غزة تشيّع 112 شهيدا.. و"مجلس السلام" يتبنى شروط تل أبيب وينحاز لمطالب نتنياهو

شدوى الصلاح | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تتدحرج كرة النار ميدانياً وسياسياً وفق تسلسل زمني يكشف تداخلاً بين التصعيد العسكري الإسرائيلي والتحركات الدبلوماسية الأميركية، لينتهي المشهد بإصدار "مجلس السلام" بياناً يتبنى الشروط الإسرائيلية بصورة علنية، ويرهن أي انسحاب عسكري من قطاع غزة باستكمال عملية نزع سلاح المقاومة الفلسطينية أولاً.

وجاء ذلك بالتزامن مع إصدار الوسطاء، وهم تركيا ومصر وقطر، بياناً مشتركاً أعربوا فيه عن إدانتهم الشديدة للخروقات الإسرائيلية المتواصلة في قطاع غزة، والتي بلغت ذروتها بعد إعلان الأمم المتحدة استشهاد أكثر من 150 فلسطينياً جراء الهجمات الإسرائيلية خلال شهر يوليو/تموز الماضي.

وتزامن ذلك مع موجة تنديد سياسية وشعبية واسعة باستئناف جيش الاحتلال عملياته العسكرية المكثفة في قطاع غزة، عقب توقف مؤقت لم يدم سوى 30 ساعة، قبل أن تتجدد الغارات والقصف على نطاق واسع.

وكانت الجولة الحالية من التصعيد الإسرائيلي في قطاع غزة قد بدأت خلال شهر يوليو/تموز الماضي، بموجة قصف عنيفة أسفرت، وفق الإحصاءات الأممية المعلنة في 3 أغسطس/آب 2026، عن استشهاد أكثر من 150 فلسطينياً.

ومع تصاعد الضغوط الدولية والمطالبات بتسهيل عمليات الإغاثة، مارست الإدارة الأميركية ضغوطاً على تل أبيب أسفرت عن توقف مؤقت للعمليات العسكرية استمر نحو 30 ساعة.

غير أن هذا التوقف لم يدم طويلاً؛ إذ سرعان ما استأنف جيش الاحتلال غاراته وقصفه المكثف على القطاع، ما دفع الدول الوسيطة، مصر وقطر وتركيا، إلى إصدار بيان مشترك أدانت فيه هذه الخروقات لاتفاق وقف إطلاق النار.

وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، في 3 أغسطس/آب، ارتفاع حصيلة شهداء حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية في قطاع غزة إلى 73 ألفاً و375 شهيداً، و174 ألفاً و220 مصاباً، منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وأوضحت الوزارة أن عدد الشهداء منذ وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر/تشرين الأول الماضي ارتفع إلى ألف و250 شهيداً، فيما بلغ عدد المصابين 4 آلاف و110، إضافة إلى انتشال 804 جثامين من تحت الأنقاض.

وشيَّعت غزة، أمس، جثامين 112 شهيداً من عائلتي أبو شريعة والحساينة، بعد انتشال رفاتهم عقب أشهر من ارتكاب مجزرة بحقهم.

وحمل عشرات الشبان رفات الشهداء، بعد لفها بالأعلام الفلسطينية، في موكب جنائزي طويل، قبل الصلاة عليهم ودفنهم.

وظلت جثامين الضحايا تحت الأنقاض لأشهر، بعدما تعذَّر الوصول إليها نتيجة الدمار الهائل، قبل أن تتمكن فرق الدفاع المدني، بإمكانات محدودة، من انتشالها بعد عمليات بحث شاقة بين الركام.

وتعد هذه المجزرة من أكثر المجازر دموية، بعدما دمر الاحتلال مربعاً سكنياً كاملاً فوق رؤوس سكانه بواسطة غارات جوية مكثفة.

وفي المقابل، أدانت تركيا وقطر ومصر، في بيان مشترك، الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة في قطاع غزة، لا سيما استهداف المنشآت الصحية والبنية التحتية الطبية.

وأكدت الدول الثلاث، بصفتها دولاً وسيطة، أن هذه الانتهاكات أسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، بينهم نساء وأطفال، وتشكل انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.

وأضاف البيان أن استمرار هذه الانتهاكات، رغم إعلان حركة حماس والفصائل الفلسطينية قبولها بخارطة الطريق الخاصة بغزة، بما في ذلك بند نزع السلاح، يمثل خرقاً للاتفاق ويعرقل تنفيذ مرحلته الثانية.

وشددت الدول الثلاث على ضرورة التزام إسرائيل بجميع تعهداتها بموجب القانون الدولي، وتنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار بصورة كاملة.

كما حذرت من أن استمرار الخروقات يهدد مسار التهدئة وخفض التصعيد، ويؤدي إلى تفاقم المعاناة الإنسانية في قطاع غزة.

ودعت المجتمع الدولي إلى توفير الحماية الكاملة للمدنيين والمنشآت الصحية والعاملين في المجال الإنساني، وضمان دخول المساعدات الإنسانية والإمدادات الطبية بصورة مستمرة ومن دون قيود إلى جميع أنحاء القطاع.

