أبوظبي واليمين المتطرف في أوروبا.. تحالف يصنع "المسلم الخطِر"

داود علي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

ظهر الناشط الإماراتي عمر البلوشي، في مقطع باللغة الإنجليزية نشره في 25 أغسطس/ آب 2026، محرضًا على قطاع واسع من مسلمي أوروبا وبريطانيا، زاعمًا أنهم يتعرضون لما وصفه بـ"التطرف الصامت" الذي تقوده شبكة تمتد من المساجد إلى الجامعات.

ولم يحتج الباحث البريطاني أندرياس كريغ إلى تفنيد مطول؛ إذ رد ساخرًا بأن "أداء مؤثري التضليل الإماراتيين بات أقرب إلى عروض مونتي بايثون، وأن روبوتات الذكاء الاصطناعي تستطيع قراءة النصوص بصورة أفضل".

وبين خطاب البلوشي ورد كريغ، برز سؤال يتجاوز سجالًا بين ناشط وباحث: هل ما يطرح عن مسلمي أوروبا وبريطانيا مجرد مواقف فردية، أم أنه يعكس حملة إماراتية أوسع تعيد تقديم المسلمين بوصفهم تهديدًا داخليًا، وتربط بين المؤثرين وشركات الاستخبارات ومراكز الأبحاث وأطراف في اليمين الأوروبي؟ وكيف انتقلت المواجهة الإماراتية من استهداف الإسلام السياسي في المنطقة إلى ملاحقة صورته وامتداداته داخل المجتمعات المسلمة في الغرب؟

اختراق من الداخل

وقدم البلوشي في المقطع صورة واسعة لجاليات مسلمة في أوروبا وبريطانيا، بوصفها بيئة قال: إنها تتعرض لما وصفه بـ"الاختراق من الداخل"، مدعيا أن المسألة لا تتعلق بتنظيم بعينه، وإنما بشبكة تمتد، بحسب قوله، من المساجد والجمعيات الخيرية إلى الجامعات والمدارس والمراكز المجتمعية.

وربط البلوشي هذه الشبكة بأفكار قال: إنها تنتقص من النساء الغربيات وترفض الديمقراطية الليبرالية، مدعيا أن أصحابها يستفيدون في الوقت ذاته من آليات النظام الديمقراطي للوصول إلى المجالس المحلية ورئاسة البلديات والبرلمانات. كما زعم أن بعض المسلمين يدفعون عمدا نحو العزلة من خلال خطاب يصور المجتمعات الغربية بصفتها فاسدة وينبغي مقاومتها من داخلها.

وأيدت الصحفية الإماراتية منى الحمودي بعض ما ذهب إليه البلوشي، مقدرة أن التطرف يبدأ بأفكار تكرس الانقسام ورفض المجتمع قبل أن يتحول إلى عنف. في المقابل، وضع الباحث البريطاني أندرياس كريغ هذا الخطاب ضمن ما وصفه بشبكة من المؤثرين الإماراتيين الذين يروجون لرواية أبوظبي بشأن مسلمي الغرب.

ولا تبدو هذه المواجهة الرقمية، وفق تقارير وتحقيقات تناولت النشاط الإماراتي في أوروبا، منفصلة عن مسار أوسع يعود إلى سنوات؛ إذ اتهمت تلك التقارير جهات مرتبطة بأبوظبي باستهداف شخصيات ومؤسسات إسلامية في عدد من الدول الأوروبية، في إطار حملة ركزت على جماعة الإخوان المسلمين وما تصفه الإمارات بـ"الإسلام المتطرف".

فقد كشفت تحقيقات "أسرار أبوظبي"، التي استندت إلى نحو 78 ألف وثيقة مسربة، أن شركة الاستخبارات السويسرية الخاصة "ألب سيرفيسز" نفذت لصالح جهات مرتبطة بالإمارات عمليات استهدفت أشخاصا ومؤسسات إسلامية في 18 دولة أوروبية، ووضعت أكثر من ألف شخص و400 منظمة ضمن خرائط اشتباه ربطتهم بجماعة الإخوان المسلمين أو بما وصفته التحقيقات بـ"شبكة إسلامية متطرفة".

وبحسب التحقيقات، لم تقتصر تلك العمليات على جمع المعلومات، وإنما امتدت إلى إعداد مواد إعلامية ومحاولات للتأثير في الصحافة وصناع القرار، بما قد ينعكس على السمعة والنشاط المهني للأشخاص والمؤسسات المستهدفة.

