من الوساطة إلى الضغوط.. لماذا وجدت عُمان نفسها في مرمى تهديدات ترامب؟

سلطنة عُمان تُعد من أبرز حلفاء الولايات المتحدة في الخليج
في مفارقة لافتة، تحولت سلطنة عُمان التي لطالما لعبت دور الوسيط الإقليمي والضامن لقنوات التواصل بين واشنطن وطهران، إلى هدف لضغوط وتهديدات من حليفها الأميركي نفسه، بعدما لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بـ"تفجيرها" إذا دعمت الموقف الإيراني في ملف مضيق هرمز.
وعلى مدى عقود، قُدمت سلطنة عُمان بوصفها "الوسيط الهادئ" في منطقة الخليج، والدولة التي نجحت في الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع كل من الولايات المتحدة وإيران. كما لعبت دوراً محورياً في رعاية قنوات الحوار بين الطرفين، وكادت أن تسهم في التوصل إلى اتفاق يمنع اندلاع الحرب، قبل أن تتعثر تلك الجهود وسط اتهامات بتأثر القرار الأميركي بالضغوط الإسرائيلية.
وجاءت تهديدات ترامب لعُمان على خلفية الجدل المتصاعد بشأن مستقبل إدارة مضيق هرمز، بعدما أكدت إيران أنها تجري مشاورات مع مسقط حول ترتيبات تتعلق بإدارة الممر المائي الإستراتيجي. كما أشارت تقارير، من بينها ما نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، إلى انفتاح عُمان على مناقشة آليات تتعلق بفرض رسوم على حركة الملاحة في المضيق.
وأعادت هذه التطورات طرح تساؤلات حول حدود العلاقة بين الحليف الأميركي والدول الشريكة له في المنطقة، وكشفت أن دور الوساطة والضمانات السياسية قد لا يوفر الحماية الكاملة في أوقات الأزمات والتوترات الجيوسياسية.
كما أثارت هذه التهديدات مخاوف خليجية أوسع من أن التحالف مع الولايات المتحدة لم يعد يُنظر إليه بوصفه ضمانة مطلقة للاستقرار والأمن، بل قد يتحول، في لحظات التصعيد إلى أداة ضغط تستخدم حتى بحق أقرب الحلفاء والشركاء الإقليميين.
ضحية الاستقطاب
جاء تهديد ترامب رغم أن سلطنة عُمان تُعد من أبرز حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، كما لعبت دور الوسيط خلال الحرب الأخيرة في المنطقة، غير أنها وجدت نفسها في نهاية المطاف ضحية للاستقطاب الأميركي الإيراني، أو ساحةً غير مباشرة للمواجهة بين الطرفين.
وأظهرت تصريحات ترامب أن إدارته تنظر بقلق إلى التموضع العُماني الذي بدا، من وجهة نظرها، أقرب إلى الموقف الإيراني خلال الحرب الأميركية الإسرائيلية على طهران، وهي الحرب التي أفرزت واقعا جيوسياسيا جديدا في المنطقة، يتصدره ملف السيطرة على مضيق هرمز ومستقبل إدارته.
كما تعكس اللغة التي يستخدمها ترامب في مخاطبة دول يفترض أنها حليفة وصديقة لواشنطن، سواء تجاه السعودية وقطر أو سلطنة عُمان، حجم الاستياء الأميركي من رفض هذه الدول الانضمام إلى اتفاقيات "أبراهام" للتطبيع مع إسرائيل.
ويرى مراقبون أن هذه المواقف قد تترك تداعيات على مستقبل الشراكة الأميركية الخليجية، وربما تثير تساؤلات حول مستقبل الوجود العسكري والقواعد الأميركية المنتشرة في المنطقة.
وكان وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي قد أكد، خلال لقاء مع رؤساء تحرير الصحف المحلية في 11 مارس/آذار 2026، أن بلاده لن تنضم إلى اتفاقيات "أبراهام"، داعيا الإدارة الأميركية إلى تفهم هذا الموقف.
