حظر الذهب السوداني.. لماذا تجاهلت أوروبا دور الإمارات في مسار الحرب؟-

"إلى 80 بالمئة من الذهب يغادر السودان سنويا عبر قنوات غير مشروعة"
وسط تساؤلات عن فاعليته، أقر مجلس الاتحاد الأوروبي قرارا جديدا يحظر شراء أو استيراد أو نقل الذهب السوداني عبر أراضي الاتحاد، كما يمنع بيع أو توريد أو نقل أو تصدير الزئبق والسيانيد إلى السودان، وهما من أبرز المواد الكيميائية المستخدمة في استخراج الذهب.
ويرى موقع "تينسنت" الصيني أن "هذا القرار الصادر في 13 يوليو/ تموز 2026، يمثّل تصعيدا إضافيا في إطار العقوبات الأوروبية على السودان؛ حيث يستهدف لأول مرة وبشكل مباشر ما يسمى (اقتصاد الحرب)".
إلا أنه انتقد تجاهل القرار للبعد الجيوسياسي للصراع السوداني، لا سيما دور الإمارات في تمويل مليشيا الدعم السريع عبر عائدات الذهب السوداني.
تصعيد كبير
وأوضح مجلس الاتحاد الأوروبي أن الإجراءات الجديدة تهدف إلى تقليص مصادر تمويل الصراع عبر استهداف القطاعات الاقتصادية التي تسهم في استمراره، وزيادة الضغوط على الجهات الداعمة للحرب.
ويرى الاتحاد أن الذهب أصبح أحد أهم مصادر الإيرادات التي تغذي النزاع، لذلك يسعى إلى الحد من تجارة الذهب السوداني، إلى جانب تقييد وصول المواد المستخدمة في عمليات استخراجه، بما يقلص الموارد المتاحة للأطراف المنخرطة في القتال.
وتشمل العقوبات حظر شراء أو استيراد أو نقل الذهب ذي المنشأ السوداني داخل الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى منع تصدير الزئبق والسيانيد إلى السودان، فضلا عن حظر تقديم الخدمات التقنية والوساطة والخدمات المالية المرتبطة بهذه الأنشطة.
واستثنى القرار استخدام الزئبق والسيانيد في الأغراض الإنسانية، وحالات الطوارئ الصحية العامة، والاستجابة للكوارث.
ويعد السودان أحد أكبر منتجي الذهب في إفريقيا، وظل لسنوات أهم صادراته، لكن منذ اندلاع القتال بين القوات المسلحة السودانية وميليشيا الدعم السريع في 15 أبريل/ نيسان 2023، تحول الذهب، بحسب التقرير، إلى "أحد أهم مصادر تمويل الحرب".
ولا تعد هذه العقوبات الأولى من نوعها، فوفق الموقع، "كان الاتحاد الأوروبي قد أنشأ إطار العقوبات على السودان في أكتوبر/ تشرين الأول 2023 لاستهداف أفراد وكيانات متهمة بتقويض الاستقرار والعملية السياسية، قبل أن يوسع قوائم العقوبات عدة مرات، كان آخرها في يناير/ كانون الثاني 2026".
إلا أن التقرير يرى في "العقوبات الجديدة تصعيد كبير؛ إذ انتقل الاتحاد من استهداف أشخاص وكيانات بعينها إلى فرض عقوبات قطاعية تستهدف أحد أهم أعمدة الاقتصاد السوداني".
ولفت إلى أن "القرار الأوروبي جاء بعد أيام قليلة من تبني البرلمان الأوروبي، في 9 يوليو، قرارا بأغلبية 476 صوتا مقابل 28 أدان فيه جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في السودان، مع تركيز خاص على حصار مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان".
كما دعا البرلمان إلى إدراج الدعم السريع على قائمة التنظيمات الإرهابية، إلا أن مجلس الاتحاد الأوروبي لم يتبنَّ هذا المقترح ضمن حزمة العقوبات الجديدة.

انتقادات علنية
علاوة على ذلك، نوَّه التقرير إلى أن "البرلمان وجه لأول مرة انتقادات علنية إلى الإمارات، متهما إياها بأنها الداعم الرئيس للدعم السريع، واتهم شركة (غلوبال سيكيوريتي سيرفيسز غروب) التي تتخذ من أبوظبي مقرا لها بانتهاك حظر الأمم المتحدة على توريد الأسلحة إلى دارفور".
