ليست مناورة من أردوغان.. ما علاقة إسرائيل بتسوية تركيا ملف الأكراد؟

"تثبيت المسألة الكردية داخليا قد يكون أهم استثمار إستراتيجي تقدم عليه تركيا في مستقبلها"
يرى محللون أن المصالحة بين أنقرة و"حزب العمال الكردستاني" ورقة داخلية يستخدمها الرئيس رجب طيب أردوغان، لتمديد حكمه، لكن دوافعها الحقيقية تتجاوز الحدود التركية؛ إذ تأتي تبعا لزلزال إقليمي بدأ في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ودفع أنقرة إلى تحصين جبهتها أمام إسرائيل.
ففي أغسطس/آب، أقرّ البرلمان التركي قانونا يتيح لآلاف من عناصر حزب العمال الكردستاني إلقاء سلاحهم، ولآلاف آخرين من السجناء السياسيين والمنفيين العودة إلى حياتهم الطبيعية.
وهو أمر كان يستحيل تصوره قبل سنوات قليلة، يوم كان الطرفان غارقين في صراع امتد عبر تركيا والعراق وسوريا. فلأول مرة منذ 30 عاما من المفاوضات المتقطعة، بات هناك أساس قانوني لإنهاء النزاع المسلح.
ولطالما عد الحل السلمي للقضية الكردية شرطا لاكتمال التحول الديمقراطي في تركيا. لكن هذه الخطوة قوبلت بانتقادات واسعة من بعض أبرز أنصار الديمقراطية التركية أنفسهم.
ومفاد قلقهم، الذي عُبّر عنه على نطاق واسع، أن الاتفاق مناورة انتهازية من الرئيس أردوغان لكسب دعم الأكراد وإدامة حكمه، فضلا عن الشك في أن تفي الحكومة فعلا بتقديم تنازلات حقيقية لهم.
وهنا رأى الباحث في الشؤون الكردية بـ "المعهد اليهودي للأمن القومي الأميركي" (JINSA)، غِيران أوزجان، في مقال بمجلة "فورين بوليسي" الأميركية، أن الحذر من أردوغان يظل في محله.
فهو يواجه قيودا دستورية على ولاية ثالثة تفرض عليه تجاوز عقبات برلمانية كبيرة، وسيسعى إلى جني مكاسب سياسية داخلية من هذا المسار، كما يفعل مع معظم التطورات.
لكن أوزجان استدرك بأن هذه ليست القصة كاملة، موضحا أن استعداد الحكومة للصلح مع الحزب تحركه أيضا هواجس أمن قومي مهمة، وأن فهم الاتفاق من منظور السياسة الخارجية هو مفتاح إدراك أسباب ترجيح نجاحه، وفائدته لتركيا.

محركات خارجية
وشدّد أوزجان على أن المحركات الأساسية لهذا المسار ظلت دائما خارج حدود تركيا، في سلسلة أحداث متتالية بدأت بهجمات حركة المقاومة الإسلامية (حماس) على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ومرّت هذه السلسلة، كما ذكر، بتدمير "حزب الله" وسقوط نظام بشار الأسد في سوريا في ديسمبر/كانون الأول 2024، وصولا إلى الحرب الدائرة مع إيران.
وزعم رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، آنذاك أن سقوط نظام الأسد "نتيجة مباشرة للضربات التي وجهناها إلى إيران وحزب الله". ويرى أوزجان أن نتنياهو لم يكن مخطئا في ذلك.
واتفق معه في تركيا دولت بهتشلي، زعيم حزب الحركة القومية المتشدد وحليف أردوغان في الائتلاف، قائلا: إن "النار التي بدأت في غزة امتدت إلى لبنان، وألقت بظلها على سوريا، وبلغت العراق، ثم ولّدت موجة صدمة نفذت إلى قلب إيران".
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2024، وقبيل الهجوم الذي أطاح بالأسد، حذّر أردوغان من أن "هدف إسرائيل التالي سيكون تركيا"، داعيا إلى "تقوية الجبهة الداخلية".
وفي اليوم ذاته، صافح بهتشلي نواب حزب "المساواة وديمقراطية الشعوب" المؤيد للأكراد، وهو ما كان يمتنع عنه سابقا مع حزب دعا مرارا إلى حظره، فأشعل ذلك فورا الحديث عن مسار سلام جديد.
ولفت أوزجان إلى أن نعمان قورتولموش، رئيس البرلمان والقيادي في حزب العدالة والتنمية، صاغ إلحاح هذا المسار عبر "مقولة مؤامراتية مألوفة في التقليدين القومي والإسلامي"، مفادها أن قوى خارجية تسعى إلى إضعاف تركيا وتقسيمها، بحسب تعبيره.
وحذّر قورتولموش من أن "تركيا يُنظر إليها في ما يسمى مشروع إسرائيل الكبرى بوصفها القوة الأولى الواجب ابتلاعها"، مؤكدا أن هذا الواقع يفرض على أنقرة "تحصين جبهتها الداخلية".
ومنذ انطلاق المسار، برز تحصين الجبهة الداخلية في وجه "المؤامرات الإمبريالية العالمية والأطماع الصهيونية" مفهوما محوريا في الخطاب الرسمي التركي، على حد وصف أوزجان.
وبيّن أن القضية الفلسطينية قضية أيديولوجية لدى أردوغان، أما اتساع الاضطرابات في المنطقة، وتبعاتها على الطموحات الكردية، فهو هاجس مشترك لدى كامل المؤسسة السياسية والأمنية التركية.
هاجس الأكراد
ومع عملية "مطرقة منتصف الليل" في 2025، صار هذا الخوف حقيقة، فأصبحت إيران، صاحبة ثاني أكبر تجمع كردي بعد تركيا، في مرمى النيران.
وبعد العراق في 2003 وسوريا في 2011، بدا الأكراد مجددا على وشك تصدّر المشهد، إذ إن أقدر القوى على الأرض في سوريا وإيران فصائل مرتبطة بحزب العمال الكردستاني. وهي قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في سوريا، وحزب الحياة الحرة الكردستاني "بيجاك" في إيران.
وسعيًا إلى استباق الأحداث، اتجهت الحكومة التركية إلى التفاوض مع من يعدّه التنظيمان زعيما لهما، عبد الله أوجلان.
وأوضح أوزجان أن هاجس أنقرة الأول هو أن يعزز الاضطراب الإقليمي، خاصة في سوريا وإيران، الحكم الذاتي الكردي أو النفوذ السياسي الكردي بصورة ترتد في النهاية إلى داخل تركيا.
وأضاف أن الهاجس الثاني هو احتمال أن توثّق إسرائيل علاقاتها بأطراف كردية، في سوريا وإيران تحديدا.
ورأى أوزجان أن تقاربا إسرائيليا-كرديا أوثق من شأنه أن يقوّي الحركات الكردية بما يعقّد التحديات الداخلية لتركيا، ويبدّل في الوقت ذاته موازين القوى الإقليمية بتعزيز نفوذ إسرائيل وقدراتها في التنافس الناشئ مع أنقرة.
ونبّه إلى أن ما تردد عن لقاءات جمعت مسؤولين أكرادا سوريين بنظراء إسرائيليين ظل بعيدا عن الانخراط المؤسسي المستدام الذي تخشاه أنقرة.
وأضاف أن أنقرة تستضيف حماس بانتظام، لكننا لا نزال بعيدين عن رؤية حزب العمال الكردستاني في تل أبيب.

