تصعيد غير مسبوق.. ماذا وراء الضربات الأميركية السعودية داخل العراق؟

مصادر أكدت أن تصعيد الهجمات ضد السعودية أفشل زيارة الزيدي المرتقبة
دخلت الأزمة بين العراق والسعودية مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما أعلنت الرياض أنها شنت ضربات على مواقع في الأراضي العراقية ردا على تعرض منشآتها النفطية إلى هجمات بطائرات مسيّرة قالت: إنها انطلقت من العراق ونفذتها "مليشيات تابعة لإيران".
يأتي ذلك قبل زيارة كان ينوي رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إجراءها إلى المملكة العربية السعودية في 30 يوليو/ تموز 2026، ضمن جولة له بدأها بالولايات المتحدة وقطر، ثم إيران وتركيا، وقع خلالها العديد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم.

رسائل الهجمات
بدأت الأزمة عندما أعلنت وزارة الدفاع السعودية يومي 27 و28 يوليو، اعتراض وتدمير طائرات مسيّرة حاولت استهداف منشآت بترولية في المنطقة الشرقية. مؤكدة أن المسيّرات انطلقت من الأراضي العراقية ونفذتها "مليشيات إرهابية تابعة لإيران".
وقالت الوزارة: إن المملكة تحتفظ بحقها في الردّ "في الزمان والمكان المناسبين"، فيما طالبت الخارجية السعودية الحكومة العراقية باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع استخدام الأراضي العراقية منصة لشنّ هجمات ضد المملكة، مقدرة أن استمرار تلك الهجمات يمثل تهديدا مباشرا للأمن الإقليمي.
وبعد أقل من أربع وعشرين ساعة، أعلنت القيادة المركزية للولايات المتحدة "سنتكوم" تنفيذ مقاتلات أميركية وسعودية ضربات وصفتها بـ"الدقيقة" استهدفت مخازن أسلحة ومواقع لوجستية في مناطق عدة شرقي العراق.
وقالت "سنتكوم": إن المواقع والأسلحة التي جرى استهدافها، تعود إلى فصائل مرتبطة بإيران ومسؤولة عن الهجمات بالطائرات المسيّرة ضد السعودية والقوات الأميركية.
عقب ذلك، أعلنت وزارة الدفاع السعودية أن القوات المسلحة نفذت، بالتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية، ضربات محددة ضد أهداف في العراق، رداً على هجمات بمسيّرات استهدفت منشآت بترولية في المملكة.
وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع اللواء الركن تركي المالكي: إن الرد جاء انطلاقا من حق الدفاع عن النفس الذي يكفله القانون الدولي، مشددا في الوقت نفسه على المملكة على أنها لا تسعى إلى التصعيد إلا أنها سترد على أي عدوان تتعرض له.
في المقابل، أعلنت هيئة الحشد الشعبي مقتل ما لا يقل عن 20 من عناصرها وإصابة 32 آخرين، مؤكدة أن الحصيلة أولية، ووصفت الضربات بأنها استهدفت مقرات رسمية تابعة لها.
وبخصوص توقيت تصعيد المليشيات هجماتها على السعودية، الذي دفع الأخيرة للرد، قالت مصادر سياسية عراقية خاصة: إن "الجماعات المسلحة المرتبطة الخارج لا تقدح من رأسها، لذلك فإن الضربات التي استمرت خلال اليومين الماضيين على منشآت البترول السعودية كانت مقصودة".
وأوضحت المصادر لـ"الاستقلال" طالبة عدم الكشف عن هويتها، أن "هذه المليشيات أرادت استفزاز السعودية حتى تفشل زيارة الزيدي إلى الرياض التي كان مقررا لها أن تجري يوم 30 يوليو، فإن إيران التي غضبت من زيارته إلى الولايات المتحدة لا تريده التوجه للسعودية".
وعن أساب رد السعودية وعدم تأجيل ذلك بعد زيارة الزيدي، رأت المصادر أن "الرياض أرادت أن تبعث برسالة لرئيس الوزراء العراقي مفادها بأنك عليك أن تضع حدا للهجمات عليها قبل أن تأتي لإبرام أي اتفاقيات وتفاهمات لن تنفذ في ظل تحكم هذه المليشيات بالمشهد في العراق".
وفي هذه النقطة، قال الإعلامي العراقي، علي فرحان: إنه ثبت الآن بما لا يقبل الشك أن على رئيس الوزراء علي الزيدي أن يحل مشاكل الداخل وعلى رأسها السلاح المنفلت ثم التوجه لاحقا إلى الخارج.
