اختناقات البحر تهدد التجارة.. لماذا أصبحت الطرق الأطول خيارا استراتيجيا؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

يواجه النقل البحري العالمي واحدة من أكثر مراحله اضطرابا، جراء تراكم الأزمات الجيوسياسية والمناخية التي تضرب الممرات البحرية الرئيسة؛ حيث ارتفعت تكاليف الشحن بنحو 140 بالمئة منذ شباط/ فبراير 2026، في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن مستقبل سلاسل الإمداد العالمية.

وقالت صحيفة "إلباييس" الإسبانية: إن إغلاق مضيق هرمز يمثل الضربة الأشد في الوقت الراهن، نظرا إلى الأهمية الإستراتيجية لهذا الممر الذي تمر عبره أكثر من 10 بالمئة من التجارة العالمية ونحو 20 بالمئة من إمدادات النفط. 

ومع استمرار الحرب وإغلاق المضيق منذ ستة أشهر، أصبح من الصعب تحديد موعد عودة حركة الملاحة إلى طبيعتها أو معرفة الشروط التي سترافق استئنافها.

وأضافت أن أزمة هرمز تأتي في وقت لم تتعافَ فيه الملاحة عبر البحر الأحمر بشكل كامل من تداعيات الهجمات والتهديدات التي يوجهها الحوثيون في اليمن إلى السفن.

وقد أدى ذلك إلى اضطراب حركة العبور عبر قناة السويس، ودفع شركات الشحن إلى إعادة توجيه جزء من سفنها عبر مسارات أطول، بما يرفع استهلاك الوقود ويزيد زمن الرحلات والتكاليف.

الظروف المناخية

ولفتت "إلباييس" إلى أن أهمية هذه التطورات تتجاوز قطاع النقل البحري نفسه، لأن نحو 90 بالمئة من تجارة السلع العالمية يتم نقلها عبر البحر، وبالتالي فإن أي اضطراب في الممرات الرئيسة سرعان ما ينتقل أثره إلى أسعار الطاقة والمواد الخام والسلع، فضلا عن الشركات التي تعتمد على انتظام وصول الإمدادات.

وأشارت إلى أن الملاحة في أميركا الوسطى تواجه تحديا مختلفا مصدره المناخ، إذ اضطرت قناة بنما إلى تقييد حركة السفن بسبب الجفاف، نظرا إلى اعتمادها على أحواض مائية ترفع السفن وتخفضها بين مستويات مختلفة، وهي عملية تتطلب كميات كبيرة من المياه العذبة.

وقالت الصحيفة إن عدد السفن المسموح لها بالعبور يوميا سيتراجع، في المرحلة الأولى، من 36 إلى 32 سفينة، إلى جانب خفض الغاطس المسموح به للسفن، ويعني ذلك أن بعض السفن لن تتمكن من استغلال كامل طاقتها الاستيعابية عند المرور بالقناة.

وأوضحت أنه “في الواقع، ليست المرة الأولى التي تضرب فيها الظروف المناخية حركة الملاحة في قناة بنما". 

ففي سنة 2023، شهدت القناة ظاهرة مناخية تتمثل في ارتفاع غير معتاد لحرارة مياه المحيط الهادئ، ويمكن أن تؤدي إلى تغير أنماط الأمطار والطقس في مناطق واسعة من العالم.

وقد تسببت في جفاف شديد بالبلاد؛ ونتيجة لذلك، تراجعت حركة العبور إلى 22 سفينة يوميا في نوفمبر/ تشرين الثاني. 

ويكشف تكرار هذه الظاهرة عن مدى ارتباط البنية التحتية للنقل البحري بالتغيرات المناخية التي أصبحت أكثر تأثيرا في حركة التجارة العالمية.

وترى الصحيفة أن تراكم هذه الاختناقات يفسر جانبا كبيرا من الارتفاع الحاد في أسعار الشحن، فقد قفزت تكاليف نقل الحاويات بنحو 140 بالمئة منذ فبراير/شباط، بينما أصبح شحن حاوية بطول 40 قدما يكلف نحو 4.500 دولار، مقارنة بما يزيد قليلا عن ألفي دولار قبل اندلاع الحرب مع إيران.

وفي قطاع الطاقة، تبدو القفزة أكثر حدة، فقد تجاوزت أسعار استئجار ناقلات النفط خلال العام الجاري 148 ألف دولار يوميا، بزيادة تبلغ 150 بالمئة مقارنة بمتوسط سنة 2025، وفق بيانات شركة "كلاركسونز" التي نقلتها "بلومبرغ".

وأضافت أن "كلاركسونز" تتوقع أن تحافظ أسعار استئجار ناقلات النفط العملاقة، المعروفة باسم “في أل سي سي”، على مستوى يقارب 100 ألف دولار خلال العام 2026 والعام 2027. 

وتستطيع هذه الناقلات حمل نحو مليوني برميل من النفط الخام، ما يجعل ارتفاع كلفة تشغيلها مؤشرا مهما على الضغوط التي يواجهها سوق الطاقة.

رقم قياسي

وتظهر شدة الأزمة أيضا في المنافسة على أولوية العبور، فقد سجلت إحدى الحالات رقما قياسيا عندما دفع ناقل نفط عملاق وفارغ نحو 4.6 ملايين دولار لتجاوز طابور السفن المنتظرة لعبور قناة بنما. 

وتكشف هذه الواقعة، وفقا للصحيفة، عن القيمة المتزايدة للوقت عندما تصبح الممرات البحرية الرئيسة مزدحمة أو مقيدة.

وذكّرت "إلباييس" أن قطاع النقل البحري عاش أزمة كبرى قبل سنوات قليلة، خلال مرحلة إعادة فتح الاقتصادات بعد جائحة كورونا. 