وأوضح البوسعيدي أن الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران لا تستهدف البرنامج النووي الإيراني فحسب، بل تهدف أيضا إلى إضعاف إيران وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدفع بملف التطبيع، فضلا عن تقويض فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة.
وأشار إلى أن أهداف الحرب تتجاوز الملف النووي لتندرج ضمن مشروع أوسع لإعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة وإضعاف الأطراف الداعمة لإقامة الدولة الفلسطينية.
وفي هذا السياق، هدد ترامب بـ"تفجير" عُمان إذا لم "تتصرف كما ينبغي"، وذلك بعد تقارير تحدثت عن مشاورات بين طهران ومسقط بشأن آلية مشتركة لفرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز الذي أُغلق عقب اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
وقال ترامب، في 26 مايو/أيار 2026، إن إيران تسعى إلى إقناع عُمان، الحليف التقليدي لواشنطن، بدعم خطة لفرض رسوم عبور على السفن المارة عبر المضيق. مضيفا: "إنهم يريدون السيطرة عليه"، قبل أن يهدد قائلا: "ستتصرف عُمان مثل الجميع تماما، وإلا فسيتعين علينا تفجيرهم".
وجاءت تصريحات ترامب بعد أن أعلن التلفزيون الرسمي الإيراني حصوله على مسودة غير رسمية لاتفاق من شأنه إعادة حركة الملاحة التجارية عبر مضيق هرمز إلى مستويات ما قبل الحرب خلال شهر واحد.
وبحسب ما أوردته وسائل إعلام إيرانية، فإن المسودة تتضمن إدارة مشتركة للمضيق بين إيران وسلطنة عُمان، إلى جانب رفع الولايات المتحدة حصارها على الموانئ الإيرانية وسحب قواتها العسكرية من مناطق قريبة من الحدود الإيرانية.
مخاطر التهديد
يرى محللون سياسيون أن التهديدات الأميركية ضد سلطنة عُمان التي تعد شريكا أمنيا واقتصاديا وثيقا لواشنطن، تمثل تحولا غير مألوف في طبيعة العلاقة بين البلدين، وتثير تساؤلات حول مستقبل الشراكة الأميركية مع حلفائها التقليديين في الخليج.
وقال براين كاتوليس، الباحث البارز في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، لشبكة "سي إن بي سي" في 29 مايو/أيار 2026: إن أهمية سلطنة عُمان تكمن في كونها "سويسرا الشرق الأوسط"، نظرا لدورها كوسيط محايد يحتفظ بعلاقات مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية.
وأضاف أن تهديد ترامب لعُمان يثير الاستغراب، مقدرا أنه يعكس "حالة من الإحباط واليأس بسبب عجزه عن تحقيق النتائج التي كان يأملها تجاه إيران"، كما يمثل، بحسب وصفه، "مثالا جديدا على الدبلوماسية الاستعراضية واستخدام الخطاب الإعلامي الصاخب، وهو أمر من غير المرجح أن يتجاوز حدود التصريحات".
من جانبه، رأى مهران حقيريان، مدير الأبحاث والبرامج في مؤسسة "بورصة وبازار" الاقتصادية، أن تصريحات ترامب قد تكون مرتبطة باستيائه من وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، الذي قاد جهود الوساطة بين واشنطن وطهران قبل اندلاع الحرب في فبراير/شباط 2026.
وأشار إلى أن البوسعيدي انتقد لاحقا الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران. مؤكدا أن "الاتفاق كان في متناول اليد" قبل أن تختار واشنطن مسار المواجهة العسكرية.
وقبيل اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط 2026، ظهر وزير الخارجية العُماني في مقابلة مع شبكة "سي بي إس" الأميركية، وأكد أن المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران أحرزت تقدما ملموسا، وأن فرص التوصل إلى اتفاق كانت قائمة، معربا عن استغرابه من اللجوء إلى الخيار العسكري.