وفي يناير/كانون الثاني 2026، أضافت مجلة "إنتليجنس أونلاين" الفرنسية مسارا آخر إلى هذه الصورة، عندما قالت: إن وثائق اطلعت عليها أظهرت مناقشات بشأن تعاون بين منصة "فيزغراد 24" ووزارة الخارجية الإماراتية لدعم خطاب يركز على مواجهة "الإسلام الراديكالي" في الغرب، بالتزامن مع تقارب شخصيات من اليمين الأوروبي، من بينها نايجل فاراج وجوردان بارديلا، مع أبوظبي.

كما نشرت المنصة مقابلة مع أمجد طه تناول فيها وجود جماعة الإخوان المسلمين في المدن الأوروبية. وبذلك، يبدو الخطاب الذي ظهر في مقطع البلوشي، وفق هذا المسار، جزءا من مشهد أوسع تتعدد فيه الأدوات والواجهات، من المؤثرين والمنصات الرقمية إلى مراكز الأبحاث وشركات الاستخبارات، في إطار معركة تتجاوز حدود الخلاف مع الإسلام السياسي إلى إعادة تعريف صورة المسلمين في المجتمعات الغربية.

صناعة خطاب

وتبرز إحدى المنصات التي أسهمت في صناعة هذا الخطاب في موقع "عين أوروبية على التطرف". ففي 28 يوليو/تموز 2019، قال "المجهر الأوروبي لقضايا الشرق الأوسط": إن الموقع أُطلق بإدارة مباشرة من علي راشد النعيمي، المقرب من القيادة الإماراتية، وتحديدا رئيس الدولة محمد بن زايد، وبمشاركة السعودي كامل الخطي، فيما تولت الباحثة الإيطالية سارة برزوسكيويتش مهمة التحرير.

ووفق المؤسسة الأوروبية، خُصص للموقع أكثر من مليون و300 ألف يورو سنويا، ونشر محتواه باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية، تحت شعار يركز على توسيع فهم ظاهرة التطرف الإسلامي في أوروبا.

ورأى "المجهر الأوروبي لقضايا الشرق الأوسط" أن التركيز العملي للموقع، الممول إماراتيا، انصب على المهاجرين واللاجئين المسلمين ومنظمات الإسلام السياسي. كما اكتسب محتواه طابعا بحثيا من خلال فريق متعدد الجنسيات ضم متخصصين في الأمن والإرهاب والسياسة، بينهم أدريان شتيوني، وشادي عبد الوهاب منصور من مركز المستقبل في أبوظبي، وألكسندر ريتزمان، ودانيلا بيسويو، وتريانتافيلوس كاراترانتوس، إلى جانب باحثين في قضايا الهويات الإسلامية.

وفي تقرير صدر في 18 يناير/كانون الثاني 2018 بشأن "الإخوان المسلمين في النمسا"، استند الموقع إلى دراسة للباحث لورينزو فيدينو لتقديم الجماعة بصفتها شبكة مؤسساتية تدير جوانب من حياة المسلمين وتمارس نفوذا على الحكومة النمساوية، محذرا من تحول البلاد إلى وجهة مفضلة لنشطائها.

وجاء هذا الخطاب الإماراتي في بيئة سياسية شهدت صعود اليمين النمساوي المتشدد، بالتزامن مع إجراءات وتدابير نالت الأئمة والحجاب والمؤسسات الإسلامية، ما وفر سياقا سياسيا ملائما لانتشار خطاب يربط بين الإسلام السياسي والهجرة والأمن.

ويرى الناشط في الجالية الإسلامية بالنمسا أحمد أبو زياد، في حوار مع "الاستقلال"، أن التحرك الإماراتي يتجاوز استهداف جماعة بعينها إلى ملاحقة معارضين عرب ومسلمين وجدوا في أوروبا مساحة للعمل الحقوقي والسياسي، مقدرا أن خطاب مكافحة التطرف وفر، في رأيه، غطاء لتقييد أنشطتهم والضغط عليهم.

تدمير السمعة

لكن الآلية التشغيلية التي اتبعتها الإمارات لاستهداف شخصيات ومسلمين في أوروبا، بدأت، وفق تحقيقات "أسرار أبوظبي"، باجتماع عقد في 7 أغسطس/آب 2017 داخل فندق فاخر في أبوظبي، بين ماريو بريرو، رئيس شركة "ألب سيرفيسز"، وعميل إماراتي عُرف باسم "مطر".

وأفاد موقع "درج"، أحد شركاء التحقيق، بأن الاجتماع بحث وضع خريطة لخصوم الإمارات، والعمل لاحقا على تشويه سمعتهم من خلال نشر معلومات مسيئة بصورة سرية وعلى نطاق واسع. وفي أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، وُقّع أول عقد بقيمة 5.7 ملايين يورو، دفعه مركز "الأرياف" الإماراتي، الذي قالت الوثائق: إنه استُخدم غطاءً لجهات أمنية.