ففي ذلك الوقت أدى الاختلال بين العرض والطلب العالميين إلى ازدحام واسع في الموانئ ونقص في السفن وارتفاع كبير في أسعار الشحن استمر أشهرا، لكن المستويات الحالية، وإن كانت لا تصل إلى ذروة أزمة ما بعد الجائحة، ترتفع بسرعة. 

وأشارت الصحيفة إلى أن سلاسل الإمداد العالمية لا تزال تحت ضغط، مستشهدة بتحليل صادر عن المصرف السويسري "يو بي أس"، الذي يرى أن كل انقطاع أو فقدان في حركة النقل البحري يترك أثرا يحتاج إلى وقت حتى يزول.

وأضافت أن الطرق البحرية المغلقة أو المقيدة، إلى جانب الموانئ المزدحمة، تعني رحلات أطول ووقتا إضافيا وتكاليف تشغيلية أكبر. 

ولا ينتهي الأمر بمجرد فتح الطريق، لأن إعادة تنظيم حركة السفن والموانئ وسلاسل الإمداد تحتاج بدورها إلى وقت حتى تستعيد انتظامها.

وتشير التداعيات المناخية إلى أن المشكلة لا تقتصر على القنوات البحرية، فقد لفتت الصحيفة إلى أن ارتفاع درجات الحرارة وتغير الظروف المناخية بدأ يؤثر أيضا في النقل النهري الأوروبي، حيث وصلت حركة الملاحة في نهر الراين، الذي يمثل شريانا مهما للصناعة الألمانية، إلى مستويات منخفضة.

أما مضيق هرمز، فيظل بؤرة الأزمة الأكثر خطورة، فبعد ستة أشهر من الإغلاق، ومع استمرار النزاع العسكري، لا توجد مؤشرات تسمح بتحديد موعد واضح لعودة حركة السفن إلى طبيعتها.

وقالت الصحيفة إن إيران أظهرت قدرتها على فرض نفوذها في المنطقة، وهو ما لا يستبعد، في المستقبل، احتمال فرض رسوم أو شروط جديدة على المرور. 

وفي الجهة الأخرى من شبه الجزيرة العربية، لا تزال تداعيات اضطرابات البحر الأحمر حاضرة، وهو ما أدى إلى إرباك أحد أهم طرق التجارة بين آسيا وأوروبا.

رسم المسافات

وأشارت "إلباييس" إلى أن حركة الملاحة في قناة السويس لم تعد إلى مستوياتها السابقة، إذ تظهر بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “الأونكتاد” أن القناة تعمل بنحو 70 بالمئة دون متوسط مستويات عبور حمولة السفن المسجلة في سنة 2023.

ولم تؤثر المخاطر الأمنية في حجم حركة السفن فقط، بل أعادت أيضا رسم المسافات التي تقطعها. 

فوفق بيانات "الأونكتاد"، ارتفع متوسط مسافة الرحلات البحرية من 4.831 ميلا عام 2018 إلى 5.245 ميلا عام 2024، وهذا يعني أن الأمن أصبح عاملا يوازي تقريبا عامل الكلفة والزمن في تحديد المسارات التجارية.

وفي هذا السياق، تفتح إعادة رسم الخريطة البحرية الباب أمام صراع إستراتيجي أوسع.

وأشارت "إلباييس" إلى أن الولايات المتحدة وروسيا وإيران والصين تنظر إلى الممرات البحرية بوصفها جزءا من نفوذها الجيوسياسي والاقتصادي، في وقت تبرز فيه طرق جديدة لم تكن تحظى سابقا بأهمية تجارية مماثلة.

وأضافت أن الصين بدأت تشغيل خط تجاري منتظم جديد بين آسيا وأوروبا عبر القطب الشمالي، باستخدام ما يعرف بطريق البحر الشمالي الخاضع للسيطرة الروسية، ويربط الخط الجديد ميناء نينغبو الصيني بكل من فيليكستو في بريطانيا وروتردام في هولندا.

وتستغرق الرحلة عبر هذا المسار نحو 20 يوما، أي ما يقارب نصف المدة اللازمة للمسار التقليدي عبر قناة السويس. 

وترى الصحيفة أن ظهور هذا الطريق يعكس كيف يمكن للأزمات المتلاحقة أن تدفع التجارة الدولية إلى البحث عن بدائل، حتى في مناطق كانت إلى وقت قريب خارج الحسابات الرئيسة لشركات النقل البحري.

عموما، بين النزاعات المسلحة التي تهدد الممرات الإستراتيجية، والظروف المناخية التي تقيد قدرة البنية التحتية على استيعاب حركة السفن؛ ترتفع تكاليف الشحن وتطول الرحلات وتزداد هشاشة سلاسل الإمداد.

وأشارت الصحيفة إلى أن الأزمة الحالية “لا تتعلق بمجرد ارتفاع مؤقت في أسعار النقل، بل بتحول تدريجي في خريطة التجارة البحرية العالمية”.

وأوضحت أن الممرات التي كانت تختصر المسافات أصبحت أكثر خطورة أو أقل قدرة على استيعاب السفن، بينما تتجه شركات الملاحة إلى طرق أطول وأكثر كلفة، وتبدأ قوى كبرى في استكشاف مسارات جديدة.

وتابعت: “في ظل استمرار النزاعات الجيوسياسية وتزايد آثار التغير المناخي، يبدو أن النقل البحري العالمي مقبل على مرحلة من إعادة تشكيل طرق التجارة، بما قد يجعل ارتفاع التكاليف وطول الرحلات والاضطرابات في سلاسل الإمداد جزءا مستمرا من المشهد الاقتصادي الدولي”.