الاحتجاجات في جنوب إفريقيا.. مشكلة اقتصادية أم ألاعيب إسرائيلية؟

"كل من يقف دفاعاً عن غزة، سيدفع الثمن"
تواجه جنوب إفريقيا واحدة من أكثر المراحل تعقيداً منذ انتهاء نظام الفصل العنصري، في ظلّ تصاعد أعمال العنف والاحتجاجات الموجّهة ضد المهاجرين القادمين من دول إفريقية.
وفي مقال نشرته صحيفة إندبندنت بنسختها التركية، أشارت الكاتبة التركية "سارة ساري" إلى أن هذه الظاهرة، رغم أنها ليست جديدة، عادت بهذه الحدّة بالتزامن مع ظروف اقتصادية صعبة.
إلى جانب تنامي الدور السياسي الذي تؤديه بريتوريا على الساحة الدولية، لا سيما بعد تحركها القانوني ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية.
وقد فتح هذا التزامن باباً لنقاش أوسع بشأن طبيعة الأزمة، وما إذا كانت هذه الاحتجاجات تعكس مشكلات اقتصادية واجتماعية داخلية فحسب، أم أنها أصبحت جزءاً من صراع سياسي ودبلوماسي يتجاوز حدود جنوب إفريقيا.
موجة عنف واسعة
وأوضحت الكاتبة التركية أنه رغم مرور أكثر من ثلاثين عاماً على نهاية نظام الفصل العنصري، لا تزال جنوب إفريقيا تعاني من ارتفاع معدلات البطالة والفقر واتساع الفوارق الاجتماعية، وذلك رغم كونها أكبر اقتصاد في القارة الإفريقية.
وقد جعلتها هذه المكانة مقصداً لملايين المهاجرين القادمين من مختلف الدول الإفريقية بحثاً عن فرص العمل والاستقرار.
حيث تشير البيانات الرسمية إلى أن عدد المهاجرين يبلغ نحو ثلاثة ملايين شخص، أي ما يقارب أربعة في المئة من إجمالي السكان، إلا أن هذه النسبة أصبحت محوراً للجدل السياسي مع كل أزمة اقتصادية.
فمع تراجع النمو وارتفاع البطالة، تتصاعد الاتهامات للمهاجرين بأنهم ينافسون المواطنين على الوظائف والخدمات، ليتحولوا تدريجياً إلى الهدف الأول للغضب الشعبي.
وأضافت أنّ هذه الظاهرة لم تكن وليدة السنوات الأخيرة؛ إذ شهدت البلاد موجات عنف واسعة ضد الأجانب في الأعوام 2008 و 2015 و2019، والتي أسفرت عن سقوط قتلى وإحراق متاجر ومنازل تعود لمهاجرين.
لاحقاً بعد جائحة كورونا، ظهرت حركة "عملية دودولا" عام 2021، التي نظمت حملات ضد المهاجرين غير النظاميين في تلك الفترة.
ثمّ تجدّدت بعد ذلك الاحتجاجات ضدّ المهاجرين خلال عام 2026 بوتيرة أكبر، لتؤكد أن الأزمة أصبحت أكثر عمقاً من مجرد رد فعل مؤقت على الظروف الاقتصادية.