وحملت العمليات اسمي "أرنيكا" و"كروكوس"، واستهدفت، بحسب التحقيقات، قطر وجماعة الإخوان المسلمين وخصوم أبوظبي. وتكشف قضية رجل الأعمال والعالم الأميركي حازم يوسف ندا كيف انتقلت هذه العمليات، وفق الوثائق، من جمع المعلومات إلى إلحاق أضرار مباشرة بسمعة المستهدف ومصالحه التجارية.

فبحسب الوثائق، لم يكن مؤسس شركة "لورد إنيرجي" ضمن الأهداف الأولية، قبل أن يقترح الصحفي السويسري سيلفان بيسون اسمه، ويقدمه بريرو إلى الجانب الإماراتي في مذكرة من 48 صفحة، بصفته وريثا محتملا لشبكة والده يوسف ندا.

ودرس فريق الشركة اعتماد أعمال ندا على القروض، قبل أن ينتقل، وفق التحقيقات، إلى استهداف سمعته بهدف دفع البنوك إلى إعادة النظر في تعاملاتها معه. وتضمنت الخطة، بحسب الوثائق، دفع 625 جنيها إسترلينيا للصحفية البريطانية نينا ماي لإنتاج مواد مسيئة، إلى جانب نشر مقالات أخرى ربطت اسم الشركة بالإرهاب في نتائج محركات البحث.

وبحسب الرواية التي عرضتها التحقيقات، أدت هذه الحملة إلى انسحاب خمس مؤسسات مالية من مفاوضاتها مع ندا، فيما أغلق بنك "يو بي إس" حسابه الشخصي وحساب والدته. وانتهى الأمر، وفق المصدر نفسه، إلى انهيار الشركة وتسريح موظفيها وتراكم الديون على مالكها.

ومع انكشاف الوثائق، انتقل الملف إلى المسار القضائي. ففي 15 أبريل/نيسان 2024، كشف موقع "ميديا بارت" وشركاؤه عن تحقيقات فرنسية وسويسرية تناولت شبهات التجسس غير المشروع لصالح دولة أجنبية، وتشويه السمعة وغسل الأموال.

وشملت الشكاوى، بحسب التحقيقات، الصحفية الفرنسية رقية ديالو، والفرنسية سهام سويد، التي قالت التحقيقات: إن منزلها صُوّر ضمن عملية حملت اسم "كونستليشن"، إلى جانب الباحث فريد حافظ الذي رفع في مارس/آذار 2024 دعوى في واشنطن ضد الشركة المتحالفة مع الإمارات.

وهكذا، تكشف قضية "ألب سيرفيسز"، وفق الوثائق والتحقيقات المنشورة، عن انتقال المواجهة من الخطاب السياسي والإعلامي إلى أدوات أكثر تنظيما، تقوم على جمع المعلومات وبناء ملفات عن الخصوم ثم استخدام تلك المعلومات للتأثير في سمعتهم وعلاقاتهم المهنية والمالية.

اليمين الأوروبي

ولم تكن عمليات التأثير المنسوبة إلى الإمارات تجري في فراغ سياسي، بل احتاجت إلى بيئة أوروبية مستعدة لاستقبال خطابها بشأن الإسلام السياسي والهجرة والأمن. وفي هذا السياق، برز تقاطع مع أحزاب اليمين المتطرف، ولا سيما في فرنسا.

ففي 23 أكتوبر/تشرين الأول 2016، نقلت الصحفية الفرنسية ماريان تورشي أن ممثلا إماراتيا عرض تقديم المساعدة إلى “الجبهة الوطنية” التي كانت تقودها مارين لوبان، في يوليو/تموز 2014، وأن أبوظبي مولت رحلة لها إلى مصر في مايو/أيار 2015، في وقت كان الحزب يبحث فيه عن مصادر تمويل استعدادا للانتخابات الرئاسية لعام 2017.

وتزامنت هذه الاتصالات مع تبني لوبان خطابا يقدم الإمارات ومصر وروسيا بوصفها أطرافا يمكن التعاون معها في مواجهة الإسلاميين. وفي 21 أكتوبر/تشرين الأول 2016، قال موقع "ميديا بارت" إن الحزب سعى إلى الحصول على تمويل إماراتي، قبل أن يفيد في 4 أكتوبر/تشرين الأول 2019 بأن قرضا بقيمة ثمانية ملايين يورو، قدمه رجل الأعمال الفرنسي لوران فوشيه ومرره عبر بنك مقره الإمارات، أسهم في إنقاذ الحزب من أزمة مالية.

