انسحاب تركيا من بعشيقة.. هل يفتح الباب لشراكة أوسع مع العراق؟

بموجب الاتفاق، ستسلّم القوات التركية تدريجيا قاعدة بعشيقة، قرب الموصل شمالي العراق
يمثّل انسحاب تركيا من قاعدة بعشيقة التي كانت موضع خلاف بين أنقرة وبغداد، خطوة نحو تعزيز التعاون الأمني وتوسيع العلاقات الاقتصادية بين البلدين، لكن نجاح الاتفاق قد يتوقف على قدرة الدولة العراقية على استعادة سيطرتها على سنجار.
هذا ما جاء به تقرير نشره موقع "المونيتور" الأميركي؛ حيث أوضح أن تركيا تريد استثمار اتفاق سحب قواتها من قاعدة بعشيقة في العراق لتعميق التعاون الأمني مع بغداد وتمهيد الطريق لروابط اقتصادية أوسع.
وفي 23 سبتمبر/أيلول 2026، أعلنت أنقرة وبغداد اتفاق بعشيقة، عقب لقاء بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، في نيويورك على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وبموجب الاتفاق، ستسلّم القوات التركية تدريجيا قاعدة بعشيقة، قرب الموصل شمالي العراق، إلى الحكومة الاتحادية العراقية، وفق آلية وجدول زمني متفق عليهما.
ولفت التقرير إلى أن أيا من الحكومتين لم يكشف علنا ذلك الجدول ولا عدد الجنود الأتراك المعنيين، ولم تعلن تركيا كم جنديا تحتفظ به شمالي العراق، حيث تدير أكثر من 100 منشأة عسكرية، أكبرها بعشيقة.
وذكر أن التسليم مرتبط باستعادة بغداد سلطتها الكاملة في سنجار، وإخضاع المجموعات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني العاملة خارج سيطرة الدولة لسلطة الحكومة، في المنطقة ذات الغالبية الإيزيدية شمال غربي العراق قرب الحدود السورية.
وأضاف التقرير أن حزب العمال الكردستاني قاتل الدولة التركية من أجل حكم ذاتي كردي داخل تركيا، وتصنّفه أنقرة وواشنطن وغالبية العواصم الأوروبية تنظيما إرهابيا، وأنه أعلن في مايو/أيار 2025 نزع سلاحه وحلّ نفسه ضمن محادثات أطلقتها الحكومة التركية عام 2024.

بعشيقة وسنجار
وأنشأت تركيا قاعدة بعشيقة عام 2015 لتدريب قوات من الأكراد العراقيين والعرب السنّة والتركمان تقاتل تنظيم الدولة، ثم أبقت وجودها بعد هزيمته ضمن عملياتها الأوسع ضد حزب العمال الكردستاني.
ودعت بغداد مرارا الحكومة التركية إلى الانسحاب من القاعدة، وقد احتدم الخلاف بعدما عزّزت تركيا بعشيقة بجنود ودبابات إضافية دون موافقة بغداد أواخر 2015، فندّدت بالخطوة بوصفها انتهاكا لسيادتها ورفعتها إلى مجلس الأمن بعد عام.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2015، وصف البرلمان العراقي الوجود التركي في بعشيقة بأنه "احتلال" وطالب القوات بالمغادرة.
ولفت الموقع إلى أن القاعدة صارت لاحقا هدفا متكررا لهجمات صاروخية نُسبت إلى مليشيات موالية لإيران، عارضت البصمة العسكرية التركية شمالي العراق وعمليات أنقرة العابرة للحدود ضد الحزب.
ونقل الموقع عن مسؤول في الأمن القومي التركي، تحدث إليه شرط عدم الكشف عن هويته، أن اتفاق بعشيقة ارتبط جزئيا بـ "رضا" أنقرة عن تعاون بغداد في جهود نزع سلاح الحزب وكبح نشاطه في العراق.
وأوضح أن حزب العمال الكردستاني الذي احتفظ طويلا بمقار وقواعد شمالي العراق، بدأ عملية نزع سلاح وانسحاب تدريجية بعد إعلانه، في مايو/أيار 2025، حلّ نفسه وإنهاء حملته المسلحة ضد تركيا.
وأضاف أن الحزب أخلى منذ ذلك الحين عشرات المواقع شمالي العراق، بينها في مناطق متينا وغارا وزاب.
وبيّن أن تعاون الحكومة العراقية بات أكثر أهمية لأنقرة مع تقدّم العملية؛ إذ اتفقت بغداد وحكومة إقليم كردستان وأنقرة في سبتمبر/أيلول على آلية مشتركة لمنع الفراغ الأمني في المناطق التي يخليها الحزب.
ونقل عن المتحدث باسم الجيش العراقي، صباح النعمان، أنه يُتوقع أن يتحرك حرس الحدود العراقي وقوات البيشمركة إلى بعض المواقع فيما تتحقق تركيا من عمليات الانسحاب.
وقال المسؤول التركي: إن الاتفاق يهدف أيضًا إلى حرمان المليشيات المدعومة من إيران من مبرر للاحتفاظ بسلاحها، فيما تواجه بغداد ضغطا أميركيا لإخضاع الجماعات المسلحة لسلطة الحكومة الاتحادية.
ونقل الموقع عنه قوله: إنه "في وقت تسحب فيه الولايات المتحدة قواتها من العراق، لم يكن الوجود العسكري التركي مجرد مبرر تستخدمه المليشيات العراقية للاحتفاظ بسلاحها، وإنما كان يثير أيضا شكوك أطراف سياسية عراقية شرعية حول نوايا تركيا الحقيقية تجاه بلدهم".
وأورد أن الزيدي تعهّد في البداية بإتمام عملية نزع السلاح بحلول 30 سبتمبر/أيلول، بالتزامن مع انسحاب ما تبقى من قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من العراق.
ولفت إلى أن رئيس الوزراء العراقي قال لصحيفة "نيويورك تايمز" أخيرا: إن الموعد النهائي مُدّد إلى 30 يونيو/حزيران 2027، مع وقف هجمات المليشيات 90 يوما بدءا من 30 سبتمبر، يعقبه تسليم تدريجي للسلاح.