وفي السياق ذاته، كتب الأكاديمي المتخصص في العلاقات الدولية وشؤون الخليج، عبد الله بابود، عبر منصة "إكس"، أن تهديد سلطنة عُمان، "الشريك الأميركي السلمي والمحايد والوثيق"، يمثل "خطأ إستراتيجيا جسيما".
وأضاف أن تقويض أحد أكثر جسور التواصل الدبلوماسي موثوقية مع إيران لا يؤدي إلا إلى إضعاف فرص الحلول السياسية، ويُلحق ضررا بمصداقية الولايات المتحدة لدى حلفائها في الخليج.
من جهة أخرى، انتقدت صحيفة "ذا نيشن" الأميركية، في تقرير نشرته بتاريخ 29 مايو/أيار 2026، تهديدات ترامب ضد سلطنة عُمان، ووصفتها بأنها تعكس سلوكا يهدف إلى التنفيس عن الإخفاقات السياسية عبر استهداف أطراف أقل قدرة على المواجهة.
وأشارت الصحيفة إلى أن عُمان ظلت حليفا للولايات المتحدة لعقود طويلة، كما تستضيف وجودا عسكريا أميركيا مهما، متسائلة عن جدوى تهديد دولة يُفترض أن تكون ضمن المعسكر الحليف لواشنطن.
وأضافت أن أحد المبررات الأساسية التي تطرحها الإدارة الأميركية لتدخلاتها العسكرية في المنطقة يتمثل في حماية الحلفاء الخليجيين، وفي مقدمتهم سلطنة عُمان، من التهديدات الإقليمية.
كما لفتت إلى أن عُمان ليست الدولة الوحيدة التي تعرضت لضغوط من ترامب، مشيرة إلى محاولاته ممارسة ضغوط على السعودية وقطر وباكستان للانضمام إلى اتفاقيات "أبراهام"، ويرى أن الانضمام إليها "يجب أن يكون إلزاميا".
وخلصت الصحيفة إلى أن ترامب يوظف الصراعات الدولية، سواء في الشرق الأوسط أو في أزمات أخرى، كأداة لإعادة تشكيل التحالفات وانتزاع تنازلات سياسية من الدول المرتبطة أمنيا بالولايات المتحدة.
ووصفت هذا النهج بأنه أقرب إلى "سياسة الابتزاز"، مقدرة أن الإدارة الأميركية تستخدم تفوقها العسكري للضغط على الخصوم والحلفاء على حد سواء، بما يهدد أسس الشراكات التقليدية التي بنتها واشنطن في المنطقة على مدى عقود.
3 أسباب
وفي تفسيرها لخلفيات الهجوم الأميركي على سلطنة عُمان، قالت صحيفة "لوموند" الفرنسية، في تقرير نشرته بتاريخ 29 مايو/أيار 2026: إن المخاوف الأميركية تتركز حول احتمال أن تلعب مسقط دورا في منح شرعية سياسية أو غطاء قانوني لمشروع إيراني يتعلق بإدارة الملاحة في مضيق هرمز وفرض رسوم على السفن العابرة له.
وترى واشنطن أن أي تفاهم إيراني ـ عُماني بشأن إدارة المضيق أو تحصيل رسوم عبور سيعني عمليا الإقرار بدور إيراني متزايد في أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، وهو ما تعده الولايات المتحدة تهديدا لمبدأ "حرية الملاحة" الذي تتبناه منذ اندلاع أزمة هرمز.
وأشار التقرير إلى أن غضب ترامب جاء في وقت كانت فيه إدارته تسعى إلى إعادة فتح المضيق دون شروط أو رسوم إضافية، بالتزامن مع تقارير تحدثت عن نقاشات بين طهران ومسقط بشأن ترتيبات جديدة لتنظيم حركة الملاحة بعد الحرب.
وبناء على ذلك، رأى ترامب أن أي انخراط عُماني في مثل هذه الترتيبات من شأنه إضعاف الموقف الأميركي ومنح إيران مكاسب سياسية واقتصادية إضافية.