تحرك جنوب إفريقيا ضد إسرائيل
وأردفت الكاتبة التركية أنّ جنوب إفريقيا برزت خلال السنوات الأخيرة كأحد أبرز المدافعين عن القضية الفلسطينية، وذلك بعدما رفعت دعوى أمام محكمة العدل الدولية، اتّهمت فيها إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة.
وقد منح هذا التحرك بريتوريا حضوراً سياسياً وقانونياً بارزاً على الساحة الدولية، لكنه في المقابل أدخلها في مواجهة مباشرة مع إسرائيل والجهات الداعمة لها.
في هذا الإطار، ربطت شخصيات سياسية في جنوب إفريقيا بين تصاعد الاضطرابات الداخلية وبين هذا الموقف الخارجي، مقدرة أن البلاد أصبحت عرضة لضغوط تستهدف تقويض مكانتها الأخلاقية والدبلوماسية.
حيث أشارت وزيرة الحكومة مامولوكو كوبايي إلى أن الدعوى المرفوعة أمام محكمة العدل الدولية تمثل عبئاً كبيراً على إسرائيل، وأن الردّ قد يأخذ أشكالاً مختلفة، من بينها السعي إلى إضعاف صورة جنوب إفريقيا بصفتها دولة تدافع عن حقوق الإنسان.
بذلك لم تعد الاحتجاجات تُقرأ بوصفها أزمة اجتماعية فقط، بل أصبحت ترتبط أيضاً بالنقاش حول تأثير السياسة الخارجية على الاستقرار الداخلي، خصوصاً في ظل تزايد الاستقطاب المرتبط بالحرب في غزة.
تقوم إحدى الفرضيات المطروحة على أن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية القائمة وفرت بيئة مناسبة لتغذية الاحتجاجات وتحويلها إلى أزمة سياسية أوسع. فبدلاً من معالجة أسباب البطالة والفقر، أصبح توجيه الغضب نحو المهاجرين وسيلة لتوسيع الانقسامات داخل المجتمع.
يذهب هذا الطرح إلى أن تعميق حالة الفوضى الداخلية من شأنه أن ينعكس سلباً على صورة جنوب إفريقيا في الخارج، ويظهرها كدولة عاجزة عن حماية المهاجرين القادمين من الدول الإفريقية، وهو ما قد يضعف المكانة الأخلاقية التي اكتسبتها نتيجة تحرّكاتها في الدفاع عن القانون الدولي والقضية الفلسطينية.
كما ظهرت مخاوف عديدة، تُبَيّن أنّ استمرار هذا المسار قد لا يتوقف عند حدود كراهية الأجانب، بل قد يمتد إلى انقسامات مناطقية أو قبلية وعرقية، وهو ما سيهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي، ويزيد من صعوبة إدارة الدولة في المستقبل، بحسب تقييم الكاتبة.

خلفية تاريخية
ولفتت الكاتبة النظر إلى الخلفية التاريخية للعلاقات بين إسرائيل ونظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا؛ حيث شهدت سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي تعاوناً عسكرياً وأمنياً ونووياً بين الجانبين، في ظل العقوبات الدولية التي كانت مفروضة على بريتوريا آنذاك.
وهناك تساؤلات حول حجم نفوذ بعض المنظمات المؤيدة لإسرائيل داخل جنوب إفريقيا، ودورها في المشهدين السياسي والإعلامي.
لذلك تتكاثر الأسئلة اليوم بشأن قدرة الاحتجاجات الحالية على الاستمرار لفترات طويلة، وحول الجهات التي توفر التمويل والتنظيم اللوجستي، إضافة إلى الانتشار السريع لِلحملات المناهضة للمهاجرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فهي عوامل تتجاوز حدود الاحتجاجات العفوية.
وتتجاوز تداعيات هذه الأزمة حدود الداخل الجنوب إفريقي؛ إذ إن استمرار استهداف المهاجرين القادمين من نيجيريا وزيمبابوي وغانا ودول إفريقية أخرى قد يؤدي إلى توتر علاقات بريتوريا مع شركائها في القارة، ويضعف دورها داخل الاتحاد الإفريقي، في وقت تسعى فيه إلى الحفاظ على موقعها كأحد أبرز الداعمين للقضية الفلسطينية على المستوى الدولي.
وترى الكاتبة بذلك أن عزل جنوب إفريقيا داخل الاتحاد الإفريقي، وتحويلها إلى خصم لدول القارة، وتقويض التضامن الإفريقي مع فلسطين من الداخل، هي كلها أهداف تتوافق مع الأجندة الإسرائيلية.
وختمت مقالها قائلة، إنّ الصهيونية تُسكت دولة رفعت صوت العدالة من خلال استغلال حالة اليأس التي تعيشها. وكل من يقف دفاعاً عن غزة، سيدفع الثمن في شوارعه، وبدماء أبناء شعبه.


















