الشرع يعيد تموضع سوريا.. انفتاح على الخليج وروسيا ورسائل إلى لبنان وإسرائيل

شدوى الصلاح | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في خطوة سياسية بارزة تعكس توجهات سوريا الجديدة نحو الاستقرار الإقليمي والانفتاح الدولي، أدلى الرئيس السوري أحمد الشرع بتصريحات مهمة رسمت ملامح سياسة خارجية أكثر واقعية وبراغماتية في التعامل مع ملفات سلاح حزب الله، والوجود الروسي، والعلاقات الخليجية، والاتفاق الأمني مع إسرائيل.

وأحدثت تصريحات الشرع التي أدلى بها خلال مقابلة تلفزيونية مع قناة الجزيرة بُثت في 26 يوليو/تموز 2026، تحولاً سياسياً لافتاً أعاد صياغة العقيدة الدبلوماسية والأمنية لدمشق، واضعاً البلاد على أعتاب مرحلة إستراتيجية جديدة، تقوم على الانفتاح على مختلف الأطراف الإقليمية والدولية.

وأكد الرئيس السوري تمسك بلاده بمبدأ عدم الانخراط في صراعات المنطقة، والعمل على استعادة دور الدولة ومكانتها الإقليمية. مشدداً على أن سوريا لا ترغب في أن تكون جزءاً من أي محور إقليمي أو ساحة لتصفية الحسابات بين القوى المتنافسة، وأن الأولوية تتمثل في إعادة بناء الدولة وتحقيق الاستقرار الداخلي.

الملفات الخارجية

وفي الملف اللبناني، أكد الشرع أن بلاده لا تعتزم القيام بأي تدخل عسكري في لبنان. مشيراً إلى أن دمشق تبحث مع الحكومة اللبنانية سبل تجاوز الأزمة، ومشدداً على أن معالجتها لا تقتصر على المقاربة الأمنية، بل تتطلب حلاً شاملاً يعالج مختلف أبعادها.

وحذر من أن أي حالة فوضى في لبنان ستنعكس بصورة مباشرة على سوريا، مؤكداً دعم دمشق لحصر السلاح وقرار السلم والحرب بيد الدولة اللبنانية، ومعرباً عن مخاوفه من اتساع رقعة الحرب في المنطقة وما قد يترتب عليها من تداعيات إقليمية.

كما شدد على ضرورة تمكين الدولة اللبنانية من بسط سلطتها الكاملة وتنفيذ اتفاق الطائف، بما في ذلك حصر السلاح بيد الدولة، مقدرا أن تجربة وجود جماعات مسلحة خارج مؤسسات الدولة أثبتت فشلها في أكثر من دولة في المنطقة.

وتطرق الشرع إلى دور حزب الله، مشيراً إلى مشاركته إلى جانب النظام السابق في مواجهة الثورة السورية، ومؤكداً ضرورة معالجة هذه القضية عبر حلول سياسية واقتصادية وأمنية متكاملة، بعيداً عن أي تدخل عسكري سوري في لبنان.

ورأى أن حل الأزمة اللبنانية ليس بالضرورة أمنياً، متحدثاً عن مقاربة شاملة تعمل عليها دمشق، كما أبدى تشاؤمه بشأن فرص نجاح الاتفاق الأمني بين لبنان وإسرائيل، مقدرا أنه يتضمن ثغرات كبيرة.

وفيما يتعلق بالعلاقة مع روسيا، قال الشرع: إن دمشق تربطها بموسكو مصالح كبيرة، وإنها سارعت إلى فتح صفحة جديدة معها. مضيفاً أن النقاش مع الجانب الروسي بشأن مستقبل قواعده العسكرية في سوريا لم يُحسم بعد.

وأوضح أن الجانبين اتفقا على إزالة معظم القواعد العسكرية الروسية، مع الإبقاء على وجود محدود في قاعدة حميميم وجزء من قاعدة طرطوس، فيما لا تزال المفاوضات مستمرة بشأن مستقبل هذا الوجود العسكري.

وشدد على أن العلاقة مع روسيا تستند إلى مصالح إستراتيجية في مجالات الطاقة والغذاء والتسليح. مؤكداً أن سوريا تسعى إلى الحفاظ على ما يخدم مصالحها الوطنية وإعادة صياغة العلاقة على أسس جديدة تقوم على الاحترام المتبادل.

وفي سياق العلاقات العربية، أشاد الشرع بالدور الذي لعبته دول الخليج،  لا سيما السعودية وقطر والإمارات، في دعم سوريا سياسياً واقتصادياً، مؤكداً أن عدداً من الاستثمارات الخليجية بدأ بالفعل في قطاعات الطاقة والمطارات والعقارات والسياحة، فيما تعمل الحكومة السورية على تطوير البيئة القانونية والإدارية لجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية.