وطالب البيان المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته، وممارسة الضغوط اللازمة على إسرائيل للوفاء بالتزاماتها المنصوص عليها في القانون الدولي واتفاق وقف إطلاق النار.

وكانت حركة حماس قد أعلنت، قبل يومين، أن الاحتلال الإسرائيلي يسعى إلى إفشال التفاهمات الأخيرة من خلال تصعيد القصف على قطاع غزة، مشيرة إلى أن الغارات التي شنت منذ صباح الأحد أسفرت عن استشهاد أكثر من 18 فلسطينياً، وإبادة عائلات بأكملها من السجل المدني.

وأكدت الحركة أن هذا التصعيد يمثل سياسة متعمدة تنتهجها حكومة بنيامين نتنياهو بهدف تقويض التفاهمات التي تم التوصل إليها مع الوسطاء، بمن فيهم الإدارة الأميركية، لاستكمال تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار.

وفي ذروة هذا التصعيد، أصدر "مجلس السلام" بياناً جديداً تبنى فيه بصورة واضحة الموقف الإسرائيلي. مؤكداً أن الانسحاب الكامل للجيش الإسرائيلي من قطاع غزة لن يتم إلا بعد استكمال عملية تفكيك الأسلحة، خلافاً لما ورد في الوثيقة التي أصدرها الجمعة الماضية.

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد أقر، في يونيو/حزيران الماضي، بأن الجيش الإسرائيلي يسيطر على نحو 70 بالمئة من مساحة قطاع غزة، في تأكيد على استمرار توسيع المناطق الخاضعة لسيطرة الاحتلال رغم اتفاق وقف إطلاق النار.

وأوضح "مجلس السلام"، في بيانه، أن الممثل الأعلى للمجلس، نيكولاي ملادينوف، عقد اجتماعاً في 3 أغسطس/آب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وفريقه.

وأضاف أن "الانسحاب الكامل للجيش الإسرائيلي إلى ما وراء الخط الأصفر، أي المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل، سيتم فقط بعد اكتمال عملية تفكيك الأسلحة، وفق ما التزمت به حركة حماس أمام الوسطاء". مؤكداً أن ذلك يشمل الأسلحة الخفيفة والثقيلة والأنفاق.

وأشار المجلس إلى أن الهدف النهائي يتمثل في "التفكيك الكامل للأسلحة في قطاع غزة، والانتقال من حكم السلاح إلى الحكم المدني"، موضحاً أن تفاصيل هذه العملية ستحدد خلال المرحلة المقبلة.

ويلاحظ أن البيان الجديد للمجلس وسّع نطاق عملية نزع السلاح؛ إذ تحدث عن تفكيك الأسلحة الخفيفة والثقيلة، خلافاً لما ورد في البند الثامن من الوثيقة التي أصدرها الجمعة بعنوان "خارطة طريق لاستكمال تنفيذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الشاملة للسلام في غزة"، والتي اقتصرت على الحديث عن الأسلحة الثقيلة فقط.

وتنص المادة الثامنة من الوثيقة على بدء عملية تفكيك وتخزين الأسلحة الثقيلة، ومواقع الإنتاج العسكري، ومستودعات الأسلحة، والأنفاق، بعد استكمال الالتزامات المتبقية بموجب بروتوكول شرم الشيخ، ودخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وانتشار قوة الاستقرار الدولية.

أما المادة التاسعة، فتنص على أن الأسلحة الفردية في قطاع غزة تخضع لأحكام القوانين الفلسطينية ذات الصلة.

وكان "مجلس السلام" ورئيسه دونالد ترامب قد أعلنا، مطلع الأسبوع الجاري، أن حركة حماس وافقت على خارطة طريق لتنفيذ المرحلة التالية من اتفاق وقف إطلاق النار، تتضمن انسحاباً إسرائيلياً من قطاع غزة وتسليم سلاح الحركة.

غير أن حركة حماس أكدت، في اليوم نفسه، أن وقف إسرائيل لقتل الفلسطينيين وإنهاء اعتداءاتها يمثلان المدخل الأساسي للانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، ووضع إطار زمني واضح لتنفيذ التفاهمات.

وتواصل إسرائيل خروقاتها اليومية لاتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، والتي أسفرت، حتى الإثنين، عن استشهاد 1250 فلسطينياً وإصابة 4110 آخرين.

ويأتي بيان "مجلس السلام" الأخير في ظل أزمة ثقة متفاقمة بين أطراف الصراع؛ إذ يرى مراقبون أن التوقف المؤقت للعمليات العسكرية لم يكن سوى هدنة قصيرة أعقبها استئناف سريع للتصعيد، بينما يعكس البيان محاولة واضحة لتبني ترتيب جديد لأولويات تنفيذ الاتفاق، يقوم على تقديم ملف نزع السلاح على أي انسحاب إسرائيلي، وهو ما يضع مسار التهدئة أمام تحديات كبيرة في ظل الرفض المعلن من الفصائل الفلسطينية لهذا الطرح.

