مأساة محمد غميرة تهز اللاذقية.. 7 موقوفين والتحقيقات تكشف ملابسات الوفاة

تعرض الشاب للضرب والتعنيف داخل المخفر
في واقعة هزت الشارع السوري وأثارت تساؤلات حادة بشأن حدود السلطة الأمنية وغياب الرقابة على مراكز التوقيف، توفي الشاب محمد حسام الدين غميرة إثر تعرّضه للتعذيب الجسدي داخل مخفر شرطة منطقة الحفة بمحافظة اللاذقية، فيما أعقب الحادثة صدور قرارات رسمية بتوقيف سبعة من عناصر وضباط المخفر للتحقيق.
وتوفي الشاب السوري محمد حسام الدين غميرة (27 عاما) في مشفى تشرين الجامعي بمدينة اللاذقية، متأثرا بإصابات ونزيف دماغي حاد تعرض لهما خلال فترة توقيفه في مخفر شرطة منطقة الحفة بريف المحافظة.
وتعود تفاصيل الحادثة إلى استدعاء محمد، وهو متطوع سابق في الدفاع المدني وابن أحد قتلى معارك الغوطة، إلى المخفر على خلفية شكوى شخصية تقدم بها أحد المواطنين، اتهمه فيها بالسرقة على خلفية نزاع مالي.
ورغم إبلاغ عائلته وزوجته رئيس المخفر وعناصره رسميا بأن محمد مصاب بمرض "الناعور" (الهيموفيليا)، وهو اضطراب وراثي يؤثر في قدرة الدم على التخثر ويجعل المصاب أكثر عرضة للنزيف، فإن هذه التحذيرات، وفق إفادات العائلة، لم تلق الاهتمام اللازم.
وبحسب شهادات أفراد من عائلته، تعرض الشاب للضرب والتعنيف داخل المخفر، ما أدى إلى إصابته بنزيف دماغي وتدهور سريع في حالته الصحية ودرجة وعيه.
وعقب صدور قرار قضائي بإخلاء سبيله، نُقل محمد مباشرة إلى المستشفى وهو في حالة حرجة للغاية؛ حيث عانى من مضاعفات خطيرة، بينها قصور كلوي ونقص في الأكسجة، كما تعرَّض لتوقف القلب ثلاث مرات، قبل أن يفارق الحياة الأحد 16 أغسطس/ آب 2026.
وعقب انتشار الخبر وتحوله إلى قضية رأي عام، أصدر وزير الداخلية السوري أنس خطاب توجيهات بفتح تحقيق فوري وعاجل في ملابسات الحادثة، وقدَّم تعازيه إلى أسرة الشاب محمد غميرة.
وأكد خطاب، في تدوينة على منصة "إكس"، أن "أي مخالفة أو تجاوز من قبل عناصر وزارة الداخلية سيتم التعامل معه بحزم ضمن القوانين والإجراءات المتبعة، وكل مخالف سينال جزاءه العادل أيا كان فور استكمال التحقيقات".
كما أعلنت قيادة الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية تشكيل لجنة تحقيق مختصة، أسفرت نتائجها الأولية عن توقيف سبعة أشخاص من عناصر وضباط مخفر الحفة على ذمة التحقيق، مع تأكيد رسمي بمحاسبة كل من يثبت تورطه في الاعتداء أو الإهمال الطبي بحق الشاب، ونشر نتائج التحقيق للرأي العام.
وقال وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح: "أؤكد لذويه ولجميع السوريين أن سوريا الجديدة دولة قانون وعدالة. ومنذ اليوم الأول للحادثة أتابع مع معالي وزير الداخلية حيثيات القضية، واليوم أوقفت عناصر المخفر المتهمين بضرب الفقيد محمد، وسيتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم".
وأضاف الصالح، في تدوينة على منصة "إكس"، أن السوريين "ضحوا طوال 14 عاما حتى يصلوا إلى سوريا التي تصون كرامتهم وتحفظ إنسانيتهم، ولن يكون في سوريا الجديدة أي إفلات من العقاب".
من جانبه، أكد عصام غميرة، مدير الهيئة العامة لمشفى الحفة وعم الفقيد، في تصريح لوكالة الأنباء السورية "سانا"، ثقة الأسرة بالقضاء وانتظارها "نتائج التحقيق وإنصاف الفقيد وأسرته وفق القانون". مشددا على حرص أهالي المدينة على معالجة القضية "ضمن الأطر القانونية والحفاظ على الهدوء والاستقرار".
ووصف غميرة الواقعة بأنها "تصرف فردي همجي" أدى إلى تدهور الحالة الصحية للفقيد ونقله إلى المستشفى، موضحا أن حالته تطورت إلى نزيف دماغي تدريجي وظهور أعراض عصبية أعقبتها حالة سبات، قبل أن تتفاقم مع حدوث قصور كلوي وهبوط في ضغط الدم ونقص في الأكسجين، ما أدَّى في النهاية إلى وفاته.
وأشار إلى أن وزارتي الداخلية والصحة تابعتا الحالة الصحية للفقيد وأسهمتا في تأمين الجرعات العلاجية اللازمة لعلاج مرض الناعور، رغم ندرة هذه الأدوية، إلا أن حالته واصلت التدهور حتى وفاته.
