لأول مرة منذ توليه رئاسة الجزائر.. ماذا وراء زيارة تبون إلى ألمانيا؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

تعمل الجزائر وألمانيا على توسيع نطاق تعاونهما في قطاع الطاقة، في خطوة لا تقتصر بالنسبة للجزائر على المصالح الاقتصادية، بل ترتبط أيضا بحسابات سياسية داخلية وخارجية، تهدف من خلالها إلى تعزيز حضورها ومكانتها على المستويين الإقليمي والدولي.

وفي هذا السياق، رأى موقع "دويتشه فيله" الألماني أن الزيارة الرسمية الأولى للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى برلين منذ توليه السلطة عام 2019 "شكلت محطة جديدة في هذا المسار". 

وخلال الزيارة التي جرت منتصف يوليو/ تموز 2026، أكد تبون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس متانة العلاقات الثنائية بين البلدين، واتفقا على تعزيز التعاون طويل الأمد في مجال الطاقة.

وذكرت الرئاسة الألمانية أن الجزائر تمثل شريكا محوريا لأمن الطاقة الأوروبي، مشيرة إلى وجود خطط لزيادة إمدادات الغاز الطبيعي، وتوسيع التعاون في مجال الطاقة المتجددة، فضلا عن العمل مستقبلا على إنشاء ممر جنوبي لنقل الهيدروجين من شمال إفريقيا إلى ألمانيا.

أكبر منتج للغاز

وبحسب التقرير، "تستند هذه الرؤية إلى امتلاك الجزائر ثاني أكبر احتياطي مؤكد من الغاز الطبيعي في إفريقيا بعد نيجيريا، فضلا عن كونها أكبر منتج للغاز في القارة".

وأردف: "وفي مطلع يوليو، سلمت شركة "سوناطراك" الحكومية أول شحنة مباشرة من الغاز الطبيعي المسال إلى محطة "فيلهلمسهافن 1" العائمة لاستيراد الغاز في ألمانيا".

وعقّب التقرير: "إن إنشاء خط أنابيب مباشر بين الجزائر وألمانيا من شأنه الاستغناء عن عمليات تسييل الغاز ونقله بحرا، بما يسهم في خفض تكاليف الإمدادات، مستفيدا من تجربة خطي الأنابيب الجزائريين اللذين يزودان كل من إيطاليا وإسبانيا بالغاز".

بدورها، قالت أليس غاور، مديرة شؤون الجغرافيا السياسية والأمن في شركة "أزور ستراتيجي" الاستشارية ومقرها لندن، إن "الحرب في إيران وتعطل صادرات النفط عبر مضيق هرمز عززا أهمية الجزائر في مجال الطاقة".

وأضافت، في تصريح لـ"دويتشه فيله"، أن الجزائر "لا تستطيع تعويض إمدادات دول الخليج، إلا أن الغاز الذي تنقله عبر خطوط الأنابيب يصل إلى جنوب أوروبا من دون المرور بمسارات الملاحة في الخليج".

"وهو ما يمنح الحكومات الأوروبية مصدرا أكثر تنوعا للإمدادات في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن أمن الطاقة"، وفقا لها.

ويشاركها هذا الرأي حافظ الغويل، مدير برنامج شمال إفريقيا ومنطقة البحر الأبيض المتوسط ومنطقة الساحل في مركز الأبحاث "ستيمسون سنتر" (Stimson Center) في واشنطن.

فقد صرح الغويل لـ"دويتشه فيله" بأنه التقى أخيرا وزير الخارجية الجزائري وعددا من أعضاء الحكومة، مؤكدا أنه "يمكن للمرء أن يلمس بوضوح تام وجود إرادة سياسية، في ظل التطورات العالمية، للاستفادة من مكانة الجزائر الفريدة كمنتج رئيس للغاز".

عزلة نسبية

من جانب آخر، يشدد الموقع على أن "أهمية الجزائر بالنسبة لأوروبا لا تقتصر على ملف الغاز؛ إذ تؤكد غاور أن الجزائر تمثل شريكا مهما في مكافحة الإرهاب، وإدارة الهجرة، وتعزيز الاستقرار في منطقة البحر المتوسط".

علاوة على ذلك، "تتعاون الجزائر منذ سنوات مع الدول الأوروبية في ملفات إعادة المهاجرين، وإدارة الحدود، ومكافحة شبكات تهريب البشر".

وأضاف التقرير أن الجزائر "تتمتع أيضا بمكانة دبلوماسية مميزة؛ إذ تحتفظ بعلاقات مع إيران والولايات المتحدة ودول الخليج، إلى جانب الصين وروسيا، كما تقع عند نقطة وصل استراتيجية بين شمال إفريقيا ومنطقة الساحل".

