حكومة الزيدي في مواجهة امتحان القوة.. من يفرض كلمته في بغداد؟

الحكومة التزمت الصمت رغم حديث مقربين من المليشيات عن الحادثة
في أول اختبار حقيقي تخوضه حكومة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، أخفقت القوات الأمنية العراقية في اقتحام مقر لأحد المليشيات المسلحة الموالية لإيران، وذلك بعد نحو أسبوع من تعهد الزيدي بنزع سلاح الفصائل وحصره بين الدولة نهاية شهر سبتمبر/ يوليو 2026.
وخلال لقاء جمع الزيدي بالرئيس الأميركي دونالد ترامب بالعاصمة واشنطن في 14 يوليو، أعلن رئيس الوزراء العراقي أن "حصر السلاح بيد الدولة نقطة أساسية، وأنه اتخذ قرارا بهذا الشأن غير قابل للتراجع"، مؤكدا "عدم الحاجة لبقاء أي فصائل مسلحة بعد 30 سبتمبر".
التاريخ الذي أعلنه الزيدي، هو اليوم الذي ستخرج فيه آخر دفعة للقوات الأميركية العاملة في العراق ضمن قوات التحالف الدولي، وذلك ضمن جدول زمني لانسحاب تدريجي توصلت إليه المحادثات السابقة التي جرت بين بغداد وواشنطن، في سبتمبر/ أيلول 2024.

"جرف النداف"
في 24 يوليو، كشفت وسائل إعلام محلية وناشطون على مواقع التواصل عن محاصرة قوات أمنية عراقية مقر مليشيا "النجباء" الموالية لإيران في منطقة جرف النداف في أطراف العاصمة بغداد، لاقتحامه بعد معلومات تفيد بوجود مصنع لتصنيع الطائرات المسيرة فيه.
ونقلت وكالة "شفق نيوز" عن مصدر أمني (لم تسمه) أن "المقر يضم معملا للطائرات المسيرة، والتي كانت تطلق سابقا باتجاه السفارة الأميركية ومطار بغداد العسكري، لكن حدث إطلاق نار في الهواء عند محاصرة المقر".
من جهتها، كشفت شبكة "الساعة" العراقية أن القوة الأمنية مُنعت من الدخول وبقيت عند بوابة المقر العسكري تنتظر الدخول، لكن مقاتلي حركة النجباء هددوا باستهداف القوة العسكرية في حال اقتحام المعسكر، ما أجبر القوة العراقية على الانسحاب دون النجاح في دخوله.
وأشارت إلى أن "قوة تابعة للحشد الشعبي اشتركت في العملية دون علمها بأن الواجب يتضمن اقتحام مقر تابع للنجباء".
وعلى الوتيرة ذاتها، قال الكاتب والمحلل السياسي العراقي المقيم في الولايات المتحدة، نزار حيدر، إن مليشيا النُّجباء منعت قوَّة تابعة للجيش من الدخول إلى أَحد مواقعِها في منطقة جرف النداف جنوب شرق العاصمة بغداد واجبرتها على التَّراجع تحت تهديد السِّلاح.
وأوضح حيدر خلال تدوينة كتبها عل منصة "إكس" في 25 يوليو إنه "فور وصول القوة إلى مدخل المقر المذكور تم إبلاغهم من مسؤول المعسكر برفض السماح بدخولهم وفي حال عدم مغادرتهم سيتم اعتقالهم".
وبين الكاتب العراقي أن وجود القوة استمر أَمام بوَّابة المعسكر وبعد مرور نصف ساعة خرجت قوَّة من المقر وأَجبرت القوة المنفذة للمهمة الرسمية على إلقاء السلاح تحت التهديد عندما قام عناصر المليشيا بإطلاق النَّار في الهواء فوق سيارات وعناصر القوة المهاجمة".
وبحسب حيدر، فإنه "بعد مرور أكثر من ساعة اتصلت قيادة الحشد الشعبي بقوة أَمن الحشد المرافِقة وأصدرت لهم أوامر بالانسحاب فورا بذريعة انَّ مكتب القائد العام للقوات المسلحة عندما طلب من الهيئة إِرسال قوة من أَمن الحشد كان الأَمر على أَساس المُشاركة في خطة أَمنية وليس تفتيش موقع تابع للنجباء".
