نتنياهو في أبوظبي.. التطبيع الإماراتي الإسرائيلي يتحدى عاصفة فلسطين

شدوى الصلاح | منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

بينما كانت باحات المسجد الأقصى تشهد اقتحامات واسعة من مستوطنين يؤدون طقوسًا تلمودية، والضفة الغربية تعيش إغلاقًا عسكريًا شاملًا، وقطاع غزة يتعرض لقصف متواصل، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحط رحاله في أبوظبي للقاء الرئيس الإماراتي محمد بن زايد آل نهيان.

وزار نتنياهو أبوظبي والتقى ابن زايد في 27 سبتمبر/ أيلول 2026، بحسب ما أفاد به مسؤول إسرائيلي كبير لوكالة رويترز، في لقاء لم يصدر بشأنه تعليق فوري من مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي أو وزارة الخارجية الإماراتية.

وتأتي الزيارة بعد أيام من تقرير نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، أفاد بأن الشيخ محمد بن زايد حذر نتنياهو قبل نحو أسبوع ونصف من هجوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، من أن حركة المقاومة الإسلامية «حماس» تخطط لتنفيذ عملية كبيرة ضد إسرائيل.

وبحسب التقرير، لم يُنقل التحذير إلى أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية أو الجيش.

ونفى نتنياهو ما ورد في التقرير، مهددًا باتخاذ إجراءات قانونية ضد الصحيفة، في وقت يواجه فيه حملة انتخابية صعبة مع اقتراب الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية.

واتهم قادة في المعارضة نتنياهو بتحمل المسؤولية عن الإخفاقات الأمنية التي سبقت هجوم «حماس» في 7 أكتوبر/ تشرين الأول.

وامتنعت الإمارات عن التعليق على تقرير «هآرتس»، لكنها قالت: إن الإمارات وإسرائيل حافظتا على «خطوط اتصال مفتوحة ومباشرة» منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما عام 2020.

وقال مصدر إماراتي سابقًا لرويترز: إن الإمارات تناقش المسائل الأمنية مع الدول عبر «الجهات المعنية»، وليس «على مستوى القادة الوطنيين».

وفي وقت سابق من العام الجاري، نفت الإمارات أن يكون ابن زايد التقى نتنياهو، بعد أن أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي في مايو/ أيار 2026 أن نتنياهو «زار سرًا» الدولة الخليجية والتقى رئيسها.

وقال مصدر مطلع على اللقاء آنذاك: إن نتنياهو وابن زايد التقيا في مدينة العين، وهي مدينة واحة في أبوظبي تقع على الحدود الإماراتية مع سلطنة عمان، في 26 مارس/ آذار.

ومنذ تعرض الإمارات لهجوم خلال الحرب مع إيران، عززت أبوظبي علاقاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، التي أقامت معها علاقات دبلوماسية بموجب اتفاقات إبراهام عام 2020.

وتمنح العلاقة مع إسرائيل الإمارات ورقة نفوذ إقليمي وقناة اتصال خاصة مع واشنطن، فيما حافظ الطرفان على مستوى من التعاون رغم تداعيات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

تطبيع وتعاون

وقعت الإمارات وإسرائيل اتفاق إبراهام في سبتمبر/ أيلول 2020 برعاية أميركية، لتصبح الإمارات أول دولة خليجية تطبع علاقاتها رسميًا مع إسرائيل.

وبدأ الاتفاق بالتركيز على التعاون الاقتصادي والتجاري والسياحي والتكنولوجي، ثم توسع تدريجيًا ليشمل مجالات الأمن والاستخبارات والطاقة.

وبعد هجوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 والحرب الإسرائيلية على غزة، حافظت العلاقات بين الجانبين على مستواها الرسمي، رغم الانتقادات الشعبية العربية، مع استمرار الرحلات الجوية والتجارة.

وخلال الحرب مع إيران في 2026، تعزز التعاون الأمني بصورة ملحوظة؛ إذ نشرت إسرائيل بطارية من منظومة «القبة الحديدية» مع طواقمها في الإمارات، في خطوة وُصفت بأنها الأولى من نوعها خارج الأراضي الإسرائيلية، وهو ما عده مراقبون مؤشرًا على انتقال التعاون بين الجانبين إلى مستوى أمني أكثر وضوحًا.

كما استمرت الزيارات السرية رفيعة المستوى، بما فيها زيارات سابقة لنتنياهو، رغم نفي إماراتي في بعض الأحيان.

وفي سبتمبر/ أيلول 2026، عقدت دول اتفاقات إبراهام، وهي الإمارات والبحرين والمغرب وإسرائيل والولايات المتحدة، أول اجتماع رسمي مشترك لها منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، في مؤشر على مساعٍ لإعادة تنشيط هذا الإطار.

وتبدو العلاقات حاليًا في إطار يمكن وصفه بـ«التعاون الهادئ»، فهي قوية أمنيًا واقتصاديًا، لكنها أكثر حذرًا سياسيًا وإعلاميًا بسبب الموقف الشعبي العربي والتداعيات المستمرة للحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين.