ووصف علاقات بلاده مع العراق بأنها تشهد تحسناً، مؤكداً أن دمشق تعتمد في تعاملها مع بغداد وبيروت على التواصل مع الحكومات الرسمية، وليس مع الفصائل المسلحة، انطلاقاً من قناعة بأن تعزيز مؤسسات الدولة هو الضمانة الأساسية لاستقرار العلاقات بين الدول.

كما تطرق الشرع إلى الترتيبات الأمنية المحتملة مع إسرائيل، قائلاً: إن بلاده تعمل على التوصل إلى اتفاق أمني معها بمشاركة عدد من الدول.

وأضاف أن سوريا تتجنب الصدام مع إسرائيل؛ لأنه لا يخدم مصالحها. مشيراً إلى أن مستقبل العلاقة معها مرتبط بحسن تنفيذ كل مرحلة من مراحل أي اتفاق.

وأوضح أن نجاح الاتفاق الأمني المحتمل مع إسرائيل قد يمهد الطريق نحو سلام شامل، من دون التفريط بحق سوريا في استعادة الجولان.

وجاءت هذه التصريحات من أحمد الشرع الذي قاد سابقاً جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام، لتشكل ذروة تحوله من قائد لتنظيم مسلح إلى رجل دولة يتبنى خطاب الدبلوماسية والعلاقات الدولية، ويرتدي ثوب الدولة الحديثة.

وتعيش سوريا مرحلة انتقالية عقب إسقاط النظام السابق، وتسعى الإدارة الجديدة إلى كسب الاعترافين الإقليمي والدولي، وجذب التمويل اللازم لإعادة إعمار البلاد بعد أكثر من خمسة عشر عاماً من الحرب.

كما جاءت تصريحات الشرع في توقيت إقليمي شديد الحساسية، تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط تصعيداً وإعادة تشكيل لموازين القوى بين إسرائيل وإيران، بالتزامن مع تراجع نسبي للنفوذ الروسي نتيجة انشغاله بملفات جيوسياسية أخرى.

ويرى مراقبون أن المقابلة حملت رسائل طمأنة واضحة إلى العواصم الغربية والعربية والإقليمية، مفادها أن سوريا الجديدة لن تكون منصة لتهديد جيرانها، أو ممراً لدعم الجماعات المسلحة، أو ساحة مفتوحة للنفوذ الروسي أو الإيراني، بل دولة تسعى إلى بناء علاقات متوازنة تقوم على المصالح المشتركة والاستقرار الإقليمي.

تصريحات حكيمة

وأشاد ناشطون على منصات التواصل بتصريحات الشرع التي أكد فيها دعم سوريا لحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية الرسمية فقط، ورفض وجود أي سلاح خارج سلطتها (خاصة في إشارة إلى حزب الله)، وصفوا التصريح بالحكيم لأنه يمثّل قطيعة مع حقبة سابقة عُدّت فيها دمشق ممراً وشريان إمداد عسكري للمليشيات.

ورأوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #أحمد_الشرع، #سوريا، #سوريا_الجديدة، #لبنان، #حزب_الله، وغيرها، أن تصريحات الشرع تفتح صفحة جديدة تقوم على احترام السيادة اللبنانية والمؤسسات الرسمية، فيما ذهب ناشطون لتأكيد وجود دور سوري في نزع السلاح. 

كما رحَّب ناشطون بدعم الشرع لاتفاق الطائف، ويرون أنه يعكس رغبة الإدارة السورية الجديدة في بناء علاقات طبيعية مع جيرانها مبنية على السيادة والتعاون بين الدول، لا على دعم المليشيات أو التدخلات، مما ينهي مرحلة من التوترات والفوضى الأمنية التي أضرت بالبلدين.

ويُمثّل اتفاق الطائف، الموقع في المملكة العربية السعودية عام 1989، حجر الزاوية الذي أنهى حقبة الحرب الأهلية اللبنانية الدامية وصاغ الملامح السياسية والأمنية للبنان الحديث.

وجاءت الإشارة الأخيرة إليه من قِبل الإدارة السورية الجديدة لتسلط الضوء مجدداً على بنوده السيادية؛ إذ يقرّ الاتفاق صراحة ببسط سلطة الدولة على كامل ترابها الوطني، وحل جميع المليشيات المسلحة دون استثناء وتسليم أسلحتها إلى الدولة.

ويتقاطع ذلك مع الرغبة الإقليمية الحالية في إنهاء المظاهر العسكرية غير الرسمية وحصر قرار السلم والحرب بيد المؤسسات الدستورية اللبنانية وحدها.