ولا تتوقف هذه الصورة عند الحالة الفرنسية، إذ ظهرت اتهامات مماثلة في دول أوروبية أخرى. ففي 23 مايو/أيار 2019، قال رئيس مجلس الشورى الإسلامي في سويسرا عبد الله نيكولاس: إن دولا عربية، بينها الإمارات، تقدم معلومات إلى أحزاب مناهضة للمسلمين، وتحرض حكومات أوروبية ضد شخصيات ومنظمات تصنفها قريبة من جماعة الإخوان المسلمين.

ويرى نيكولاس أن هذا النهج أسهم في ترسيخ صورة ثنائية للمسلمين في الخطاب السياسي الأوروبي، تقوم على التمييز بين "المسلم الجيد" و"المسلم الراديكالي"، بما يجعل مكافحة التطرف إطارا يمكن من خلاله استهداف تيارات وشخصيات إسلامية أوسع من الجماعات المصنفة متطرفة.

وبذلك، لا تبدو العلاقة بين أبوظبي وبعض تيارات اليمين الأوروبي مجرد تقاطع عابر في المواقف من الإسلام السياسي، بل تكشف، وفق هذه التقارير والاتهامات، عن مصالح متبادلة: خطاب إماراتي يسعى إلى نقل معركته مع الإسلاميين إلى المجال الأوروبي، وقوى يمينية تجد في هذا الخطاب مادة تعزز سرديتها بشأن الهجرة والمسلمين والأمن.

فزاعة الإسلاموفوبيا

وفي 28 يناير/كانون الثاني 2026، كشفت منصة "إيكاد" المتخصصة في تحقيقات المصادر المفتوحة عن أكثر من 330 ألف حساب قالت إنها ضمن شبكة مرتبطة بالإمارات، نفذت أكثر من 720 ألف تفاعل هاجم الإسلام والمسلمين في أوروبا.

وذكرت المنصة أن بعض الأنظمة العربية، وبينها الإمارات، تتحمل مسؤولية رئيسة عن انتشار الخطاب المعادي للإسلام، أو ما يعرف بـ"الإسلاموفوبيا"، مشيرة إلى أن ذلك يرتبط، وفق تحليلها، بتعاونها مع أحزاب متطرفة في دول أوروبية بهدف دعم أنظمتها ومصالحها السياسية.

وتتقاطع هذه النتائج مع ما أوردته مجلة "فورين بوليسي" الأميركية، التي قالت: إن الإمارات تنفق ملايين الدولارات على مؤسسات الفكر والرأي والمؤسسات الأكاديمية ومجموعات الضغط، بهدف التأثير، جزئيا، في طريقة تناول العواصم الغربية للنشطاء السياسيين المحليين المعارضين لحكوماتهم.

ونقلت المجلة عن وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد، في مقابلة مع قناة "فوكس نيوز" الأميركية، عقب المناقشة العامة التي عقدت في الرياض عام 2017، قوله: إن "سقف حديثنا منخفض للغاية عندما نتحدث عن التطرف الإسلامي".

وأضاف أن الإمارات لا يمكنها قبول "التحريض أو التمويل"، موضحا أن تعريف الإرهاب يختلف بين الدول، وأنه بالنسبة إلى بلاده "الأمر أبعد من ذلك بكثير" من مجرد حمل السلاح أو إرهاب الناس.

ويكشف هذا التعريف الواسع للتطرف، بحسب منتقدي السياسة الإماراتية، عن مساحة كبيرة يمكن أن تتحول فيها مواجهة الجماعات المسلحة إلى استهداف أوسع لتيارات وشخصيات ومؤسسات إسلامية، خصوصا عندما تتقاطع مع معارضة سياسية أو نشاط حقوقي في أوروبا.

وخلصت "فورين بوليسي" إلى التحذير من تداعيات الخطاب المعادي للإسلام، مستشهدة بالهجوم الإرهابي الذي استهدف مسجدين في مدينة كرايست تشيرش النيوزيلندية عام 2019، مقدرة أن تصاعد الخطاب المحرض على المسلمين يمكن أن تكون له عواقب تتجاوز السجال السياسي والإعلامي إلى تهديد حياة أشخاص أبرياء.

وهكذا، تنتقل المعركة من مجرد ملاحقة تنظيمات أو أفكار محددة إلى صراع أوسع على تعريف "التطرف" نفسه: أين تنتهي مكافحة العنف والإرهاب، وأين يبدأ استهداف الهوية الإسلامية والنشاط السياسي والحقوقي للمسلمين في أوروبا؟