ولم تنسحب أي دولة من اتفاقات إبراهام، لكن مسار التطبيع لم يتوسع بصورة كبيرة ليشمل السعودية أو دولًا خليجية أخرى، في ظل استمرار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

تصعيد إسرائيلي

وجاء لقاء نتنياهو وابن زايد في أعقاب تصعيد إسرائيلي في غزة والضفة الغربية والقدس، تزامن مع اقتحامات متكررة للمسجد الأقصى وتشديد القيود على حركة الفلسطينيين.

وفي صباح الإثنين 28 سبتمبر/ أيلول 2026، اقتحم وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير باحات المسجد الأقصى، وأدلى بتصريحات من الموقع بمناسبة ما يسمى «عيد العرش» اليهودي «سوكوت».

وقال بن غفير: إن هناك الكثير مما يمكن الفرح به منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، مشيرًا إلى أن «إسرائيل هي سيدة جبل الهيكل» و«سيدة السجون».

كما أشارت مصادر فلسطينية وإعلامية إلى نشاطات لبن غفير في محيط حائط البراق خلال أيام العيد الحالية.

وتعد الزيارات المتكررة لبن غفير إلى المسجد الأقصى من الجانب الفلسطيني والعربي انتهاكًا للوضع القائم التاريخي في المسجد.

وفي اليوم السابق، اقتحم مئات المستوطنين باحات المسجد الأقصى في القدس المحتلة، عبر باب المغاربة، تحت حماية أمنية مشددة وفرتها شرطة الاحتلال.

وتأتي هذه الاقتحامات في وقت فرضت فيه سلطات الاحتلال طوقًا أمنيًا وإغلاقًا واسعًا على محافظات الضفة الغربية، بذريعة تأمين الاحتفالات بالأعياد اليهودية.

وذكرت مصادر رسمية في القدس أن نحو 1500 مستوطن، تقدمهم عضو الكنيست عميت هليفي، نفذوا جولات داخل المسجد على شكل مجموعات متلاحقة.

وأدى المقتحمون طقوسًا تلمودية في باحات المسجد، وسط تحويل البلدة القديمة ومحيط المسجد الأقصى إلى ما يشبه الثكنة العسكرية، بفعل القيود المشددة التي فرضتها قوات الاحتلال على حركة الفلسطينيين.

وأفادت محافظة القدس بأن نحو 1500 مستوطن، يتقدمهم عضو الكنيست عميت هليفي، اقتحموا المسجد على شكل مجموعات متتالية.

ويتزامن هذا التصعيد الميداني مع دعوات متزايدة من مسؤولين في الحكومة الإسرائيلية لتصعيد العمليات العسكرية في الضفة الغربية، إلى جانب تصريحات تدعو إلى إضعاف السلطة الفلسطينية أو تفكيكها.

وأدى إغلاق الضفة الغربية الذي تزامن مع ما يسمى «عيد العرش»، إلى شلل واسع في حركة المواطنين والبضائع بين المدن والبلدات الفلسطينية.

وفي غزة، جاء استقبال ابن زايد لنتنياهو في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ في أكتوبر/ تشرين الأول 2025.

وتتمثل أبرز مظاهر التصعيد في غارات بطائرات مسيرة، وقصف مدفعي، وإطلاق نار من الآليات والزوارق الحربية، مع سقوط ضحايا بصورة متكررة، وفق مصادر فلسطينية.

وشنت القوات الإسرائيلية غارات بطائرات مسيرة استهدفت مركبات وتجمعات مدنية، خصوصًا في المناطق الغربية من مدينة غزة، ومنها محيط تقاطع الصناعة والسيناء، ومخيم الشاطئ، وحي الشيخ رضوان، ومناطق شمال غربي المدينة.

كما سُجل إطلاق نار كثيف من الآليات والطائرات المروحية شرقًا وشمالًا وغربًا.

واستشهد فلسطيني واحد على الأقل برصاص القوات الإسرائيلية في منطقة التوام شمال مدينة غزة، وأصيب آخرون.

وشنت القوات الإسرائيلية كذلك قصفًا مدفعيًا وإطلاق نار من آلياتها العسكرية شرقي وجنوبي المدينة، واستهدفت خيامًا للنازحين في منطقة المواصي.

وسُجل استشهاد فلسطيني متأثرًا بإصابته برصاص القوات الإسرائيلية في وسط خان يونس، إضافة إلى وقوع إصابات أخرى.

كما أطلقت الآليات الإسرائيلية النار غربي بيت لاهيا شمالي القطاع، فيما تعرضت مناطق في رفح والمواصي جنوبي القطاع للقصف.

وأسفر التصعيد الإسرائيلي خلال الساعات الـ24 الماضية عن استشهاد 4 فلسطينيين على الأقل وإصابة 12 آخرين في سلسلة هجمات متفرقة، وفق مصادر طبية فلسطينية، بينها مستشفى ناصر وفرق الإسعاف والطوارئ.

وشملت الإصابات حالات حرجة، جراء قصف بطائرات مسيرة قرب خيام للنازحين وتجمعات مدنية.

