منع العائدين.. كيف حوّلت إسرائيل معبر رفح إلى أداة لتفريغ غزة؟

حسن عبود | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

منذ إعادة تشغيله بشكل محدود ومتقطع، يعمل معبر رفح جنوبي قطاع غزة ضمن قيود إسرائيلية خانقة في الاتجاهين، فآلاف المرضى والجرحى والطلاب وأصحاب الإقامات بالخارج ما زالوا محرومين من الخروج.

المعاناة لا تقتصر على هؤلاء؛ إذ يواجه الفلسطينيون الذين غادروا خلال العدوان الإسرائيلي للعلاج أو مرافقة الجرحى والمرضى أو تحت ضغط الظروف القسرية مسارًا آخر من المنع حين يحاولون العودة إلى بيوتهم وعائلاتهم. 

وتخضع أسماء العائدين لموافقة أمنية إسرائيلية مسبقة تتيح للاحتلال شطبها أو تجميدها أو إعادة أصحابها إلى مصر من دون سبب معلن أو آلية واضحة للاعتراض، ما يحول المعبر إلى أداة للتحكم في من يغادر غزة ومن يُسمح له بالرجوع إليها.

تحكم إسرائيلي كامل

بدأت إعادة تشغيل معبر رفح نهاية يناير/كانون الثاني 2026 تحت عنوان “حركة محدودة”؛ حيث أكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة أوتشا، أن العودة من مصر ستقتصر على من غادروا غزة خلال الحرب، وستحتاج إلى موافقة أمنية إسرائيلية مسبقة.

تبدأ الرحلة بتسجيل الراغب في العودة اسمه لدى السفارة الفلسطينية في القاهرة أو عبر الجهات المكلفة بالتنسيق، وتنتقل القوائم بعد ذلك إلى السلطات المصرية، ثم تُرسل مسبقًا إلى الاحتلال لفحص الأسماء. 

وأفادت هيئة البث الإسرائيلية “كان”، في تقرير نهاية يناير 2026، بأن الأسماء تُرفع إلى الجانب الإسرائيلي قبل موعد العبور، وأن سلطات الاحتلال تحتفظ بالموافقة الاسمية على الداخلين والخارجين وبإمكانية تقنية لتعطيل الحركة عن بعد.

يتولى موظفون فلسطينيون مرتبطون بالسلطة الفلسطينية العمل داخل الجانب الفلسطيني من المعبر، تحت إشراف بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة الحدودية في رفح.

وتعرّف البعثة الأوروبية نفسها بوصفها طرفًا ثالثًا يراقب إجراءات الحدود ويدعم عمل الطواقم الفلسطينية وتنسيق الأطراف، بينما تبقى الموافقة الأمنية على أسماء العائدين بيد سلطات الاحتلال.

يمر العائد بعد تدقيق الأوراق والهوية في المعبر إلى نقطة فحص ثانية أقامتها المؤسسة الأمنية التابعة للاحتلال داخل منطقة يسيطر عليها الجيش. 

ويخضع الفلسطينيون هناك للتحقيق والاستجواب والتفتيش قبل السماح لهم باستكمال الطريق إلى غزة. وبذلك يحتفظ الاحتلال بمرحلتين للتحكم في العودة، تبدآن بفحص الاسم قبل السفر وتستمران بعد اجتياز المعبر.

ولا تقدم سلطات الاحتلال تعريفًا لما تسميه “المعايير الأمنية” الخاصة بالعائدين؛ إذ يتفاجئ بعض من يحاولون العودة بمنعهم من الوصول إلى غزة بدون إبداء أسباب أو توضيحات.

ووثق مركز غزة لحقوق الإنسان في بيان نشره في 15 يوليو/تموز 2026، قرارات وصفها بالمتكررة والمفاجئة، وقال: إنها تنال النساء والأطفال والمرضى وكبار السن من دون سبب أو وسيلة قانونية فعالة للاعتراض، بينما يبقى الفلسطيني عالقًا أمام قرار لا يعرف سببه ولا موعد مراجعته.

ظهرت نتائج هذه المنظومة منذ اليوم الأول لإعادة تشغيل المعبر، فقد دخل 12 فلسطينيًا فقط إلى غزة في 3 فبراير/شباط 2026، فيما تعطلت عودة 30 آخرين، فيما اتسعت الفجوة مع مرور الأسابيع.

ويكشف حجم الطلب ضيق المسار الذي فرضه الاحتلال؛ إذ قال مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة  إسماعيل الثوابتة، في الأول من فبراير 2026: إن أكثر من 80 ألف فلسطيني يرغبون في العودة إلى القطاع. 

