقبل السودان".

توقيت حساس

أثار توقيت الاجتماع مزيدا من الجدل؛ إذ عُقد بعد يومين فقط من تعيين إد ميليباند وزيرا جديدا للخارجية البريطانية.

ولم يتطرق ميليباند الذي يشغل شقيقه ديفيد ميليباند منصب الرئيس التنفيذي للجنة الإنقاذ الدولية، إلى السودان أو الحرب الدائرة فيه خلال أول تصريحاته عقب توليه المنصب.

ومع ذلك، أعرب دبلوماسيون سودانيون عن أملهم في أن يتبنى الوزير الجديد موقفا أكثر صرامة تجاه الإمارات بشأن دورها في الحرب السودانية التي توصف بأنها أكبر أزمة إنسانية في العالم، بعدما أسفرت عن مقتل مئات الآلاف وتشريد أكثر من 14 مليون شخص منذ اندلاعها.

وتخوض مليشيا الدعم السريع، التي تتهمها الحكومة السودانية بتلقي دعم إماراتي، حربا ضد القوات المسلحة السودانية منذ أبريل/نيسان 2023، في صراع تتهم فيه الأمم المتحدة والولايات المتحدة تلك القوات بارتكاب جرائم إبادة جماعية في إقليم دارفور.

ورغم استمرار الإمارات في نفي تقديم أي دعم لمليشيا الدعم السريع، فإن تقارير دولية متعددة أشارت إلى وجود أدلة على هذا الدعم، في وقت كانت فيه الحكومة البريطانية قد دانت أخيرا الانتهاكات التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع بحق المدنيين.

وجاء في بيان مشترك أصدرته بريطانيا وعدد من الدول الأوروبية في يونيو/حزيران 2026: "شهد العالم خلال العام الماضي بذهول الفظائع التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع في الفاشر، وهي جرائم تُقيَّم على أنها تحمل سمات الإبادة الجماعية".

وأشار البيان إلى تقييم أممي للهجوم الذي شنته مليشيا الدعم السريع على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في أكتوبر/تشرين الأول 2025، حيث أفاد شهود بأن مقاتلي الدعم السريع ارتكبوا عمليات اغتصاب وإعدامات وابتزاز بحق المدنيين خلال سيطرتهم على المدينة.

الموقف الفرنسي

وفي 26 يوليو/تموز 2026، دعا تقرير نشره موقع "ميديا بارت" الفرنسي الحكومة الفرنسية إلى مراجعة موقفها من الإمارات، وتعليق صادرات الأسلحة والتعاون العسكري معها، على خلفية اتهامات لأبوظبي بدعم مليشيا الدعم السريع في السودان.

واستند التقرير إلى مقال للمستشار في منظمة "هيومن رايتس ووتش" جان بابتيست غالوبان الذي قال: إن فرنسا تواصل التزام الصمت، رغم تزايد الأدلة على الدعم الخارجي الذي تتلقاه مليشيا الدعم السريع، في وقت يشهد فيه السودان واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية، مع استمرار الحرب بين الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع للعام الثالث على التوالي.

وأضاف التقرير أن مليشيا الدعم السريع تحاول تطويق مدينة الأبيض، أكبر مدن إقليم كردفان التي تؤوي مئات الآلاف من النازحين، محذرا من أن فرض حصار جديد عليها قد يقود إلى كارثة إنسانية واسعة، لا سيما بعد تعرض البنية التحتية للمدينة، بما في ذلك محطات الكهرباء ومستودعات الوقود، لهجمات بطائرات مسيرة تسببت في أزمة مياه غير مسبوقة.

وأوضح أن عددا من الهيئات التابعة للأمم المتحدة أعرب عن قلقه من تدهور الأوضاع، في حين اكتفت فرنسا، إلى جانب دول في الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، بالتعبير عن "قلق بالغ" والدعوة إلى وقف الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة، من دون تسمية أي دولة بعينها.

ورأى التقرير أن هذا الموقف يتجاهل الأدلة المتزايدة على الدور الإماراتي في دعم مليشيا الدعم السريع، مؤكدا أن هذا الملف أصبح محل نقاش متزايد داخل الأوساط الدبلوماسية الغربية.

كما تطرق التقرير إلى معلومات تفيد بوصول معدات عسكرية فرنسية إلى مليشيا الدعم السريع، موضحا أن منظمة "هيومن رايتس ووتش" وثقت استخدام نظام دفاع سلبي فرنسي الصنع من طراز "غاليكس"، تنتجه شركة "لاكروا ديفانس" بالتعاون مع شركة "نكستر"، وكان قد بيع في الأصل إلى الجيش الإماراتي لتركيبه على مركبات مدرعة تصنعها شركة "إيدج غروب" الإماراتية.

ورأى التقرير أن وصول هذه المعدات إلى مليشيا الدعم السريع يمثل انتهاكا لشروط المستخدم النهائي التي تحظر إعادة تصديرها إلى أطراف ثالثة، مشيرا إلى أن منظمة "هيومن رايتس ووتش" وثقت ثلاث حالات منفصلة لتحويل معدات عسكرية أوروبية كانت مخصصة للمليشيا الإماراتية إلى مليشيا الدعم السريع.