واختتم الكاتب حديثه بالقول: "عندها أبلغ أَمن الحشد، الجيش بأَن الأَوامر صدرت لهم بالانسحاب، وصلت بالأَثناء أَوامر بالانسحاب للجيش كذلك مماَ دفع بكل القوة إِلى الانسحاب من دونِ تنفيذ الأَوامر".
تأسست مليشيا "النجباء" عام 2013 بزعامة أكرم الكعبي المصنف على لوائح الإرهاب الأميركية، وذلك للقتال مع الفصائل الإيرانية في سوريا إلى جانب نظام بشار الأسد، فهي متهمة بجرائم قتل واختطاف في العديد من المناطق داخل العراق وفي الأراضي السورية.
ومع التزام الجهات العراقية الرسمية الصمت تجاه الحادثة، نفى عضو المجلس السياسي في "النجباء" حسين علي نور، بالقول: "جميع الأخبار المتداولة بهذا الشأن عارية عن الصحة ولا أساس لها، وأن الغرض منها نشر الشائعات، ويهدف إلى إثارة المشاكل"، حسب تعبيره.
قرار إيراني
وبخصوص الحادثة ودلالاتها، قال الباحث في الشأن العراقي مؤيد الدوري، إن "عدم تمكن القوات الأمنية من اقتحام مقر النجباء يؤكد بما لا يقبل الشك أنها ستكون عاجزة عن نزع السلاح منها بالقوة في حال رفضت هذه المليشيا أو غيرها تسليم سلاحها إلى السلطات".
وأضاف الدوري لـ"الاستقلال" أن "امتناع هذه المليشيا من دخول القوات الأمنية إلى مقرها يعزز ما يعرفه الجميع بأن هذه الجهات فوق الدولة وأقوى منها، إذا لم تكن هي المتحكم فيها أساسا".
ولفت الباحث إلى أن "حصر السلاح بهذه الطريقة لن يتحقق ما لم تتفق السلطات العراقية مع الجانب الإيراني على تسليم هذه الجهات سلاحها، كونها تابعة لها عقائديا وتنظيميا، بالتالي لن تنصاع إلى أحد غير طهران".
وفي المقابل، قال المحلل السياسي القريب من المليشيات الموالية لإيران حسين الكناي، إن لجوء الزيدي لاقتحام مقرات الفصائل خطأ كبير، لأنها تعمل تحت مسميات الحشد الشعبي، وأن الكثير منها جزء من هذا التشكيل، وبالتالي محاولة الاقتحام هي مسألة معنوية أكثر مما هي عملياتية".
وأضاف الكناني خلال مقابلة مع قناة "الرابعة" العراقية في 27 يوليو، أن "هذا الملف يحتاج إلى حكمة وصبر طويل من الحكومة وعليها ألا تستفز هذه الفصائل، وتبحث بالطرق التي يمكن من خلالها إيجاد تسوية أما بفك ارتباط بين الفصائل والحشد الشعبي".
وأوضح أن "إداريات الكثير من مقاتلي هذه الفصائل تحت إمرة هيئة الحشد الشعبي المرتبطة بالقائد العام للقوات المسلحة، وبالتالي يبق هؤلاء ضمن هذه المؤسسة وينتهي الأمر عند هذا الحد".
وفي تصريحات لافتة، كشف مستشار الأمن القومي العراقي، رحيم العبودي، أن رئيس الوزراء علي الزيدي وبعد مناقشات طويلة مع الجانب الإيراني خلال زيارته إلى طهران، وافقت إيران على حصر السلاح بيد الدولة.
وأضاف العبودي خلال مقابلة تلفزيونية في 26 يونيو، أن "إيران أبدت استعدادها في المساعدة على حصر السلاح بيد الدولة العراقية، واقتنعت أنه لا مبرر للسلاح بعد الانسحاب الأميركي من العراق في 30 سبتمبر 2026".
وعلى الصعيد ذاته، كشف المحلل السياسي القريب من الإطار التنسيقي الشيعي، سلام عادل أن رئيس الوزراء علي الزيدي التقى في إيران قادة الفصائل الأربعة المعارضة لنزع السلاح، وأن هذه الجهات طرحت العديد من السيناريوهات لحصر السلاح بيد الدولة، حسب مقابلة تلفزيونية في 26 يوليو.
وأضاف عادل، أن الزيدي التقى أمين عام "كتائب حزب الله" أبو حسين الحميداوي، وزعيم "كائب سيد الشهداء" أبو آلاء الولائي، وأمين عام "النجباء" أكرم الكعبي، إضافة إلى حيدر الغراوي قائد "أنصار الله الأوفياء"، ووافقوا على حصر السلاح بعد الانسحاب الأميركي في 30 سبتمبر.