وقدّر مسؤول في السفارة الفلسطينية بالقاهرة، نقلت عنه وكالة أسوشيتد برس الأميركية في 3 فبراير، عدد المسجلين للعودة بنحو 30 ألفًا، بينما دار الحديث عند بدء التشغيل عن السماح لنحو 50 عائدًا يوميًا. 

وتحولت العودة بذلك إلى استثناء يخضع للفرز، فيما بقي عشرات الآلاف خارج غزة ينتظرون قرارًا إسرائيليًا بشأن حقهم في الرجوع إلى بلادهم.

عالقون في الخارج

غادر كثير من العالقين غزة في ظروف فرضها العدوان الإسرائيلي المدمر؛ إذ نُقل بعضهم للعلاج بعد إصابة أو مرض، وبعضهم رافق مريضًا أو طفلًا، بينما خرج آخرون خلال موجات النزوح التي سبقت احتلال معبر رفح وإغلاقه. 

حمل هؤلاء معهم اعتقادًا بأن الغياب سيستمر أسابيع أو أشهرًا، ثم طالت الحرب وأصبح الرجوع مرهونًا بقائمة وموافقة أمنية.

من بين تلك الحالات، “أ.أ”، وهي أم فلسطينية في منتصف الخمسينيات، غادرت قطاع غزة خلال الحرب مع إحدى بناتها بعد تدهور حالتها الصحية وحاجتها إلى علاج ومتابعة لمرض في القلب لم تعد مستشفيات القطاع قادرة على توفيرهما. 

تقول لـ"الاستقلال" وقد رفضت الكشف عن اسمها خوفا من تضررها: إنها خرجت إلى مصر وتركت زوجها وثلاثة آخرين من أبنائها في غزة، معتقدة أن غيابها سيستمر أسابيع قليلة، ثم تعود إليهم بعد انتهاء العلاج.

بعد استقرار حالتها، سجلت اسمها لدى السفارة الفلسطينية في القاهرة، وانتظرت إدراجها في قوائم العائدين. أعادت التسجيل أكثر من مرة، وكانت تُبلغ أحيانًا بأن اسمها قيد الفحص، ثم وصلها لاحقًا أن الاحتلال رفض عودتها أمنيًا من دون إبلاغها سبب القرار أو منحها وسيلة للاعتراض.

تقول أمينة: “خرجت لأن علاجي لم يكن متوفرًا في غزة، وتركت أبنائي على أساس أنني سأعود سريعًا. انتهت فترة العلاج لكنني بقيت عالقة هنا، وكل ما يصلني أن اسمي مرفوض أمنيًا”.

وتتساءل: “لا أعرف ما الخطر الذي يمثله رجوعي إلى بيتي، ولا إلى من أتوجه حتى أسأل عن السبب. أخشى أن يتحول الأمر إلى إبعاد قسري دائم”. مبينة أن هناك العشرات مثلها من العالقين في مصر.

وتتجنب هذه السيدة المجازفة بالعودة من دون موافقة. مشيرة إلى خشيتها من مواجهة إجراءات قاسية من الاحتلال والمليشيات التابعة له، حال عبورها الجانب المصري.

وبعد إعادة فتح معبر رفح، أقام الاحتلال حواجز ميدانية يشرف على بعضها الجيش ويوجد على أخرى مليشيات أصبحت تعمل لصالحه وتستوجب العائدين وتحقق معهم وتعتدي عليهم.

وقالت روتانا الرقب وهدى أبو عبد وصباح القارة، في شهادات نشرتها أسوشيتد برس في 3 فبراير: إن جنود الاحتلال قيدوهن وغطوا أعينهن وأخضعوهن للاستجواب وصادروا متعلقات شخصية خلال الطريق إلى غزة. وتحدثن عن تهديدات وإهانات وأسئلة تفصيلية قبل السماح لهن باستكمال الرحلة.

وحذر مكتب أوتشا في 12 فبراير 2026، من أن الاستجواب القسري والمعاملة المهينة والترهيب يمكن أن تثني الفلسطينيين عن العودة.

وتتضاعف الكلفة مع كل أسبوع إضافي خارج غزة؛ إذ يدفع العالقون تكاليف السكن والطعام والإقامة والعلاج، ويعيشون بعيدًا عن أسرهم ومصادر دخلهم، بينما تبقى أوراقهم ووضعهم القانوني في الدول التي يقيمون فيها عرضة للانتهاء أو التعقيد. 

ووصف مركز غزة لحقوق الإنسان أوضاعهم النفسية والإنسانية بأنها بالغة الصعوبة، في ظل تسجيل متكرر وانتظار مفتوح وقرارات تأتي من دون تفسير.