شرعنة للاحتلال

واستنكر ناشطون على منصات التواصل تصريحات "مجلس السلام" الأخيرة (عقب لقاء ممثله ميلادينوف مع نتنياهو)، عادين إياها انقلاباً على بنود الاتفاق السابقة وتبنياً كاملاً للشروط الإسرائيلية، ووصفوها بأنها صك شرعنة رسمي للاحتلال وتغطية دبلوماسية مكشوفة لاستمرار المجازر.

وأكدوا عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي “إكس” و"فيسبوك" ومشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #مجلس_الإبادة، #مجلس_السلام، #نتنياهو، #حماس، #غزة، وغيرها، أن المجلس أثبت بالدليل القاطع انحيازه الأعمى للرواية الإسرائيلية وتبنيه الكامل لشروط نتنياهو، ورأوا أنه تحول إلى ناطق رسمي بلسان نتنياهو ينفذ أجندته.

كما رأوا أن المجلس فرّغ أي مسار سياسي من مضمونه، متسائلين عن القيمة الأخلاقية لمجلس يدعي السعي نحو السلام بينما يبرر بقاء الدبابات فوق أشلاء الضحايا، ساخرين من مواصلة المجلس والوسطاء الدفع نحو تنفيذ خارطة الطريق المنبثقة عن اتفاق العالمين وخطة الرئيس الأميركي.

"مجلس نتنياهو"

وصب ناشطون جام غضبهم على المتحدث باسم مجلس السلام ملادينوف واتهموه بالتآمر على غزة والتماهي مع المطالب الإسرائيلية (نزع السلاح الكامل قبل أي انسحاب إلى ما وراء "الخط الأصفر"، بما يشمل الأسلحة الخفيفة والثقيلة والأنفاق)، ووصفوا المجلس بـ"الصهيوني"، أو "ألعوبة بيد الاحتلال".

مرونة المقاومة

أثنى عدد من الناشطين على منصة إكس (من حسابات شخصية) على موقف حركة حماس، مشيرين إلى أنها أبدت مرونة عالية وقدمت تنازلات كبيرة لتمرير الاتفاق/الخطة المرتبطة بمجلس السلام وخطة ترامب، بهدف إنهاء معاناة سكان غزة وسحب ذرائع الاحتلال دون التفريط بالثوابت الوطنية.

وأكدوا أن هذه المرونة العالية والكبيرة والتاريخية جاءت رغم الضغوط الإنسانية الهائلة، بينما اتهموا الوسطاء ومجلس السلام بالخذلان والصمت عن خروقات الاحتلال، ثم بالانقلاب على بنود الاتفاق بعد لقاء ميلادينوف بنتنياهو ومطالبة حماس بمزيد من التنازلات، مؤكدين أن الاحتلال هو العقبة الحقيقية.

عجز الوسطاء

وهاجم ناشطون الوسطاء والدول الضامنة في ملف غزة، واتهموهم بالخذلان والعجز والفشل والصمت أمام الخروقات الإسرائيلية، بل وبتبني مطالب نتنياهو والتخلي عن دورهم الحيادي وممارسة ضغوط هائلة على المقاومة، ساخرين من بيانهم الأخير الذي جاء بعد ارتفاع أعدد الشهداء والمصابين.

وتركزت الانتقادات حول ما يُوصف بـ"مجلس السلام" والانقلاب على بنود الاتفاق؛ حيث أكدوا أن المقاومة أبدت مرونة عالية بينما لم يجد الغزيون من الوسطاء سوى الصمت والتنصل من المسؤوليات، عادّين ذلك ضغطاً مقصوداً أو تواطؤاً يخدم مخططات الاحتلال على حساب معاناة السكان.

الجنازة الأكبر

وسلط ناشطون الضوء على تشييع 112 شهيداً من عائلتي أبو شريعة والحساينة اليوم، معربين عن حزنهم العميق وغضبهم الشديد، مشيرين إلى أن الحدث أكبر جنازة جماعية في تاريخ فلسطين الحديث وشاهداً حياً على حجم الإبادة. 

وركزوا على أن الـ112 هم جزء فقط من 308 ارتقوا في مجزرة واحدة بحي الصبرة، وأن كثيراً من الجثامين تبخرت أو ما زالت تحت الركام، واصفين المشهد بأنه محو لعائلات كاملة من السجل المدني، ودعوا العالم إلى الإجابة عن قتل الأطفال والنساء، مطالبين بالعدالة والمحاسبة بدلاً من بيانات الشجب المتكررة.

وبرزت نبرات شعرية ودينية وتعبيرات شخصية مؤلمة، بعضهم كتب قصائد عن الثأر والألم الذي لن يُنسى، وآخرون أكدوا أن غزة تقدم الأرواح فداءً لفلسطين بغض النظر عن موقف الحكام أو الشعوب.

بينما شدد ناشطون على أن هذه الجنازة ليست أرقاماً بل حيوات وحكايات بُترت، وأن الجراح ما زالت مفتوحة بعد سنوات، مؤكدين استمرار الإبادة وكشف أهوالها يوماً بعد يوم، مع دعاء للشهداء وربط على القلوب.