وأضاف فرحان خلال تدوينة على "إكس" في 29 يوليو، أن "مشكلة السلاح المنفلت قادرة على تقويض جميع المساعي الحكومية الرامية لإعادة دور العراق الإقليمي وبناء جسور التعاون والانسلاخ عن المحور الإيراني".

انقسام داخلي
على الصعيد السياسي العراقي، أثارت الضربات الأميركية السعودية موجة غضب واسعة داخل الأوساط السياسية والفصائل المقربة من الحشد الشعبي؛ إذ رأت قوى الإطار التنسيقي أن ما جرى يمثل "اعتداءً على السيادة العراقية"، مطالبة الحكومة باتخاذ مواقف أكثر تشدداً.
وأدان الأمين العام لمنظمة بدر هادي العامري الضربات، مطالبا الحكومة العراقية باتخاذ "موقف حازم وحاسم"، فيما رأى زعيم حركة "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي أن استهداف قوة أمنية عراقية داخل البلاد يمثل انتهاكاً صارخاً للسيادة، وأن على العراقيين التوحد حيال ذلك.
أما "النجباء" بزعامة أكرم الكعبي، فلوَّحت بالرد العسكري، مقدرة أن القواعد الأميركية أصبحت "خطراً يهدد أمن البلاد"، ودعت إلى وقف جميع أشكال التعاون مع السعودية، فيما ذهبت "سرايا أولياء الدم" إلى المطالبة بطرد السفير السعودي وقطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع الرياض.
وامتد التصعيد إلى البرلمان العراقي؛ حيث دعا عدد من النواب المحسوبين على الإطار التنسيقي والمليشيات الشيعية المرتبطة بإيران إلى اتخاذ إجراءات سياسية وعسكرية ضد السعودية.
وطالب النائب محمد جاسم الخفاجي باستدعاء السفير السعودي وإلغاء الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء إلى الرياض، بينما دعا النائب سعود الساعدي إلى "رد عسكري" على الضربات، مقدرا أن الاكتفاء بالإدانة السياسية لم يعد كافياً.
كما دعا النائب علاء الحيدري الحكومة إلى موقف أكثر صرامة، في حين طالب مقداد الخفاجي بمراجعة منظومات الدفاع الجوي العراقية وآليات حماية الأجواء، فيما شدد باقر الياسري وأحمد رحيم الموسوي وعلي صابر الكناني وفالح الخزعلي على ضرورة الانتقال من بيانات التنديد إلى خطوات عملية تحفظ سيادة العراق.
غير أن هذا الاتجاه نحو التصعيد قابله موقف مختلف من زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، الذي دعا إلى تحييد العراق عن الصراعات الإقليمية، مؤكداً رفضه استهداف الأراضي العراقية من أي جهة كانت.
وقال الصدر: إن وجود "مليشيات منفلتة" يمنح ذرائع لاستهداف العراق، مطالباً الفصائل بعدم استخدام الأراضي العراقية ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. كما دعا الحكومة إلى فرض سيادتها الكاملة وضبط السلاح وحماية البلاد من الانجرار إلى حرب جديدة.
ويعكس هذا التباين حجم الانقسام داخل المشهد السياسي العراقي، بين قوى ترى أن الرد ضرورة لحفظ هيبة الدولة، وأخرى ترى أن الأولوية يجب أن تكون لمنع توسع المواجهة، خاصة في ظل هشاشة الوضع الأمني والسياسي.
وفي خضم التصعيد، نفت إيران أي علاقة لها بالهجمات؛ إذ نقل التلفزيون الإيراني عن مسؤول عسكري (لم يسمه)، قوله: إن طهران "لا صلة لها بأي مقذوفات أطلقت من دول أخرى باتجاه أهداف في السعودية". مقدرا تحميل إيران المسؤولية "خطأ في الحسابات".
وعلى الصعيد ذاته، قال الكاتب والمحلل السياسي العراقي، أياد العنبر عبر “إكس” في 29 يوليو، إنه “في منطق السياسة، السيادة واحدة ولا تقبل التجزئة. أما أن ترفضوا وتدينوا الضربات العسكرية على العراق، سواء أكانت من إيران أو أميركا أو تركيا، وأخيراً السعودية. أو ترحمونا بسكوتكم؛ لأن الحكومات التي تكون عاجزة عن احتكار قرار الحرب والسلم، تكون سيادتها وهيبتها وحدودها مستباحة”.