ومن زاوية أوسع، رأت الصحيفة الفرنسية أن التصريحات الحادة الصادرة عن ترامب تعكس أيضا حالة من الاستياء الأميركي تجاه السياسة العُمانية التقليدية القائمة على التوازن والوساطة بين الخصوم.
فعلى مدى عقود، حافظت مسقط على علاقات وثيقة مع واشنطن، وفي الوقت نفسه أبقت قنوات التواصل مفتوحة مع طهران، ما جعلها وسيطا رئيسا في العديد من أزمات المنطقة. إلا أن هذا الدور أصبح محل تشكيك لدى بعض الدوائر الأميركية خلال أزمة هرمز الأخيرة.
ولخصت "لوموند" دوافع التصعيد الأميركي تجاه سلطنة عُمان في ثلاثة عوامل رئيسة:
- رفض واشنطن أي دور إيراني في تنظيم الملاحة أو فرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز.
- الشكوك الأميركية في إمكانية مساهمة مسقط في ترتيبات تمنح طهران نفوذا سياسيا واقتصاديا إضافيا.
- رغبة ترامب في إظهار أنه لن يقبل بأي تسوية يمكن أن تُفسر على أنها تراجع أميركي بعد أشهر من الصراع والتوتر حول المضيق.
ولهذا، يرى بعض المحللين أن تهديد ترامب لم يكن موجها إلى سلطنة عُمان بحد ذاتها بقدر ما كان رسالة سياسية أوسع إلى مختلف الأطراف الإقليمية، مفادها أن الولايات المتحدة ترفض أي ترتيبات جديدة تتعلق بمضيق هرمز ما لم تمر عبر موافقتها ومشاركتها المباشرة.
الدولة رقم 15
أثار تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لسلطنة عُمان استغرابا واسعا في الأوساط الإعلامية والسياسية الأميركية، خاصة أنه جاء بحق دولة تُعد من أقدم حلفاء واشنطن في العالم العربي وأكثرها قربا من دوائر صنع القرار الأميركية.
وقارنت صحف أميركية بين ترامب خلال حملاته الانتخابية، حين كان يتهم خصومه بجر الولايات المتحدة إلى حروب خارجية مكلفة، وبين ترامب الرئيس الذي بات يمتلك سجلا طويلا من التهديدات العسكرية تجاه دول مختلفة حول العالم، لتصبح سلطنة عُمان أحدث المنضمين إلى هذه القائمة.
ووفقا لشبكة "سي إن إن" في تقرير نشرته بتاريخ 27 مايو/أيار 2026، فإن عُمان تُعد الدولة الخامسة عشرة على الأقل التي هدد ترامب بمهاجمتها، أو لوّح بإمكانية استهدافها عسكريا، أو شن بالفعل عمليات عسكرية ضدها خلال ولايتيه الرئاسيتين.
كما أشارت الشبكة، في تقرير آخر بتاريخ 26 مايو/أيار 2026، إلى أن تهديد ترامب بـ"قصف" سلطنة عُمان أثار حالة من الدهشة لدى مراقبين من مختلف التوجهات السياسية في واشنطن، نظرا إلى أن السلطنة تعد واحدة من أقدم الشركاء العرب للولايات المتحدة وأكثرهم استقرارا في علاقاتهم معها.
وتحظى العلاقات العُمانية الأميركية بتاريخ طويل يمتد لنحو قرنين؛ إذ كانت عُمان أول دولة عربية وأول دولة خليجية تقيم علاقات رسمية مع الولايات المتحدة، بدءا من توقيع معاهدة الصداقة والتجارة عام 1833، ثم وصول أول مبعوث عربي إلى نيويورك عام 1840.
وتعززت هذه العلاقات عبر محطات عديدة، من بينها اتفاقية التجارة الحرة التي دخلت حيز التنفيذ عام 2009، والدور العُماني المحوري في التمهيد للاتفاق النووي بين إيران والقوى الدولية عام 2015.
كما لعبت مسقط خلال السنوات الخمس عشرة الماضية دور الوسيط بين واشنطن وطهران في عدد من الملفات الحساسة، بما في ذلك مفاوضات تبادل السجناء، واستضافة قنوات الحوار السرية بين الطرفين.
ومنذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، حافظت عُمان على موقعها الاستثنائي في المنظومة الأمنية الخليجية، وكانت أول دولة خليجية توقع اتفاقية وصول عسكري مع الولايات المتحدة عام 1980، ما عزز مكانتها كشريك أمني موثوق لواشنطن.
وفي هذا السياق، رأت ليندا فونش، الباحثة الأميركية المتخصصة في الشأن العُماني، في تصريحات لقناة "الحرة" بتاريخ 29 مايو/أيار 2026، أن تصريحات ترامب تجاه سلطنة عُمان "صادمة ومسيئة"، ولا يمكن التعامل معها بوصفها مجرد اندفاعة لفظية أو مزحة سياسية عابرة.
وتضيف أن هذه التصريحات تضع ضغوطا إضافية على سياسة التوازن الدقيقة التي انتهجتها مسقط لعقود بين الولايات المتحدة وإيران، وهي سياسة أصبحت أكثر تعقيدا بعد الحرب الأميركية الإسرائيلية على طهران وما تبعها من تحولات في معادلات الأمن الإقليمي ومستقبل مضيق هرمز.

عقوبات اقتصادية
لم تأتِ تهديدات ترامب لعُمان من فراغ، فبعد تصريحاته المثيرة للجدل، حذّر وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت سلطنة عُمان من التورط، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في أي ترتيبات تتعلق بفرض رسوم على عبور السفن عبر مضيق هرمز، مؤكداً أن واشنطن ستعاقب أي جهة تشارك في مثل هذا النظام.
وقال بيسنت، في منشور عبر منصة "إكس": "لن تتسامح حكومة الولايات المتحدة مع أي محاولة لفرض نظام رسوم عبور في مضيق هرمز". مضيفاً أن "أي شركاء متواطئين سيواجهون العقوبات".
في المقابل، ردّ ناشطون ومختصون عُمانيون بالتأكيد أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تتيح للدول الساحلية تنظيم العبور داخل مياهها الإقليمية لأسباب تتعلق بالسلامة وحماية البيئة والنظام البحري، كما تسمح بفرض رسوم مقابل خدمات محددة تُقدَّم للسفن العابرة، شريطة تطبيقها بشفافية ومن دون تمييز.
وفي خطوة عملية، فرضت الولايات المتحدة بالفعل عقوبات على "سلطة مضيق الخليج الفارسي" التي أنشأتها إيران لإدارة حركة الملاحة في مضيق هرمز، وفق ما أوردته وزارة الخزانة الأميركية في 28 مايو/أيار 2026.
وأدرجت واشنطن الهيئة الإيرانية على قوائم العقوبات، متهمة إياها بلعب دور في إدارة وتنظيم الملاحة وفرض الرسوم على السفن العابرة للمضيق، بالتنسيق مع عُمان.
وقالت وزارة الخزانة: إن الهيئة التي أُنشئت عام 2026، خاضعة لعقوبات ثانوية بموجب الأمر التنفيذي 13224 المعدل بالأمر التنفيذي 13886، والمخصص لاستهداف الكيانات المرتبطة بالإرهاب.
كما أدرجت الهيئة ضمن قائمة "الإرهابيين العالميين المصنفين بشكل خاص" (SDGT)، إضافة إلى خضوعها للوائح العقوبات المالية المفروضة على إيران (IFSR)، مشيرة إلى ارتباطها بالحرس الثوري الإيراني.
وبحسب تقرير نشره موقع "واشنطن ريبورت" في 22 مايو/أيار 2026، فإن العقوبات الأميركية الجديدة تستهدف حرمان الهيئة من إيرادات ضخمة كان يمكن أن تحققها من خلال فرض رسوم عبور قد تصل إلى مليوني دولار على السفينة الواحدة.
وكان من المتوقع أن يوفر نظام الرسوم المقترح عائدات مالية كبيرة لكل من إيران وعُمان.
