رواية مصرية متأخرة وإعلان أميركي سريع.. غضب واسع بعد استهداف سفينتين بميناء دمياط

شدوى الصلاح | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في خضم توترات إقليمية متسارعة في الشرق الأوسط، امتد الصراع إلى مناطق حيوية جديدة، وتحولت ساحات هادئة إلى واجهة للصراع الإقليمي المشتعل إثر هجوم غامض بطائرة مسيرة استهدف سفن غاز في مصر، وحاول الجانب المصري التكتم إلا أن الإدارة الأميركية أعلنت الأمر.

فبينما كانت النيران تلتهم وحدات تخزين الغاز بميناء دمياط على ساحل البحر المتوسط في 29 يوليو/تموز 2026، أحدث الإعلان الاستباقي الصادم للرئيس الأميركي دونالد ترامب من داخل البيت الأبيض دوياً سياسياً كبيراً؛ حيث أكد تلقيه إحاطة بالهجوم وتوعد إيران برد قاسٍ.

وجاء ذلك في وقتٍ التزم فيه الجانب المصري الصمت لساعات طويلة مكتفياً برواية متأخرة عن نشوب "حريق عادي"، قبل أن يضطر مجلس الوزراء للاعتراف في اليوم التالي بالهجوم الجوي لاحقاً تحت ضغط التقارير الاستخباراتية الدولية.

ويُعد ميناء دمياط على البحر المتوسط أحد أهم الموانئ المصرية ونقطة عبور إقليمية حيوية، لا سيما في ظل اضطراب حركة الملاحة العالمية بفعل الحرب في الشرق الأوسط، كما يحتوي على منشآت لمعالجة الغاز الطبيعي وتخزينه وإعادة تصديره.

بداية، أعلنت وزارة البترول المصرية نشوب حريق في سفينتين للتغويز وتخزين الغاز بميناء دمياط "إحداهما أميركية"، دون توضيح أسبابه، فيما تداولت وسائل إعلام أنباء غير مؤكدة عن استهداف المنشأة بطائرة مسيّرة.

وقالت وزارة البترول في بيان: إنه "تم التعامل مع الموقف على الفور وفقا لخطط الطوارئ"، وإن الحادث لم يسفر عن أي إصابات أو خسائر بشرية، داعية وسائل الإعلام ورواد مواقع التواصل الاجتماعي إلى استقاء المعلومات من البيانات الرسمية.

وبدورها، تحدثت شركة أمبري للأمن البحري عن ضربة بطائرة مسيّرة واحدة على الأقل أصابت بشكل مباشر ناقلة تخزين غاز طبيعي مسال (LNG) عائمة مملوكة لشركة أميركية وترفع علم جزر مارشال أثناء وجودها في محطة تفريغ بميناء دمياط المصري".

وفي أعقاب ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إنه أُطلع على حادث اندلاع حريق في منشأة عائمة للغاز الطبيعي المسال بميناء دمياط شمالي مصر، وذلك في معرض حديثه خلال مناسبة في البيت الأبيض ضمت مسؤولين أميركيين.

وردًا على سؤال بشأن احتمال ضلوع إيران في "حادث ناقلة الغاز المملوكة لشركة أميركية في مصر"، قال ترامب للصحفيين في البيت الأبيض: “لقد أُطلعت بالأمر، إنه إلى حد ما استمرار لما رأيناه من قبل، لكن سيتم معالجة الأمور”. متوعدا بأن الولايات المتحدة ستتعامل مع إيران "بقوة شديدة".

وقال ترامب: “سنضربهم بقوة شديدة لأنه حان دورنا لضربهم. وهم يعلمون أن ذلك قادم”. مشيرا إلى أن مجموعة أخرى (لم يسمها) أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم وقدمت اعتذارا فوريا، إلا أنه أكد أن الولايات المتحدة سترد على استهداف ناقلة الغاز.

كما ذكر ترامب أن إيران حاولت الليلة الماضية (أمس الأول) إطلاق 5 قذائف صاروخية باتجاه أهداف أميركية، مؤكدا أن جميعها تم اعتراضها. 

ورداً على سؤال حول ما إذا كانت الهجمات على القوات أو المنشآت الأميركية في الشرق الأوسط قد تدفع واشنطن إلى الانسحاب من المنطقة، قال ترامب: "لا أرى ذلك، كلا، لن ننسحب"، معربا عن رغبته في "فرض رسوم جمركية" على إيران.

وغداة ذلك، أعلنت الحكومة المصرية في بيان لمجلس الوزراء، أن الحريق الذي تعرضت له سفينتان في ميناء دمياط نجم عن طائرة مسيرة دون تحديد الجهة المتسببة فيه، مؤكدة أن التحقيقات مستمرة للوقوف على ملابسات الحادث.