وشركة "غلوبال سيكيوريتي سيرفيسز غروب" هي شركة أمنية خاصة مقرها أبوظبي، تقدم خدمات أمنية وإدارة مخاطر، وورد اسمها في تقارير وتحقيقات تناولت دور شركات أمنية خاصة في الحرب الدائرة بالسودان.
وأشار الموقع إلى أنه "بالتزامن مع الخطوة الأوروبية، أصدرت الأمم المتحدة في 15 يوليو تقريرا حذرت فيه من أن الذهب والصمغ العربي المنهوبين أصبحا من أبرز مصادر تمويل الحرب في السودان".
وأكد التقرير الأممي أن عائدات الذهب تمثل المصدر الرئيس لإيرادات كل من القوات المسلحة السودانية والدعم السريع، مشيرا إلى أن صادرات الذهب الرسمية حققت خلال عام 2024 نحو 1.6 مليار دولار، بما يعادل قرابة نصف إجمالي صادرات السودان.
وحول مسارات تدفق الذهب السوداني، كشفت تحقيقات وسائل إعلام ومراكز تحليلية عن "واقع مثير للقلق"، قال الموقع.
وتابع موضحا: "إذ يقدر الخبراء الأمميون ومحللون آخرون أن أكثر من نصف الذهب المنتج سنويا بالسودان، وربما يصل إلى 70 بالمئة بحسب بعض التقديرات، يتم تهريبه عبر دول مجاورة مثل مصر وتشاد وليبيا، قبل أن يصل في نهاية المطاف إلى دبي، التي تعد أحد أكبر مراكز تكرير وتجارة الذهب في العالم".
وأردف: "وتشير التقديرات إلى أن الدعم السريع تسيطر على معظم مناجم الذهب في دارفور وكردفان، بينما تسيطر القوات المسلحة السودانية على مناطق الإنتاج في شمال وشرق البلاد".
كما ينتج عمال التعدين الأهلي "نحو 80 بالمئة من الذهب السوداني، ويعمل معظمهم خارج منظومة الرقابة الرسمية، وهو ما يسهم في اتساع عمليات التهريب"، وفقا له.
ولا ينفصل قرار الاتحاد الأوروبي عن تحركات غربية ضد "اقتصاد الحرب"، فقد ذكر التقرير أن وزراء خارجية مجموعة السبع أصدروا في 15 يوليو بيانا مشتركا دعوا فيه أطراف الصراع في السودان إلى وقف الأعمال العدائية، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، والانخراط في مفاوضات بحسن نية للتوصل إلى حل للأزمة.
كما أعربت المجموعة عن دعمها للجهود التي تقودها الأمم المتحدة لخفض التصعيد، ودعت مجلس الأمن إلى توسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل السودان بأكمله.

حالة توافق
وفي تعليقه على هذه التطورات، قال الموقع: "يبدو حظر الاتحاد الأوروبي لتجارة الذهب السوداني، ظاهريا، إجراء قويا يستهدف اقتصاد الحرب بدقة".
واستدرك: "لكن التمعن في المنطق الكامن وراء هذه السياسة والقيود التي تواجهها على أرض الواقع يشير إلى أن نتائجها الفعلية قد لا تكون بالسرعة أو الفاعلية التي تأملها بروكسل".
وأوضح مقصده: "من الجانب الإيجابي، يحمل حظر الذهب أهمية رمزية كبيرة، كما ينطوي على قدر من القيمة العملية".
وعزا ذلك إلى أن "هذه هي المرة الأولى التي يستهدف فيها المجتمع الدولي بشكل مباشر جوهر اقتصاد الحرب في السودان من خلال عقوبات تستهدف قطاعا اقتصاديا بأكمله، بما يمثل انتقالا في فهم الصراع من كونه نزاعا سياسيا وعسكريا فحسب إلى عده أيضا حربا اقتصادية".
وتكمن أهمية القرار في "كون الذهب يمثل (شريان الحياة) للصراع السوداني؛ إذ وفر على مدى سنوات دعما ماليا مستمرا للأطراف المتحاربة".
ومن ثم، قدر التقرير أنه "من خلال قطع قنوات التصدير المشروعة للذهب وتقييد إمدادات المواد الكيميائية المستخدمة في التعدين، يمكن للاتحاد الأوروبي، من الناحية النظرية على الأقل، تضييق الحيز المالي المتاح للأطراف المتحاربة".