في المقابل، رفضت خمس دول خليجية رسميا إنشاء الهيئة الإيرانية المشرفة على الملاحة في مضيق هرمز، وفق ما نقلته وكالة "بلومبيرغ".
وأبلغت كل من البحرين والكويت وقطر والسعودية والإمارات هيئة مراقبة الشحن العالمية، في رسالة مشتركة، أن السفن التجارية لا ينبغي أن تتعامل مع الهيئة الإيرانية أو تستخدم الممرات الملاحية التي تحددها طهران داخل المضيق.
الضامن والحليف
وحول تهديد الضامن الأميركي لحليف خليجي، يرى المحلل الخليجي عبد الله خالد الغانم أن هذا النمط من الضغوط الأميركية ليس جديدا، بل يمتد تاريخيا من عهد الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون وصولا إلى دونالد ترامب.
وأوضح أن رئيس الولايات المتحدة لا يهدد هذه المرة خصما إقليميا خارج المنظومة الخليجية، ولا يلوّح باستخدام القوة ضد عدو معلن لواشنطن، بل يوجه تهديدا عسكريا مباشرا وعلنيا إلى دولة عضو في مجلس التعاون الخليجي وحليف للولايات المتحدة.
وأضاف أن خطورة هذا التصريح تكمن في التحول الذي يكشفه داخل معادلة الأمن الخليجي؛ فالدول التي اعتادت النظر إلى المظلة الأميركية بوصفها ضمانة أمنية وردعية، تسمع اليوم من رأس هذه المظلة تهديدا مباشرا موجها إلى إحدى دول الخليج.
ويرى الغانم أن مجلس التعاون الخليجي لا يُختبر فقط عندما يواجه تهديدات من خصوم خارجيين، بل يواجه اختبارا أكبر عندما تتداخل حسابات الحليف والخصم، وتصبح مصادر التهديد غير واضحة، ما يدفع كل دولة إلى إعادة تعريف مفهوم أمنها ومصالحها الإستراتيجية.
ودعا إلى مراجعة بنيوية لحسابات الأمن الخليجي في ضوء هذه التطورات، مقدرا أن اللحظة التي يصبح فيها التهديد العلني ممكنا من الحليف الأكبر تستدعي بناء منظومة أمنية أكثر استقلالية، بحيث لا تبقى الضمانات الخارجية المصدر الوحيد للطمأنينة والاستقرار.
من جانبه، كتب الصحفي العُماني علي المعشني عبر منصة "إكس" أن "سياسات الولايات المتحدة الاستفزازية أسهمت في تعزيز مكانة إيران كقوة إقليمية، كما أسهمت في بروز فصائل المقاومة في لبنان وغزة واليمن والعراق".
وأضاف أن "تداعيات هذه السياسات قد تؤدي إلى ظهور قوى جديدة في مناطق عربية أخرى".
بدوره، رأى الأكاديمي العُماني حمود النوفلي أن الضغوط والتهديدات التي يوجهها ترامب لدول المنطقة تعكس حالة من الإخفاق السياسي. مشيرا إلى أن محاولات الضغط على دول الخليج للانضمام إلى اتفاقيات التطبيع لم تحقق النتائج التي كانت تسعى إليها الإدارة الأميركية.
ورأى النوفلي أن التصعيد اللفظي الأميركي تجاه دول الخليج وإيران يعكس حجم التوتر الذي أفرزته الحرب الأخيرة وتداعياتها السياسية والإستراتيجية على المنطقة.
إيران تدعم عُمان
بعد تحذيرات الرئيس الأميركي دونالد ترامب لسلطنة عُمان بضرورة الالتزام بالموقف الأميركي أو مواجهة عواقب محتملة، سارعت إيران إلى إعلان دعمها للسلطنة الخليجية.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي: إن طهران ستقف إلى جانب عُمان في مواجهة التهديدات الأميركية، بحسب ما نقلته وكالة "رويترز" في 27 مايو/أيار 2026.