ترامب يفجرها
لكن تصريحات أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب عقب الهجمات، زادت من تعقيد المشهد، بعدما أعلن أن الضربات التي استهدفت "المليشيات" في العراق نُفذت "بالتنسيق مع الحكومة العراقية". مؤكداً أن الولايات المتحدة ستواصل استهداف الجماعات المدعومة من إيران.
وقال ترامب: إن "المليشيات التي تدعمها إيران هي سرطان العالم". متوعداً طهران برد قوي. ومشيراً إلى أن واشنطن تدرس توجيه رسائل إضافية إلى وكلاء إيران في المنطقة، في إشارة إلى الفصائل العراقية المسلحة، حسبما نقلت قناة "فوكس نيوز" الأميركية في 29 يوليو.
وفي الوقت الذي لم يصدر فيه موقف عراقي تجاه تصريحات ترامب، فإن مجلس الأمن الوطني العراقي (يضم قادة الوزارات والأجهزة الأمنية) اجتماعا طارئا برئاسة رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة علي فالح الزيدي لبحث تداعيات الضربات الجوية.
وخلال بيان رسمي في 29 يوليو، أدان المجلس الهجوم، مؤكدا أنه وقع في الوقت الذي كانت فيه الحكومة العراقية تجري اتصالات مع الأطراف المعنية لمعالجة الاتهامات المتعلقة باستهداف الأراضي السعودية، وهو ما عدّه تقويضاً للمساعي الدبلوماسية.
وقرر المجلس العراقي إعداد خطة أمنية متكاملة لتعزيز السيطرة على الأرض ومنع استخدام العراق منطلقاً لتهديد دول الجوار، إلى جانب تكليف وزارة الخارجية بالتحرك وفق القانون الدولي لتوثيق ما وصفه بالاعتداء وحفظ حقوق العراق.
وفي الوقت نفسه، شدد المجلس على رفض الحكومة لجميع الأعمال العدائية، سواء التي تنطلق من الأراضي العراقية ضد دول الجوار، أو تلك التي تستهدف العراق من الخارج، مؤكداً أن معالجة هذه الملفات تبقى مسؤولية حصرية للدولة ومؤسساتها الرسمية.
كما جدد المجلس التزام الحكومة بسياسة النأي بالنفس عن الصراعات الإقليمية، واعتماد الحوار والوسائل الدبلوماسية أساساً لحل النزاعات، مع الاستمرار في تنفيذ خطة حصر السلاح بيد الدولة، وإنجاز الاتفاق الأمني الخاص بإنهاء وجود قوات التحالف الدولي.
وقرر رئيس مجلس الوزراء العراقي، علي الزيدي في 29 يوليو، تعليق زيارته الرسمية التي كانت مرتقبة إلى العاصمة الرياض، وذلك في أعقاب الضربات الجوية المشتركة التي نفذتها القوات الأميركية والسعودية واستهدفت مواقع تابعة للحشد الشعبي داخل الأراضي العراقية.
وقال مصدر حكومي مطلع لوكالة "شفق نيوز" العراقية (لم تسمه): إن القرار جاء كردِّ فعل مباشر على التطورات الأمنية الأخيرة التي شهدتها البلاد، متضمناً وقف الترتيبات كافة الخاصة بالوفد الحكومي والمباحثات التي كان من المقرر عقدها في اليوم الثاني مع الجانب السعودي.
من جهتها، نقلت وكالة "رويترز" عن ثلاث مصادر (لم تسمها) أن الزيدي ألغى اجتماعا كان مقررا مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في جدة، وذلك جرّاء الهجمات السعودية الأميركية على العراق.
المصادر
- مجلس الأمن العراقي يدين الهجوم الأميركي - السعودي ويوعز للخارجية بالتحرك الدولي
- ترامب: الضربات في العراق نُفذت بالتنسيق مع الحكومة العراقية
- العراق بعد الضربات.. المليشيات تضغط والصدر يحذر من الحرب
- السعودية تعلن الرد على هجمات المسيّرات بضربات داخل الأراضي العراقية
- رئيس الوزراء العراقي يعلّق زيارته إلى الرياض بعد القصف الأمريكي - السعودي على مواقع الحشد
- السعودية تعلن التصدي لهجوم جديد بمسيّرات مصدرها العراق

