وبعد ساعات من تهديدات ترامب لإيران، أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، شن جولة ضربات جوية مكثفة استمرت ساعتين، استهدفت عشرات المواقع التابعة للحرس الثوري الإيراني داخل إيران، متضمنة مراكز قيادة، ومواقع رادارات، ومنشآت تخزين صواريخ وطائرات مسيرة، بالإضافة إلى قدرات بحرية.

وأكدت واشنطن أن هذه العملية تأتي ردا على استهداف موقع عسكري أميركي أخيرا، وبهدف تقويض القدرات الإيرانية وتأمين حركة الملاحة في الوقت الذي تدرس فيه الإدارة الأميركية الخيارات العسكرية القادمة ومدى توسيع رقعة المواجهة بالتنسيق مع حلفائها.

وأعلن التلفزيون الإيراني سماع دويّ انفجارات في بندر عباس وجزيرتيْ أبو موسى وكيش بمحافظة هرمزغان جنوبي البلاد، وأفاد لاحقا بدويّ انفجار قادم من مضيق هرمز وسُمع في جزيرة قشم، بالإضافة إلى دوي انفجار في مدينة بوشهر جنوبي البلاد.

ونقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن مسؤول أميركي أن الضربات الجديدة على إيران ستكون "أوسع نطاقا" من العمليات التي تمت في الأسابيع الأخيرة، كما نقلت وكالة أسوشيتد برس عن مسؤول أميركي رفيع أن الإدارة الأميركية لا تسعى إلى استئناف المحادثات مع إيران في الوقت الراهن.

فيما شددت وزارة الخزانة الأميركية خناقها الاقتصادي بفرض عقوبات جديدة على هيئات وشركات نفط وتأمين تابعة للحرس الثوري لإحكام الضغط الشامل على طهران.

ونقلت نيويورك تايمز عن مسؤولين إيرانيين قولهم: إن الهجوم بمسيرة على ناقلات الغاز في دمياط كان هجوماً منسقاً يهدف إلى إرسال رسالة مباشرة واضحة بأن طهران قادرة على إحداث اضطراب أعمق في خطوط الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة إذا تم تصعيد القتال ضدهم".

ويأتي هذا الهجوم غير المسبوق في ذروة مواجهة عسكرية مباشرة وعنيفة بين واشنطن وطهران في ممرات الملاحة الدولية. وتشهد المنطقة حرب مسيرات وصواريخ باليستية نالت مضيق هرمز والبحر الأحمر؛ حيث نفذت القوات الأميركية والسعودية ضربات مشتركة ضد فصائل مسلحة مدعومة من إيران في العراق. 

ويمثل استهداف ميناء دمياط -الواقع على البحر المتوسط البعيد جغرافياً عن الخليج- توسيعاً خطيراً لساحة العمليات الإيرانية، وضغطاً مباشراً على حلفاء واشنطن عبر ضرب إمدادات الطاقة المتوجهة إلى أوروبا.

غضب واستياء

أثار تأخر إعلان الجانب المصري رسميا عن طبيعة الاستهداف للسفن الموجودة في موانئها وإعلان الرئيس الأميركي عنه موجة غضب واسعة بين الناشطين على منصات التواصل الاجتماعي؛ إذ استنكروا طريقة تعامل الحكومة والإعلام المصري الرسمي مع الحادث.

وسخروا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #ميناء_دمياط، #ترامب، #مجلس_الوزراء، وغيرها، من النفي الأولي أو التقليل من الحادث، مقابل التصريحات الدولية السريعة، معربين عن مخاوفهم من محاولات "جر مصر" للتصعيد الإقليمي.

غير كاف

وانتقد ناشطون البيان الصادر عن مجلس الوزراء المصري غداة الاستهداف الذي نال السفن بميناء دمياط، وعدوه "متأخرا" و"غير كاف" و"ناقصا" لعدم توضيح الأسباب أو التداعيات بشكل كامل، أو لكونه يركز على الحريق/الحدث دون تفاصيل كافية عن المسببات أو الإجراءات الوقائية.

ورأوا أن البيان يفتقر إلى ذكر الأسباب الحقيقية للحدث (مثل هجوم مسيرة محتمل أو حادث)، ويطالبون بإجابات واضحة عن "الأسباب" بدلاً من الحديث عن "التداعيات والإجراءات" فقط، ووصفوا البيان بأنه "مليء بعلامات الاستفهام" وطالبوا بإقالة المسؤول الإعلامي عن صياغته.

وسخر ناشطون من بيان وزارة البترول الأول الذي أهاب بالمواطنين عدم استيقاء المعلومات من المصادر الرسمية، مستنكرين "صمت" بعض الجهات الرسمية (الخارجية أو الدفاع) وربطوا ذلك بـ"إحراج" محتمل للدفاع الجوي أو السياسة الإقليمية.