ويؤكد الاتفاق على أن المؤسسات الدستورية الرسمية (الحكومة ومجلس النواب) هي الجهة الوحيدة المخولة برسم السياسة الدفاعية والسيادية للبنان، وهو ما يتقاطع أيضا مع رغبة الإدارة السورية الجديدة في عدم انجرار الجارة لبنان (وبالتالي سوريا) إلى حروب إقليمية.

رجل دولة

وأثنى ناشطون على ظهور الشرع كرجل دولة ناضج سياسيا وواقعي وصاحب أسلوب دبلوماسي، يتحدث بلغة المصالح والمستقبل بعيداً عن الشعارات، مع التركيز على إعادة الإعمار والعلاقات الخارجية المتوازنة، مشيدين بواقعيته في الملفات الخدمية والاقتصادية دون رفع سقف التوقعات.

وحلل البعض لغة جسده كمرتاحة ومطمئنة تعكس ثقة وثباتاً، مع إجابات حاضرة الذهن ومكثفة تظهر حذراً دبلوماسياً وتجنباً للصدامات، وأبرزوا ثقته بالشعب السوري ("السوريين لا تخاف عليهم رح يعمروها") كدليل على قيادة حكيمة تبعث على التفاؤل، عادين ذلك إدارة ناجحة للمرحلة الانتقالية.

سيادة سوريا

ورحب ناشطون بتصريحات الشرع حول استمرار النقاش مع روسيا بشأن مستقبل قواعدها العسكرية (مثل حميميم وطرطوس) كدليل واضح على سيادة سوريا الجديدة وقدرتها على إعادة صياغة علاقاتها الدولية بما يخدم مصالحها الوطنية، بعيداً عن التبعية أو الوصاية. 

وعدوا هذه المناقشات فرصة تاريخية لتقليل النفوذ الأجنبي الذي ترسخ خلال عقود حكم الأسد، وفتح الباب أمام شراكات متوازنة مع دول متعددة، مع التركيز على بناء دولة مستقلة قرارها وطني خالص، يحقق الاستقرار والتنمية ويحافظ على كرامة السوريين بعد سنوات الدمار. 

وحافظت روسيا على قاعدتين عسكريتين رئيستين لها في سوريا بعد التوصل إلى تفاهمات قضت بإزالة أكثر من 112 قاعدة ونقطة عسكرية روسية كانت منتشرة في المحافظات السورية سابقاً.

وهما قاعدة حميميم الجوية وقاعدة طرطوس البحرية، وتقع حميم جنوب شرق مدينة اللاذقية على الساحل السوري، وتُعد مركز العمليات الجوية الروسية الرئيسي في سوريا، ونقطة الانطلاق الكبرى لأنشطتها العسكرية في منطقة شرق المتوسط.

وتستخدم روسيا قاعدة حميميم كمحطة لوجستية لدعم وتوجيه تحركاتها وقواتها المتجهة نحو القارة الإفريقية، وجرى الاتفاق الأولي على بقاء الانتشار الروسي فيها مؤقتاً، مع استمرار المفاوضات لتحديد شكل وطبيعة المهام المستقبلية ضمن عملية "إعادة الهيكلة".

أما قاعدة طرطوس تقع في مدينة طرطوس على الساحل السوري، وتُمثل القاعدة البحرية الوحيدة لروسيا في البحر الأبيض المتوسط، وتضم منشآت للدعم اللوجستي وتأمين وتطوير السفن والقطع البحرية الروسية.

وتبدي موسكو تفهماً للتوجهات السورية الجديدة؛ حيث تسعى عبر هذه المباحثات إلى تحويل طبيعة مهام قواتها المتبقية نحو الأدوار اللوجستية بما يتناسب مع المرحلة السياسية الجديدة.

ترتيبات أمنية

وبرز تباين واضح في ردود الفعل على إعلان الشرع سعي دمشق إلى التوصل لترتيبات أمنية مع إسرائيل بمشاركة دولية؛ إذ رأى فريق أن هذه الخطوة تمثل مقاربة براغماتية ضرورية لتجنب التصعيد العسكري، وتعزيز الاستقرار، وتهيئة الطريق أمام سلام شامل أو تسوية سياسية، مع الحفاظ على الحقوق السورية.

وعدّ أصحاب هذا الرأي أنها تعكس واقعية سياسية فرضتها التوغلات الإسرائيلية، وتنسجم مع أولوية إعادة الإعمار واستعادة الاستقرار الداخلي.

في المقابل، انتقده آخرون بشدة، وعدوه تطبيعاً أو تنازلاً يضعف الموقف العربي والمقاومة، خاصة مع استمرار الاحتلال للجولان والضربات الإسرائيلية على الجنوب، ويثير مخاوف من "خيانة" أو تحول في سياسة سوريا الجديدة.