مكاسب المسار
وأفاد أوزجان بأن وجود "قسد" و"بيجاك" وقدراتهما العملياتية منحا أوجلان في تفاوضه مع الحكومة نفوذا يفوق ما امتلكه الحزب يوما داخل تركيا وحدها.
ولذلك، كما ذكر، تحققت أولى النتائج وأبرزها في هاتين الساحتين؛ إذ تدخّل أوجلان في سوريا في مطلع 2025 للمساعدة في تسوية القتال بين "قسد" والحكومة الجديدة في دمشق سلميا، بما أفضى إلى اندماج "قسد" في الدولة السورية الجديدة.
ولفت أوزجان إلى أن أثر المسار في إيران لم يتبلور كاملا بعد.
لكن الكاتب التركي عبد القادر سلفي، المعروف بأنه قناة لرسائل الحكومة، رأى أن المسار منع الولايات المتحدة من الدفع بفصائل مرتبطة بالحزب إلى إيران خلال عملية "الغضب الملحمي"، فاضطرت واشنطن إلى التعامل مع منظمات كردية أقل كفاءة.
ولاحظ أوزجان أن سلسلة الأحداث الإقليمية، مقترنة بالحاجة إلى تجاوز هشاشة تركيا التاريخية، وحّدت نخبها الحاكمة حول سياسة كردية جديدة. حتى إن حزب المعارضة الرئيس أيّد المسار، رغم سجن مرشحه الأبرز للرئاسة، أكرم إمام أوغلو.
ورأى أن هذا التوافق السياسي النادر يعكس حقيقة أعمق وإن بدت متناقضة، وهي أن أحدا لم يدرك أهمية الفاعلية الكردية في الشرق الأوسط بالقدر الذي أدركته تركيا.
ونقل عن بهتشلي وصفه المسار في تصريح حديث بأنه "ليس مجرد مسألة أمنية، بل مسألة تعزيز للأخوة والوحدة الوطنية والتضامن".
وخلص أوزجان إلى أن السؤال الآني لا يتعلق بمدى استعداد أردوغان لدمقرطة تركيا بقدر ما يتعلق باستعداده لاستيعاب تحول الحزب إلى فاعل مدني شرعي خالص.
وأكد أن السلام لا يضمن الديمقراطية، لكنه شرط لها، وأن تركيا إن أنهت نهائيا عملياتها العسكرية ضد كل التنظيمات الكردية، بما فيها تلك الموجودة في سوريا والعراق وإيران، يكون المسار قد نجح بمقاييس الجيوسياسة.
وأضاف أن ذلك سيحسّن حياة كل سكان المنطقة بصورة ملموسة، ويمهّد لأن تتواصل معركة الديمقراطية على أرض أكثر مواتاة.
وفي لحظة يتّجه فيها الشرق الأوسط إلى اضطراب مديد، رأى أوزجان أن تثبيت المسألة الكردية داخليا قد يكون أهم استثمار إستراتيجي تقدم عليه تركيا في مستقبلها.

















