القصف السعودي للعراق.. منعطف جديد في صراع النفوذ ضد إيران

شدوى الصلاح | منذ يوم واحد

12

طباعة

مشاركة

في تطور ميداني غير مسبوق أعاد رسم خطوط المواجهة المباشرة في المنطقة، ووضع العلاقات بين الرياض وبغداد أمام أحد أصعب اختباراتها منذ عقود، نفذت القوات الجوية السعودية، بالتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم"، ضربات داخل الأراضي العراقية استهدفت مواقع لفصائل مسلحة موالية لإيران، بحسب الرياض وواشنطن.

وفي 29 يوليو/تموز 2026، أعلنت وزارة الدفاع السعودية أن القوات المسلحة نفذت، بالتنسيق مع القيادة المركزية الأميركية، ضربات "نوعية محددة" ضد أهداف تابعة لفصائل مسلحة موالية لإيران داخل العراق، متهمة تلك الفصائل بالوقوف وراء الهجمات التي استهدفت منشآت بترولية في المملكة خلال الأيام الماضية.

وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع السعودية، تركي المالكي: إن الضربات جاءت "انطلاقًا من حق الدفاع عن النفس الذي يكفله القانون الدولي، وفق المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة".

وأشار المالكي إلى أن الدفاعات الجوية السعودية أعلنت خلال اليومين الماضيين اعتراض وتدمير طائرات مسيّرة حاولت استهداف منشآت بترولية في المنطقتين الشرقية والرياض، مؤكدا أن تلك "الاعتداءات الإرهابية انطلقت من الأراضي العراقية ونفذتها مليشيات إرهابية موالية لإيران".

وشدد على أن "المملكة لا تسعى إلى التصعيد، لكنها سترد على أي عدوان يستهدف أمنها ومقدراتها".

من جانبها، قالت القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم"، عبر منصة "إكس": إن القوات الأميركية والسعودية نفذت "ضربات دقيقة في العراق استهدفت إرهابيين موالين لإيران وجّههم الحرس الثوري الإيراني لمهاجمة القوات الأميركية والبنية التحتية للطاقة في السعودية".

وأضافت أن طائرات مقاتلة أميركية وسعودية استهدفت مواقع لوجستية ومستودعات أسلحة تابعة لتلك الفصائل في مناطق متفرقة من شرق العراق، مقدرة أن العملية جاءت "ردًا قويًا" على أكثر من 30 هجومًا بطائرات مسيّرة نُسبت إلى الحرس الثوري الإيراني خلال الساعات الـ72 الماضية.

وكان رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، قد وجّه في 27 يوليو/تموز 2026 الجهات الأمنية المختصة بفتح تحقيق في معلومات قدمتها السعودية تفيد بأن الطائرات المسيّرة التي استهدفت المملكة انطلقت من الأراضي العراقية.

في المقابل، أعلنت هيئة الحشد الشعبي، في بيان عبر منصة "تلغرام"، أن عددًا من مقراتها الرسمية في مناطق متفرقة من العراق تعرضت لـ"هجمات غادرة" نفذتها القوات الأميركية والسعودية.

وأضافت أن الهجمات أسفرت، وفق المعلومات الأولية، عن سقوط قتلى وجرحى، إلى جانب أضرار مادية في عدد من المباني والممتلكات التابعة للهيئة، مقدرة أن ما جرى يمثل "تصعيدًا بالغ الخطورة وانتهاكًا لسيادة العراق واستهدافًا لمؤسساته الأمنية الرسمية".

كما أعلنت قيادة عمليات الحشد الشعبي في البصرة إصابة عنصرين في قصف جوي استهدف مقر القيادة.

وقالت، في بيان: إن "مقر قيادة الحشد الشعبي في البصرة تعرض عند الساعة الثانية صباحًا إلى استهداف جوي، أسفر، وفق المعلومات الأولية، عن إصابة عنصرين بجروح".

وجاءت هذه الضربات بعد أسابيع من التوتر المتصاعد بين الرياض وبغداد، رافقها حراك دبلوماسي سعودي مكثف، تضمن تقديم معلومات وإحداثيات استخباراتية للحكومة العراقية، قالت: إنها تثبت استخدام فصائل مسلحة مناطق صحراوية قرب الحدود المشتركة، بينها صحراء النجف والمثنى، منصات لإطلاق الطائرات المسيّرة باتجاه العمق السعودي.

ورغم إعلان رئيس الوزراء العراقي تشكيل لجان تحقيق رسمية، وتأكيده أن بغداد لن تسمح باستخدام أراضيها منطلقًا للاعتداء على الدول المجاورة، فإن استمرار الهجمات بالطائرات المسيّرة دفع الرياض، وفق روايتها، إلى الانتقال من التحذيرات الدبلوماسية إلى خيار الرد العسكري المباشر داخل الأراضي العراقية.

ويأتي هذا التصعيد في توقيت إقليمي شديد الحساسية، مع اتساع نطاق المواجهة المرتبطة بحرب الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية الممتدة بين إيران وحلفائها من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى، عبر ساحات العراق واليمن والأردن والخليج.