وفي أعقاب الموقف الإيراني، أبدت سلطنة عُمان موقفا حازما تجاه تهديدات ترامب، مؤكدة أنها لن تخضع لأي ضغوط أو محاولات ترهيب، ووصفت تلك التصريحات بأنها تعكس حالة من الإحباط المتزايد لدى الإدارة الأميركية في المنطقة.
كما شددت مسقط على تمسكها بسياساتها الخارجية ومواقفها الإقليمية، مؤكدة أنها لا تعتزم تغيير نهجها تحت أي ضغوط خارجية.
وقبيل تصريحات ترامب، تداولت وسائل إعلام إيرانية رسمية معلومات عن مسودة مذكرة تفاهم تقضي بإدارة مشتركة بين طهران ومسقط لمضيق هرمز، مع احتمال فرض رسوم على السفن العابرة للممر المائي الحيوي. إلا أن إدارة ترامب سارعت إلى نفي تلك الروايات، ووصفتها بأنها "مختلقة بالكامل".
وبعد ساعات من ذلك، لوّح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت باتخاذ إجراءات ضد عُمان في حال دعمت أي نظام لفرض رسوم عبور في المضيق، قبل أن يعلن لاحقا تلقيه تطمينات من الجانب العُماني بعدم وجود نية للمضي في هذا المسار.
ما دور الإمارات؟
في تطور لافت، اتجهت أصوات عُمانية إلى توجيه اتهامات مباشرة لحكومة أبوظبي بالوقوف خلف التصعيد الذي استهدف سلطنة عُمان، بما في ذلك تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخيرة، والتي وُصفت بأنها غير مسبوقة في حِدّتها.
وبحسب هذه الروايات، فإن التهديدات الأميركية ضد مسقط لا يمكن فصلها عما يُوصف بـ“نفوذ مالي وسياسي إماراتي واسع” داخل دوائر القرار في واشنطن، جرى توظيفه لإعادة تشكيل مواقف الإدارة الأميركية بما يخدم أجندات إقليمية محددة.
وتذهب هذه القراءات إلى أن هذا النفوذ لم يعد مجرد حضور اقتصادي أو استثماري تقليدي، بل تحول إلى منظومة تأثير ممنهجة داخل السياسة الخارجية الأميركية، تُستخدم للضغط على أطراف إقليمية، وفي مقدمتها سلطنة عُمان، بسبب مواقفها المتوازنة من الملفات الإقليمية، خصوصًا ما يتعلق بمضيق هرمز.
كما تشير هذه الاتهامات إلى وجود تشابكات بين مصالح تجارية وشبكات استثمارية مرتبطة بشركات وشخصيات نافذة، بعضها يرتبط بدوائر قريبة من مراكز القرار في المنطقة، وهو ما يُقال إنه انعكس على شكل مواقف وتصريحات أميركية تصعيدية تجاه مسقط.
ويذهب منتقدون إلى أن ما جرى يكشف عن نمط متكرر من توظيف النفوذ الاقتصادي والسياسي في التأثير على قرارات كبرى، وتحويل السياسة الأميركية إلى أداة ضغط تخدم توازنات إقليمية بعينها.
وفي السياق ذاته، يرى هؤلاء أن الخطاب الموجه ضد عُمان لا ينفصل عن سياق أوسع من محاولات إعادة ترتيب النفوذ في الخليج، والضغط على الدول التي تتمسك بسياسة الحياد والوساطة.
وقالوا، إن لجوء نظام بن زايد للاستقواء بترامب لتهديد الأشقاء في سلطنة عُمان يعري عقيدة الفوضى الإماراتية التي تقتات على شراء صمت الدول الكبرى وتسليح العصابات لسرقة السيادة العربية وتدمير استقرار الشعوب.
المصادر
- Trump’s ‘blow ‘em up’ threat to Oman means he’s now attacked or threatened 1 out of every 13 countries
- Trump’s Oman outburst throws ‘Switzerland of the Middle East’ into the spotlight
- Why Trump lashed out at Oman over Strait of Hormuz blockade
- Trump’s Violent Threats Can’t Hide the Truth: He’s a Humiliated Bully
