في هذا السياق، أشارت غاور إلى أن "الرئيس عبد المجيد تبون أعاد التركيز على التعاون الإفريقي، بما يعكس طموح الجزائر للقيام بدور جسر يربط شمال إفريقيا بمنطقة الساحل وبقية القارة".

في الوقت ذاته، تقدر غاور أن "هذا التوجه يمثل أيضا استجابة لضغوط محيطة؛ إذ تجد الجزائر نفسها في موقف منعزل نسبيا بشأن قضية الصحراء الغربية".

وتابعت موضحة: "فبينما تواصل الجزائر دعم جبهة البوليساريو الساعية إلى الاستقلال، تعد المغرب الصحراء الغربية جزءا من أراضيها".

وهو موقف أشارت إلى أنه "حظي بدعم متزايد بعد اعتراف الولايات المتحدة عام 2020 بسيادة المغرب على الإقليم، ثم انضمام إسبانيا وفرنسا وعدد من الدول الإفريقية إلى هذا الموقف".

وفي تحليل نشره معهد الدراسات الأمنية في مارس/ آذار 2026، أشار باحثون إلى أن الجزائر "تسعى إلى الحفاظ على نفوذها الإقليمي في مواجهة تصاعد المبادرات المغربية".

كما أكدوا أن الجزائر "تعد فاعلا رئيسا في منطقة الساحل، نظرا إلى حدودها الممتدة لأكثر من 2200 كيلومتر مع مالي والنيجر، ما يجعلها تواجه تحديات مشتركة تشمل الإرهاب، والجريمة العابرة للحدود، والهجرة غير النظامية".

وخلص التحليل إلى أن "إعادة فتح قنوات الحوار تخدم المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية لجميع الأطراف".

وفي هذا الإطار، يعتقد الموقع أن "الجزائر تحاول خلال الفترة الأخيرة إعادة بناء علاقاتها مع كل من مالي والنيجر، كما تواصل دعم التوصل إلى حل سياسي في ليبيا، التي لا تزال منقسمة فعليا بين سلطتين إداريتين".

غير حرة 

على الصعيد الداخلي، يرى توفيق بوقعدة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر، في حديثه للموقع أن "السياسة الخارجية غالبا ما تعكس الأوضاع الداخلية"، مقدرا أن "هذا المبدأ ينطبق أيضا على الحالة الجزائرية".

وفي السياق نفسه، يرى حافظ الغويل، من مركز "ستيمسون"، أن الجزائر "تمتلك فرصة لاستثمار حالة الاستقرار الحالية في معالجة تحدياتها الداخلية"، مشيرا إلى أن "جذب استثمارات القطاع الخاص الأجنبية يمكن أن يسهم في خلق فرص عمل والحد من معدلات البطالة، ولا سيما بين الشباب".

في هذا الصدد، ذكر الموقع أنه "حتى الآن، لم تنشر الجزائر معدلات البطالة بين الشباب لعام 2026، إلا أن أحدث تقديرات البنك الدولي تشير إلى أنها تبلغ نحو 30 بالمائة".

فضلا عن ذلك، أشار التقرير إلى أن "مطالب عديدة رفعتها الحركة الاحتجاجية منذ استقالة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة عام 2019، وفي مقدمتها توسيع الانفتاح السياسي، لا تزال من دون استجابة، بينما يظل النظام السياسي محل جدل حتى اليوم".

في هذا الإطار، أشارت تقديرات مؤشر بيرتلسمان للتحول لعام 2026 إلى أن "الآمال المعقودة على الإصلاحات في الجزائر قد تلاشت إلى حد كبير بعد احتجاجات عام 2019"، مؤكدا أن البلاد "عادت إلى حد كبير إلى الأوضاع التي كانت سائدة قبل الربيع العربي".

ومؤشر بيرتلسمان للتحول هو تقرير دولي تصدره كل عامين مؤسسة مؤسسة بيرتلسمان الألمانية، ويقيس أوضاع الدول النامية والدول التي تمر بمراحل انتقال سياسي أو اقتصادي.

بدوره، "صنف مركز (فريدوم هاوس) الجزائر مجددا ضمن الدول (غير الحرة) في تقريره (الحرية في العالم 2026)".

أما "هيومن رايتس ووتش" و"منظمة العفو الدولية" فيؤكدان أن "هامش عمل منظمات المجتمع المدني في الجزائر يتقلص بشكل متزايد، مشيرتين إلى استمرار ملاحقة السلطات للصحفيين والناشطين ومنتقدي الحكومة عبر الإنترنت"، وفقا لما أورده الموقع الألماني.

وفي ضوء ذلك، ترى أليس غاور أن "تنامي الأهمية الجيوسياسية للجزائر أعاد تشكيل طريقة تعامل المجتمع الدولي معها، بما يمنح السلطات الجزائرية هامشا أوسع للمضي في أجندتها الداخلية، في ظل تراجع مستوى الضغوط الخارجية".