كما يتزامن مع تعثر المساعي الدولية الرامية إلى احتواء التوتر بين واشنطن وطهران، عقب انتهاء هدنة مؤقتة بين الجانبين، وفي ظل ضغوط أمريكية متزايدة على الحكومة العراقية لضبط نشاط الفصائل المسلحة الموالية لإيران، التي ترى واشنطن أن عملياتها العابرة للحدود تهدد بجر العراق إلى مواجهة إقليمية أوسع.

وكانت الولايات المتحدة وإيران قد أوقفتا، في 24 يوليو/تموز الجاري، الهجمات العسكرية المباشرة بينهما، إلا أن التوتر استمر عبر هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت منشآت ومواقع عسكرية في عدد من الدول العربية.

وسبق ذلك توقيع واشنطن وطهران، في 18 يونيو/حزيران الماضي، مذكرة تفاهم والدخول في مفاوضات للتوصل إلى اتفاق نهائي، قبل أن تتعثر المحادثات بسبب خلافات تتعلق بضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الإستراتيجية لإمدادات الطاقة والتجارة العالمية.

اعتداء سافر

وتباينت ردود فعل الناشطين على منصات التواصل بشكل واضح حول القصف السعودي-الأميركي المشترك على مواقع مرتبطة بالحشد الشعبي في مناطق عراقية متعددة (مثل ديالى، البصرة، صلاح الدين، وغيرها)، بين من يدينه كعدوان على سيادة العراق وانتهاك له، ومرحب به كرد على العدوان.

ورأى مستنكرو القصف السعودي الأميركي للعراق عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #القصف_السعودي، #العراق، #الحشد_الشعبي، #السعودية، #أميركا، وغيرها، أن الضربات اعتداء سافر على  سيادة الدولة العراقية وخرق للمواثيق الدولية.

ودعا سياسيون وخبراء وناشطون الحكومة في بغداد إلى اتخاذ مواقف حازمة تشمل الرد العسكري أو تجميد العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع الرياض وأن يكون له موقف في مجلس الأمن الدولي، مهددين السعودية بأنها لا تعرف عواقب ما فعلته.

رد مشروع

في المقابل، أعرب كتاب وإعلاميون وسياسيون وناشطون عن تأييدهم للضربات السعودية الأميركية لمقار الحشد الشعبي في العراق، ورأوه ردا مشروعا متأخرا ولكنه جاء صاعقا، مؤكدين أنها ضربات محدودة يمكن عدها "ضربات ردع" وفق قواعد الاشتباك وقوانين الأمم المتحدة.

وأشاروا إلى أن السعودية حرصت على ألا تستهدف مدنيين وركزت أهدافها على مقار الحشد الشعبي المعتدي على أرضها، لافتين إلى أن النظام الإيراني يستخدم أذرعه في المنطقة لاستهداف المتمثلة في الحشد الشعبي في العراق والحوثي في اليمن وغيرهم لاستهداف دول خليجية وعربية.

تأييد عراقي

وأبدى ناشطون عراقيون تأييداً واضحاً أو فرحاً باستهداف السعودية لمواقع الحشد الشعبي، عادين إياه ردًا مشروعًا على اعتداءات المليشيات على السيادة السعودية وتهديدها للعراق نفسه. 

وأشاروا إلى أن الحشد (أو فصائله) يعمل خارج سيطرة الدولة العراقية كوكر لإيران، وأن الضربات السعودية طمأنينة للعراقيين الأحرار، ورد طبيعي على قصف المنشآت النفطية السعودية، مطالبين الحشد وكل الفصائل الموالية لإيران بالكف عن توريط العراق في حروب وأزمات خارجية.

ووصف بعضهم الضربات بـ"الدقيقة" التي تجنبت المدنيين، ورأوا فيها فرصة لتقليص نفوذ المليشيات، بينما انتقد آخرون الحكومة العراقية لضعفها أمام هذه الفصائل.

ورطة الزيدي

ورأى ناشطون أن حكومة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أصبحت في ورطة كبيرة أو أزمة سياسية وأمنية خطيرة بعد الضربات السعودية-الأميركية على مقرات الحشد الشعبي؛ إذ رأوها انتهاكاً للسيادة العراقية وتصعيداً إقليمياً، مما يضع حكومة الزيدي أمام خيارات صعبة.

ومنها إما الرد بقوة (مثل ضربات جوية أو مواجهة) لاستعادة هيبتها أمام الفصائل المسلحة والرأي العام، أو السكوت/التواطؤ المفترض (خاصة مع زيارة محتملة للسعودية)، مما يُعد خيانة تؤدي إلى انفجار الوضع الداخلي، تمرد الفصائل، وبسط نفوذ الحشد أكثر. 

كما رأوا أن الضربات السعودية الأميركية تكشف ضعف الحكومة في حصر السلاح وتحمي العراق، وقد تؤجل زيارات أو تعيد شراسة المليشيات ضد الدولة، محوّلة العراق إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية.

قواعد اللعبة

وقدم محللون وباحثون وخبراء (عسكريون وسياسيون) تحليلات وقراءات للضربات السعودية-الأميركية المشتركة على مواقع الحشد الشعبي في العراق، وتحدثوا عن الرسائل التي حملتها الضربات، والتداعيات الإقليمية والمآلات، مؤكدين أن قواعد اللعبة تغيرت وفرضت معادلات جديدة.