"سيناريو خطير"
وفي السياق، رجح الخبير الأمني والإستراتيجي العراقي، أحمد الشريفي عدم قدرة السلطات العراقية على فرض سلطتها على الفصائل المسلحة، ولا سيما الرافضين لتسليم السلاح، وفي مقدمتهم حركتا حزب الله والنجباء، حسبما نقلت شبكة "الساعة" في 25 يونيو.
وأوضح الشريفي أن "ما حدث في منطقة جرف النداف، ومنع دخول قوة عسكرية من تنفيذ واجبها في تفتيش أحد مقرات الفصائل، خير دليل على ذلك، فيما توقع أن يؤول هذا الأمر إلى تدويل ملف السلاح وحصره بيد الدولة عبر التدخل الأميركي العسكري المباشر لاستهداف تلك الفصائل".
وأكد الخبير الأمني أن "حصر السلاح بيد الدولة لا يمثل فقط برنامجًا حكوميًا محليًا، وإنما هو مطلب في إطار حسن العلاقات الدولية مع دول الجوار، ومبدأ الإيفاء بالالتزامات والاتفاقيات الدولية مع الولايات المتحدة، فضلًا عن كونه استحقاقًا ذا بُعد محلي، ومطلبًا جماهيريًا يأتي في ظل التحديات والتصعيد الخطير الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط".
ولفت إلى أن "حصر السلاح، وإن كان يمثل رغبة حكومية، لكنه، وعلى مستوى التقييم العملي، ما يزال تطبيقه على الأرض عملية مستعصية وصعبة، وكل المعطيات تشير إلى تراجع نجاح الحكومة بهذا الملف، لا سيما بعد عودة رئيس الوزراء من الولايات المتحدة وإيران".
وأشار الشريفي إلى أن "الممارسة التي جرت في جرف النداف، كان الغرض منها تفتيش أحد مقرات الفصائل المسلحة في جنوب بغداد، ولكن القوة المكلفة بتنفيذ الواجب، والمدعومة بأمن الحشد الشعبي، مُنعت من دخول المقر من قبل عناصر الفصيل المسلح".
وتابع: "هذه الحادثة لا تعني فقط أن القوة المكلفة بتنفيذ الواجب تخلت عن المسؤولية في التنفيذ، وإنما كسرت قرار القائد العام للقوات المسلحة في تنفيذ الأوامر بهذا الملف".
وشدد الشريفي على أن "هذا الأمر يدخل البلاد في مأزق كبير، يتمثل في بقاء السلاح قائمًا خارج إطار الدولة من جهة، وإمكانية اشتراك هذا السلاح في الصراعات الدولية الجارية، والتي من المرجح أن تتجدد بين واشنطن وطهران قريبًا، وفقًا للمعطيات على الأرض".
وعن تداعيات الحادثة، أكد الشريفي أن "فشل الممارسة والواجب الرسمي سيؤدي إلى إعادة واشنطن لحساباتها تجاه العراق، ولهذا الملف تحديدا، وسيدفع الولايات المتحدة نحو القناعة بأن الزيدي والحكومة العراقية والإطار التنسيقي غير فاعلين في التأثير على الفصائل".
وتوقع الشريفي أن "يكون رد فعل دولي تجاه الفشل في فرض السلطة والقانون على الفصائل، وذلك عبر ضربات جوية أمريكية مباشرة على مقرات الفصائل، إذ ستكون هذه الضربات استباقية قبل الحرب الفاصلة مع إيران".
وعلل ذلك بأن "الولايات المتحدة ترغب بتحييد الفصائل عن المشاركة في المعركة وإبعادها بالقوة عنها قبل دخول ساعة الصفر والحسم مع الجانب الإيراني، خاصة وأن واشنطن متيقنة بأن الفصائل العراقية الرافضة لتسليم السلاح ستستخدم سلاحها في حال تجدد الصراع بشكل واسع مع إيران".
وخلص الشريفي إلى أن "المؤشرات توحي بتدويل قضية الفصائل العراقية وحصر السلاح؛ حيث إن المعطيات تشير إلى قرب تنفيذ ضربات جوية أميركية على الفصائل، خاصة مع تعزز القناعة بعدم قدرة الحكومة العراقية على حسم هذا الملف".


