فضلا عن أن "القيود المفروضة على تصدير الزئبق والسيانيد تحمل أهمية إضافية على الصعيدين البيئي والصحي؛ إذ إن الاستخدام الواسع لهاتين المادتين السامتين في التعدين الأهلي للذهب يشكل منذ فترة طويلة تهديدا خطيرا لصحة عمال المناجم والمجتمعات المحيطة".
علاوة على ذلك، نوَّه الموقع إلى أن تحرك الاتحاد الأوروبي "جاء متزامنا مع تقرير أصدرته الأمم المتحدة في اليوم نفسه، بما أوجد حالة من التوافق على مستوى السياسات".
وتابع: "فقد أكدت الأمم المتحدة بوضوح أن الذهب والصمغ العربي يمثلان مصدرين رئيسيين لتمويل الحرب، وهو ما وفر أساسا قانونيا وواقعيا للعقوبات الأوروبية".
كما شدد الاتحاد الأوروبي في بيانه على "الأزمة الإنسانية التي تسبب فيها الصراع في السودان والانتهاكات المرتكبة للقانون الدولي، رابطا بين العقوبات الاقتصادية والاعتبارات الإنسانية، بما يعزز إلى حدّ ما المشروعية الأخلاقية للعقوبات". وفق تحليله.

قرارات متضاربة
مع ذلك، يعتقد التقرير أن "حدود حظر الأوروبي للذهب واضحة المعالم بالقدر نفسه، بل وربما تجعله مجرد حبر على ورق".
وبحسب وجهة نظره، فإن "أولى هذه القيود تتمثل في أن اتساع شبكات التهريب يجعل من الصعب تنفيذ الحظر بصورة فعلية".
وأرجع ذلك إلى أن "عمليات تهريب الذهب السوداني أصبحت شبكة عابرة للحدود ناضجة ومتكاملة، وتشير التقديرات إلى أن ما بين 50 بالمئة و80 بالمئة من الذهب يغادر البلاد سنويا عبر قنوات غير مشروعة".
وأردف: "ينتقل هذا الذهب عبر دول مجاورة مثل مصر وتشاد وليبيا قبل دخوله السوق العالمية، لينتهي في نهاية المطاف في دبي، التي تعد مركزا عالميا رئيسيا لتكرير الذهب وتجارته".
من هنا، تبرز المعضلة التي أشار إليها الموقع؛ إذ "يقتصر نطاق الحظر الأوروبي على أراضي الدول الأعضاء السبع والعشرين، في حين تقع أهم مراكز استيراد الذهب العالمية خارج الاتحاد الأوروبي".
وعليه، يقدر أنه إذا "ما دامت المراكز الرئيسة لتجارة الذهب، مثل الإمارات، لا تتخذ إجراءات مماثلة، فإن الذهب السوداني سيظل قادرا على تجاوز السوق الأوروبية ومواصلة تداوله".
واستطرد: "وكما أشار بعض المحللين، فإن العقوبات الأوروبية على الذهب السوداني قد تخطئ الهدف؛ لأن معظم الذهب السوداني تستورده وتبيعه الإمارات".
أما القيد الثاني فيتمثل، بحسب التقرير، في "غياب التنسيق بين مؤسسات الاتحاد الأوروبي ما يضعف فاعلية العقوبات".
واستشهد على ذلك بما حدث "في 9 يوليو حين اعتمد البرلمان الأوروبي بأغلبية ساحقة قرارا طالب فيه بإدراج الدعم السريع على قائمة المنظمات الإرهابية، وندَّد علنا بدور الإمارات في الحرب الأهلية السودانية".
مع ذلك، لفت التقرير إلى أن "مجلس الاتحاد الأوروبي، في حزمة العقوبات التي أقرها في 13 يوليو، لم يدرج الدعم السريع ضمن قائمة المنظمات الإرهابية، كما لم يتخذ أي إجراءات جوهرية ضد الإمارات".
ووفق تقديره، "يبعث هذا التباين بين موقفي السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية برسائل متضاربة إلى الخارج".
وبما أن الدعم السريع تسيطر على معظم مناجم الذهب ومسارات تهريبه، فإنه يرى أن "عدم تصنيفها كيانا غير قانوني يجعل تنفيذ حظر الذهب يواجه تحديات قانونية وعملية كبيرة".