وبررت التصريحات الإسرائيلية هذه العمليات بأنها تهدف إلى «إزالة تهديدات» أو تأتي ردًا على إطلاق نار مزعوم، بينما تؤكد مصادر فلسطينية استمرار الانتهاكات اليومية لاتفاق وقف إطلاق النار، مع ارتفاع إجمالي عدد الشهداء منذ بدء الاتفاق إلى أكثر من 1400 فلسطيني.

ويشار إلى أن زيارة نتنياهو للإمارات جاءت قبل نحو شهر من الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية، وبعد يومين من عودته من اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

خيانة وتواطؤ

وأثارت الأنباء المتداولة عن زيارة نتنياهو إلى الإمارات ولقائه ابن زايد انتقادات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، ولا سيما في ظل تزامنها مع استمرار التصعيد الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية.

وعبر ناشطون عن غضبهم من الزيارة، ويرون أنها تتزامن مع استمرار الاقتحامات الإسرائيلية للمسجد الأقصى، والعمليات العسكرية في غزة، والإغلاق المشدد في الضفة الغربية.

ووصف بعض الناشطين عبر تدوينات ومنشورات على منصتي «إكس» و«فيسبوك» استقبال ابن زايد لنتنياهو بأنه «خيانة» و«تواطؤ»، مستخدمين عبارات ووسومًا تنتقد استمرار العلاقات الإماراتية الإسرائيلية، من بينها «#نتنياهو» و«#بن_زايد» و«#الإمارات» و«#نداء_الأقصى» و«#الأقصى_يستغيث».

كما وصف بعض المشاركين الزيارة بأنها «انبطاح» و«عمالة»، ويرون أنها تمثل، من وجهة نظرهم، موقفًا سلبيًا تجاه ما يتعرض له الفلسطينيون من اقتحامات وتصعيد عسكري.

وتأتي هذه الانتقادات في وقت تحافظ فيه الإمارات وإسرائيل على علاقاتهما الرسمية منذ توقيع اتفاق إبراهام عام 2020، رغم استمرار الحرب في غزة وتصاعد التوترات في الضفة الغربية والقدس.

مطلوب دوليا

وركز ناشطون على أن نتنياهو مطلوب دولياً بموجب مذكرة اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية، وأن استقباله سراً يخالف القانون الدولي ويعكس انسلاخاً عن المحيط العربي والإسلامي، متسائلين عن الأجواء العربية التي مرت خلالها طائرته أثناء اتجاهها إلى الأراض الإماراتية.

واستخدموا عبارات مثل "خيانة جديدة" و"شيطان العرب" و"مجرم الحرب"، مطالبين بمحاسبة هذا التواطؤ ومستنكرين الصمت الرسمي، مع التأكيد على أن مثل هذه اللقاءات تعمق الشعور بالخيانة في ظل معاناة الفلسطينيين المستمرة.

أهداف إقليمية

وربط ناشطون زيارة نتنياهو إلى الإمارات بسياقات أوسع، منها ملف إيران (تنسيق دفاعي أو استعداد لجولة عسكرية، وتعزيز الدفاعات الجوية، والجسور الجوية)، وبالانتخابات الإسرائيلية القريبة (قبل نحو شهر، كمحاولة لكسب دعم أو طمس ملفات داخلية مثل تحذير 7 أكتوبر).

كما ربطوا زيارة نتنياهو للإمارات ولقاءه بن زايد بالتطورات في ليبيا عبر تزامن هبوط طائرة مرتبطة بحفتر/صدام حفتر في المطار نفسه تقريباً، وبمناقشة تطورات إقليمية تشمل اليمن والسودان وإثيوبيا.

ركز ناشطون على الجانب الإيراني والانتخابي: قالوا إن اللقاء استمر ساعات ودار محوره حول إيران (تهديدات، دفاعات جوية، استعداد لحرب أو ضغط)، وأن نتنياهو استخدم الطائرة نفسها التي استخدمها سابقاً خلال مواجهة مع إيران، وأن الزيارة تأتي قبل الانتخابات الإسرائيلية لمحاولة تحسين موقعه أو طلب نفي تقارير التحذير الإماراتي قبل 7 أكتوبر.

وربطت منشورات أخرى الزيارة محاولات توريط الإمارات في مواجهة أوسع مع إيران أو تنسيق دفاعي.

استفزاز متعمد

وندد ناشطون باقتحام وزير الأمن القومي الإسرائيلي بن غفير منطقة المسجد الأقصى حائط البراق/الساحات المجاورة) بالتزامن مع اقتحام مئات المستوطنين للباحات وأداء طقوس تلمودية، وعدوها استفزازاً وتدنيساً للمقدسات وانتهاكاً للوضع القائم.

واستنكروا تصريحاته التي أكد فيها "السيادة" على المكان وهزيمة حماس، ورأوا فيها رسالة تحدٍ للشعوب العربية والإسلامية.

وربطوا الحدث بما يجري في الضفة الغربية من تصعيد واقتحامات واعتداءات، عادين الأمر جزءاً من سياسة تصعيدية شاملة تستهدف المقدسات والأراضي الفلسطينية، ومطالبين بردود فعل أقوى من الحكومات والشعوب.