تكريس التهجير

يأتي منع الفلسطينيين من العودة في سياق سياسة إسرائيلية أوسع لم تعد أهدافها محصورة في التصريحات الهامشية لوزراء اليمين، بعدما تبنى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير جيشه يسرائيل كاتس علنًا خططًا تقوم على توسيع احتلال غزة وحشر سكانها في مساحة أصغر.

في 27 مايو/أيار 2026، أكد كاتس أن الحكومة ستمضي في خطة ما سماه “الهجرة الطوعية” لسكان غزة “في الوقت والطريقة المناسبين”، واضعًا خروج الفلسطينيين ضمن الأهداف بعيدة المدى للحرب.

وجاء التصريح بعد خطوات إسرائيلية سابقة شملت إنشاء “إدارة خاصة لتسهيل مغادرة” سكان القطاع، وطرح مسارات لخروجهم برًا وبحرًا وجوًا، من دون الحديث عن إمكانية عودتهم إلى بيوتهم.

في اليوم التالي، أعلن نتنياهو توجيه الجيش لتوسيع مساحة سيطرته بغزة إلى 70 بالمئة من القطاع، والتي كانت ترتيبات اتفاق التهدئة الهشة قد وضعتها عند نحو 53 بالمئة خلف ما سمي “الخط الأصفر”، قبل أن يدفع الاحتلال علاماته غربًا ويوسع المناطق التي يمنع الفلسطينيين من الوصول إليها. 

ومع هذا التوسع، يُحشر أكثر من مليوني فلسطيني في مساحة تتقلص تدريجيًا، بينما تتحول المدن والأحياء والأراضي الزراعية الواقعة شرقي الخط إلى مناطق مدمرة وخالية من سكانها.

تحول “الخط الأصفر” خلال الأشهر التالية من ترتيب عسكري قُدم بوصفه مؤقتًا إلى بنية مادية ترسم تقسيمًا طويل الأمد للقطاع. وكشفت صور أقمار صناعية نشرتها أسوشيتد برس في يوليو 2026 أن جيش الاحتلال أنشأ سواتر ترابية تمتد أكثر من 23 كيلومترًا بمحاذاة الخط، وزود المنطقة بتقنيات مراقبة.

وجاء ذلك بالتوازي مع هدم بلدات وأراض زراعية في الجهة التي يسيطر عليها ودفع السكان نحو الشريط الساحلي الغربي؛ حيث يعيش كثيرون داخل مخيمات مكتظة.

رافق ذلك، التوسع في مشاريع تكشف نية الاحتلال تثبيت وجوده داخل غزة، ففي يوليو 2026، أعلن كاتس عزمه إنشاء 3 بؤر من وحدات “ناحال” شمالي القطاع، وهي تجمعات استيطانية تجمع الحضور العسكري بالنشاط الزراعي واستخدمتها إسرائيل تاريخيًا لتثبيت السيطرة وتهيئة الأرض للاستيطان. 

وتأتي هذه الخطوة بعد إعلان مسؤولين إسرائيليين أن الجيش سيبقى داخل المناطق التي احتلها، ومع استمرار دفع سكان شمال وشرق غزة بعيدًا عن أراضيهم.

ضمن هذا المشهد، تؤدي تسمية “الهجرة الطوعية” وظيفة دعائية تغطي مسارًا يقوم على تدمير شروط الحياة وتقليص الأرض المتاحة للسكان وإغلاق طرق العودة، ثم عرض الخروج بوصفه خيارًا فرديًا. 

ويكتسب التحكم بمعبر رفح أهميته داخل هذه الخطة من قدرته على إدارة الحركة في اتجاه واحد؛ إذ تسمح سلطات الاحتلال بخروج أعداد محدودة وفق حصص وقوائم وفحوص مشددة، ثم تعيد فحص أسماء من يطلبون الرجوع إلى غزة وتملك شطبهم أو إرجاعهم من الطريق. 

لهذا وصفت منظمة “جيشا” الحقوقية الإسرائيلية، ومركز "عدالة" القانوني في الأراضي المحتلة خلال بيان مشترك في 16 فبراير 2026، إجراءات التحقيق والإهانة ومصادرة الممتلكات التي يتعرض لها العائدون بأنها تحمل مؤشرات على محاولة إحباط رجوع الفلسطينيين. 

كما رأى مركز غزة لحقوق الإنسان، في 15 يوليو، أن الرفض الأمني بلا سبب يرسخ التهجير القسري ويعمق تفكك الأسر، خصوصًا مع شموله نساء ومرضى ومسنين وغياب أي مسار فعال للاعتراض.

وتصطدم هذه السياسة بقواعد قانونية دولية واضحة تحظر حرمان الإنسان تعسفًا من دخول بلده، أو نقل سكان الأرض المحتلة أو ترحيلهم قسرًا.