ومن الجدير بالذكر أن البرلمان الأوروبي "كان قد اشتكى في وقت سابق من أن أبوظبي مارست حملة ضغط واسعة داخل البرلمان، نجحت من خلالها في تخفيف حدة الانتقادات الموجهة إلى دورها في الحرب الأهلية السودانية". وفق ما أورده التقرير.
باختصار، يعتقد الموقع أن "المشكلة الأعمق تتمثل في أن حظر الذهب الذي فرضه الاتحاد الأوروبي يتجاهل البعد الجيوسياسي للصراع السوداني".
وتابع موضحا: "فلم تعد الحرب الأهلية في السودان مجرد نزاع داخلي، بل تحولت إلى حرب بالوكالة تشارك فيها أطراف إقليمية ودولية عدة؛ حيث ويحظى كل من القوات المسلحة السودانية والدعم السريع بدعم من قوى خارجية مختلفة".
في هذا السياق، ذكر الموقع أنه "في مايو/ أيار 2025، أعلن مجلس الأمن والدفاع السوداني قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات، متهما إياها بتزويد الدعم السريع بالأسلحة".
واستطرد: "كما أصبح البرلمان الأوروبي أول مؤسسة أوروبية تشير علنا إلى الإمارات بوصفها (الداعم الرئيس) للدعم السريع".
وعليه، خلص التقرير إلى أنه "ما دامت الأسلحة والأموال لا تزال تتدفق من القوى الخارجية، فمن الصعب أن يؤدي الاكتفاء بقطع أحد مصادر التمويل، وهو تجارة الذهب، إلى تغيير مسار الصراع بصورة جوهرية".

إجراء شكلي
من منظور إنساني، حذر الموقع من أن الحظر الأوروبي "قد يؤدي أيضا إلى عواقب غير متوقعة؛ فقد تعرض الاقتصاد السوداني لدمار واسع بسبب الحرب، وتشير تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن استمرار الصراع أعاد الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاما".
في هذا الإطار، لفت التقرير إلى أن "الذهب يعد أحد القطاعات القليلة التي لا تزال توفر للسودان إيرادات من النقد الأجنبي، ومن ثم قد يؤدي الحظر إلى زيادة الضغوط على سبل عيش المواطنين، في حين تظل الأطراف المتحاربة قادرة على مواصلة أنشطتها عبر التهريب".
ورغم إقراره أن الاتحاد الأوروبي "أدرج استثناءات لأغراض إنسانية ضمن قرار الحظر"، إلا أن "ضمان عدم تحويل المساعدات الإنسانية عن وجهتها، والتمييز بين التعدين المشروع وتمويل الصراع، يظلان من أكثر التحديات تعقيدا". وفق تقديره.
في نهاية المطاف، يرى الموقع في قرار حظر الذهب الذي فرضه الاتحاد الأوروبي "محاولة تستحق التقدير؛ إذ يعكس إدراكا متأخرا للدور المحوري الذي يؤديه اقتصاد الحرب في الصراع السوداني".
لكنه شدَّد على أنه "إذا لم يحظَّ هذا الحظر بدعم مراكز تجارة الذهب الرئيسة في العالم، وإذا ظل الاتحاد الأوروبي عاجزا عن توحيد موقفه بشأن القضايا الأساسية، وإذا استمر الدعم الخارجي لأطراف الصراع دون قيود مماثلة، فمن المرجح أن يتحول هذا الحظر إلى مجرد إجراء شكلي يبدو فعالا على الورق، لكنه يعجز عن إحداث تغيير حقيقي في واقع حرب السودان".
ومع أنه يقر أن "العقوبات الاقتصادية قد تؤدي دورا مساعدا إلى حد ما"، لكنها، وفق رأيه، "لن تكون بديلا عن الإرادة السياسية الحقيقية والجهود الدبلوماسية".
واختتم الموقع قائلا: "يُعد حظر الاتحاد الأوروبي على الذهب اختبارا حاسما، فهو لا يختبر قدرة بروكسل على التحرك في الأزمات الدولية فحسب، بل يختبر أيضا ما إذا كان بإمكان المجتمع الدولي تجاوز الحسابات الجيوسياسية وإعطاء الأولوية الحقيقية لحياة المدنيين وكرامتهم في المقام الأول".

