ويُعرف مرض "الناعور" (الهيموفيليا) بأنه اضطراب وراثي نادر يؤثر في قدرة الدم على التخثر نتيجة نقص بروتينات التخثر اللازمة، ما يجعل المصابين به أكثر عرضة للنزيف لفترات أطول عند التعرض للإصابات.
وفي حالة محمد غميرة، فإن أي ضربة أو كدمة قد تبدو بسيطة بالنسبة إلى الشخص السليم يمكن أن تؤدّي إلى نزيف داخلي خطير لدى المصاب بالناعور، لا سيما في الأعضاء الحيوية أو الدماغ. وبحسب رواية عائلته، فإن التعنيف الذي تعرض له داخل المخفر أدى إلى إصابته بنزيف دماغي انتهى بوفاته.
وتعيد هذه الواقعة إلى الواجهة ملف التعامل مع الموقوفين في القضايا المدنية والمالية، ومدى الالتزام بحقوق الإنسان الأساسية، وتوفير الرعاية الطبية العاجلة للموقوفين الذين يعانون حالات صحية حرجة داخل مراكز الاحتجاز.
ممارسات الأسد
وأثارت الحادثة موجة غضب عارمة واستنكارا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي، فور إعلان عائلة محمد غميرة نبأ وفاته، وعبّر ناشطون عن ذهولهم من حجم القسوة واللامبالاة التي عومل بها الشاب، مؤكدين أن الاستهتار بحياة إنسان مريض يمثل انتهاكاً صارخاً لكل القيم الإنسانية والقوانين التشريعية.
وأشاروا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #محمد_غميرة، #اللاذقية، #الداخلية_السورية، وغيرها، إلى أن ما جرى يعيد إلى الأذهان ممارسات التعذيب واللامبالاة التي اشتهر بها النظام السابق، وأن الاستهتار بحياة مريض بالناعور داخل قسم شرطة الحفة يمثل انتهاكاً صارخاً للكرامة الإنسانية وللقيم التي قامت من أجلها الثورة.
حقوق مسلوبة
وأثارت منظمات حقوقية وناشطون نقاشا حول غياب الرعاية الطبية في مراكز التوقيف، مؤكدين أن تجاهل التقرير الطبي لمحمد غميرة الذي يثبت إصابته بمرض الناعور (عدم تخثر الدم) يُعد قتلاً عمداً مع سبق الإصرار، خاصة بعد تعرضه لصفعة أدت إلى نزيف دماغي قاتل أثناء وجوده في مخفر الحفة.
وحذروا من أن هذه الحالة ليست فردية، بل جزءاً من ظاهرة أوسع يموت فيها أصحاب الأمراض المزمنة ببطء خلف القضبان دون رعاية أو محاسبة كافية، مستنكرين غياب الرعاية الطبية وامتهان كرامة الموقوفين، وطالبوا بإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية وتطبيق العدالة فوراً لمنع تكرار مثل هذه المآسي.
المحاسبة والقصاص
وشدد إعلاميون وحقوقيون وناشطون على أن تجاهل التقارير الطبية التي قدمتها العائلة وتدهور حالته حتى النزيف الدماغي والوفاة يُظهر خللاً خطيراً في منظومة الاحتجاز، وطالبوا بمحاسبة حقيقية شاملة لا تقتصر على عناصر فرديين بل تمتد إلى المسؤولين الإداريين لضمان عدم تكرار مثل هذه المآسي في "سوريا الجديدة".
وتداولوا على نطاق واسع صور الضحية محمد غميرة، مستذكرين إرث والده الذي قضى سابقاً في معارك الغوطة، ومستهجنين كيف يُكافأ ابن "الشهيد" بالتعذيب والموت في مخفر وطنه.
ونالت زوجته وعائلته تضامناً كبيراً بعد خروجهم الجريء للإعلام لكشف تفاصيل الجريمة ومواجهة الروايات المضللة.
ورغم إعلان وزارة الداخلية توقيف 7 عناصر، سادت حالة من التشكيك والتحفظ بين الناشطين تجاه الوعود الرسمية بالمحاسبة، وطالبوا بألا تقتصر العقوبات على "النقل التأديبي" أو التستر على الضباط المسؤولين، بل دعوا إلى محاكمة علنية شفافة تُنشر تفاصيلها للجمهور ليكونوا عبرة لغيرهم.
ثقة الحكومة
في المقابل، رحّب ناشطون بتحركات وزارة الداخلية بعد وفاة الشاب محمد غميرة إثر توقيفه في مخفر الحفة، مشيرين إلى أن تشكيل لجنة تحقيق رفيعة المستوى وتوقيف عناصر على ذمة القضية يمثلان خطوة إيجابية نحو المحاسبة، وأنهم يثقون بأن العدالة ستأخذ مجراها دون تغطية أو تجاوزات.
وعدوا الخطوات المعلنة دليلاً على التزام الدولة الجديدة بكشف الحقيقة وحماية كرامة المواطن، مذكرين الحكومة بأن الثقة تُبنى بالنتائج الشفافة والعلنية، لا بالتصريحات فقط، ودعوا إلى محاسبة كل من تثبت مسؤوليته فردياً دون تعميم على المؤسسة ككل.
وأشادوا بالجهود الأمنية السابقة ضد الفلول، عادّين الحادثة فرصة للإصلاح وتعزيز الرقابة داخل مراكز التوقيف.


