تساؤلات واستفسارات

وبرزت تساؤلات حادة بين الناشطين حول كيفية وصول الطائرة المسيرة إلى ميناء دمياط دون رصدها، ومتى تم اكتشافها، ووجود ثغرات أمنية محتملة في الدفاعات الجوية أو الرادار، مع بعض التكهنات بأنها قد تكون أُطلقت من داخل الأراضي المصرية. 

كما تساءل كثيرون عن الجهة الواقفة خلف الاستهداف والكيفية التي سيتم الرد بها، عادين الحادث محاولة لجر مصر إلى تصعيد أو حرب إقليمية، وطالبوا بتحقيق شفاف ومراجعة أمنية عاجلة لحماية الأمن القومي.

أين الأوكتاجون؟

كما برزت تساؤلات حول دور وفعالية مركز "الأوكتاجون" (مركز قيادة الدولة الإستراتيجي) الذي افتتح قبل أقل من شهر، مركزين على غياب الاستجابة السريعة من الدفاع الجوي والرادارات والمراكز الاستخباراتية، وسألوا عن دور المركز في كشف الهجوم أو التنسيق الفوري، خاصة مع بُعد دمياط (حوالي 2000 كم).

وعدوا الحادث دليلاً على "غياب الدولة" أو عدم جاهزية المنظومة رغم الاستثمارات الضخمة، مع اتهامات بالتركيز على الاستعراضات بدلاً من الأمن الحقيقي، مؤكدين أن مركز الأوكتاجون تم تشييده للتركيز على مراقبة الشعب المصري وملاحقته وترهيبه.

ومركز قيادة الدولة الإستراتيجي المعروف بـ"الأوكتاجون" (أو الأوكتاغون) هو مقر القيادة الرئيس للدولة المصرية، ويقع في قلب العاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة، افتتحه رئيس النظام عبد الفتاح السيسي رسمياً في 4 يوليو/تموز 2026.

ويمتد على مساحة هائلة تصل إلى نحو 22 ألف فدان، متجاوزاً البنتاغون الأميركي في الحجم، ويتكون من 8 مبانٍ رئيسة مثمنة الشكل (ثمانية الأضلاع) تمثل أفرع القوات المسلحة والإدارات السيادية، تتوسطها قيادة مركزية.

ويتضمن 13 منطقة متخصصة تشمل مركز البيانات الإستراتيجي الموحد، مراكز تنسيق الدفاع وإدارة الأزمات والطوارئ، التحكم في الشبكات الاتصالية والسيبرانية، والتنبؤات. 

وزعم أنه يهدف إلى تعزيز سرعة تدفق المعلومات، تكامل القيادة والسيطرة، وإدارة العمليات الإستراتيجية والأزمات بكفاءة عالية باستخدام أحدث التقنيات.

وفيما لا توجد تكلفة رسمية دقيقة ومعلنة للمركز، قدرت بعض المصادر الإعلامية والتحليلية تكلفته بمئات الملايين إلى مليارات الدولارات.

ويُعد جزءاً أساسياً من مشروع العاصمة الإدارية الجديدة ككل، الذي يُقدر إجمالي تكلفته بنحو 58 مليار دولار (أو أكثر حسب بعض التقديرات التي تصل إلى 60-80 مليار دولار للمراحل الأولى والمرتبطة).

ضلوع إسرائيلي

ووجه ناشطون أصابع الاتهام إلى الاحتلال الإسرائيلي بالوقوف وراء حادث ميناء دمياط، ورأوا في الحادث محاولة لجر مصر إلى صراع إقليمي أوسع، خاصة في سياق التوترات مع إيران والحوثيين والمحور المقاوم.

وأكدوا أن الاحتلال "الموساد" يستفيد من توريط مصر لإضعافها أو إجبارها على الانحياز في الصراع، مستغلة الوجود الأميركي في الميناء (سفينة غاز أميركية)، وأن الحادث جزء من "مخطط صهيوني" لإشعال المنطقة بعد فشل خطط أخرى في غزة ولبنان.

استهداف إيراني

في المقابل، اتهم آخرون إيران أو وكلاءها، موضحين أنها رسالة إيرانية مباشرة أو غير مباشرة لإظهار قدرة طهران وحلفائها على تعطيل إمدادات الطاقة والشحن العالمي، خاصة بعد تصعيد التوترات في المنطقة، منتقدين محاولتها إشعال فتنة إقليمية تستفيد منها طهران إستراتيجياً. 

 واستنكروا أن إيران "تستهدف الجميع إلا إسرائيل" لجر الدول العربية إلى صراع واسع يخدم أجندة التوسع الإيراني، مع لعنات وانتقادات لمن وقفوا سابقاً مع إيران ضد دول الخليج. 

استدل البعض بتقارير نشرتها نيويورك تايمز عن مصادر إيرانية أكدت أنه الاستهداف يهدف إلى إثبات قدرة إيران على الضرب في أي مكان، منتقدين "الدعم الشعبي المصري السابق لإيران".