أبعد من الأمن
ونقل الموقع عن حسن الجنابي، سفير العراق السابق لدى تركيا، أن اتفاق بعشيقة قد يساعد في إزالة عقبة قديمة في العلاقات الثنائية ويمهّد لتعاون أوسع.
وأضاف الجنابي أن "الوجود العسكري التركي داخل الأراضي العراقية، أيا كانت المبررات المقدمة، غير مرحّب به سياسيا في العراق، ويبقى نقطة خلاف جوهرية بين البلدين".
وتابع أن الاتفاق قد "يفتح آفاقا جديدة لتعاون أخوي شامل بين البلدين في كل القطاعات".
وذكر التقرير أن من المجالات التي تأمل أنقرة في دفعها "طريق التنمية"، وهو ممر نقل طموح مصمّم لربط ميناء الفاو الكبير العراقي على الخليج بتركيا، ومنها إلى الأسواق الأوروبية برا وسككا حديدية.
ووقعت كل من تركيا والعراق وقطر والإمارات مذكرة رباعية بشأن المشروع عام 2024، وترى أنقرة في الممر وسيلة لتعميق التكامل الاقتصادي مع العراق والخليج، وتعزيز دورها بوابة لتجارة المنطقة نحو أوروبا.
وأشار التقرير إلى مجال آخر محتمل للتفاهم، يتمثل في إنهاء بغداد نزاعا تحكيميا طويلا نشأ عن قرار تركيا استيراد النفط الخام من حكومة إقليم كردستان، بمعزل عن الحكومة الاتحادية، بين عامي 2014 و2018.
وأشار إلى أن هيئة تحكيم في غرفة التجارة الدولية قضت للعراق بنحو 1.5 مليار دولار عام 2023 بعدما وجدت أن تركيا خرقت بنودا في اتفاق أنابيب النفط الثنائي، وأن العراق قاوم حتى الآن مطلب تركيا بإلغاء قرار التحكيم.

عقبة سنجار
لكن الموقع الأميركي بيّن أن تنفيذ اتفاق بعشيقة قد يكون أكثر تعقيدا؛ بسبب ملف سنجار، ناقلًا عن محمد آلاجا، الباحث المستقل المقيم في أنقرة، أن السؤال المحوري يتعلق بوحدات مقاومة سنجار.
وأوضح الموقع أن سنجار، على نحو 150 كيلومترا غرب بعشيقة قرب حدود العراق مع سوريا، كانت من أشد المناطق تضررا من هجوم تنظيم الدولة عام 2014، الذي قتل واختطف خلاله آلاف الإيزيديين واستعبد نساءهم وفتياتهم، في أفعال وصفتها الأمم المتحدة بالإبادة الجماعية.
وذكر أن المنطقة استُعيدت عام 2015 بمساعدة حزب العمال الكردستاني الذي ساعد في تأسيس وتدريب وحدات مقاومة سنجار بقيادة إيزيدية.
ولفت إلى أن سنجار باتت منذ ذلك الحين من مناطق شمالي العراق التي عملت فيها قوات مرتبطة بالحزب ومليشيات مدعومة من إيران على مقربة شديدة، وفق تقرير للبنتاغون عام 2022.
ونقل عن آلاجا قوله: إن "القضية الرئيسة في سنجار هي مصير مقاتلي وحدات مقاومة سنجار المحليين القريبين من حزب العمال الكردستاني". مشيرا إلى تكرار فشل اتفاقات سابقة في استعادة السلطة الاتحادية بالمنطقة.
وأوضح أن بغداد وحكومة إقليم كردستان توصلتا عام 2020 إلى ما عُرِف باتفاق سنجار الذي دعا الجماعات المسلحة إلى مغادرة المنطقة واستعادة السلطة الاتحادية، لكن التنفيذ تعثّر، وبقيت وحدات مقاومة سنجار الموالية للحزب وفصائل مسلحة أخرى متجذّرة فيها.
وختم بأن المسؤول التركي بدا متفائلا بشأن التنفيذ، ناقلا عنه قوله: إن "الجدول الزمني لم يُحسم بعد، لكن ليس متوقعا أن يمتد سنوات كثيرة".


















