من كسر الحظر الجوي إلى حصار السعودية.. كيف تغيرت قواعد الاشتباك في اليمن؟

الحوثيون انتقلوا من إدارة حرب داخلية إلى توظيف موقع اليمن الجيوسياسي كورقة ضغط إقليمية
لم تكن دولة اليمن، خلال الأيام القليلة الماضية، مجرد ساحة لتجدد المواجهة بين الحوثيين والسعودية وحسب، بل تحوَّلت إلى نقطة ارتكاز في صراع إقليمي أخذ يمتد من الأجواء اليمنية إلى البحر الأحمر وأسواق الطاقة العالمية.
فخلال أقل من أسبوع، انتقلت جماعة الحوثيين من كسر الحظر الجوي المفروض على صنعاء، إلى فرض حصار بحري على السعودية، ثم استهداف ناقلات النفط والسفن المرتبطة بموانئها، قبل أن توسع دائرة المواجهة بضرب العمق السعودي بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
وفي المقابل، جاء الرد السعودي سريعاً عبر سلسلة من الغارات الجوية التي نالت مواقع في محافظة الحديدة ومدن يمنية أخرى، في رسالة عسكرية هدفت إلى إعادة فرض معادلة الردع ومنع الحوثيين من تثبيت واقع جديد في البحر الأحمر والمنطقة الحدودية.
وتُنبئ الأحداث بأن الحوثيين انتقلوا من إدارة حرب داخلية إلى توظيف موقع اليمن الجيوسياسي كورقة ضغط إقليمية، مستفيدين من تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة، بما أتاح لهم ربط الساحة اليمنية بمعادلات تتجاوز حدود النزاع المحلي لتلامس أمن الملاحة الدولية واستقرار أسواق الطاقة.

بداية التصعيد
يمكن عدّ الثالث عشر من يوليو/تموز 2026 نقطة التحول الأبرز في مسار الأزمة، عندما تمكنت طائرة إيرانية تابعة لشركة «ماهان إير» من اختراق الحظر الجوي المفروض على مناطق سيطرة الحوثيين، في خطوة وصفتها الحكومة اليمنية والسعودية بأنها تحدٍ مباشر للترتيبات الأمنية التي نظمت حركة الطيران إلى اليمن طوال السنوات الماضية.
وبحسب ما نقلته وكالة «رويترز» عن أربعة مصادر إيرانية ويمنية مطلعة، لم تكن الرحلة مجرد رحلة مدنية اعتيادية، بل حملت شخصيات من الحرس الثوري الإيراني ومستشارين عسكريين، إضافة إلى مكونات مرتبطة ببرامج الصواريخ والطائرات المسيّرة، فضلاً عن كميات من الذهب قالت المصادر إنها خُصصت لتمويل أنشطة الحوثيين داخل اليمن.

وأكد وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني أن الرحلة نقلت عناصر من الحرس الثوري وعتاداً عسكرياً بهدف تعزيز القدرات الصاروخية والبحرية للحوثيين، بما يمكنهم من تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
في المقابل، رفض الحوثيون هذه الاتهامات، ووصف المسؤول الإعلامي في الجماعة عبد الرحمن الأهنومي ما نشرته «رويترز» بأنه «أكاذيب وافتراءات». مؤكداً أن جميع ركاب الطائرة مدنيون، وأن الرحلة اقتصرت على إعادة الوفد الحوثي المشارك في مراسم تشييع المرشد الإيراني، إلى جانب يمنيين تلقوا العلاج في إيران.
كما نفت طهران نقل أي خبراء عسكريين أو معدات قتالية، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي: إن الرحلة كانت ذات طابع إنساني وسياسي.
غير أن الجدل حول حمولة الطائرة تجاوز طبيعتها المدنية أو العسكرية، ليصبح نقطة الانطلاق الفعلية لموجة التصعيد اللاحقة. فبينما رأت الحكومة اليمنية والسعودية في الرحلة محاولة إيرانية لإعادة تعزيز القدرات العسكرية للحوثيين، عدتها الجماعة وطهران إعلاناً عن كسر العزلة المفروضة على صنعاء وفرض واقع سياسي وأمني جديد، وهو ما مهد مباشرة للتطورات العسكرية التي شهدتها الأيام التالية.

من كسر الحظر الجوي إلى الحصار البحري
لم تمض سوى أيام على حادثة الطائرة الإيرانية حتى دخلت الأزمة مرحلة أكثر خطورة، بإعلان جماعة الحوثيين فرض حصار بحري على السعودية، في أول خطوة من نوعها تستهدف بصورة مباشرة حركة التجارة وإمدادات الطاقة المرتبطة بالمملكة.
وجاء الإعلان بعد ثلاثة أيام فقط من وصول الطائرة الإيرانية إلى صنعاء، في توقيت ربطه مراقبون بالتطورات العسكرية والسياسية التي سبقته. ونقلت وكالة «رويترز» عن مصادر مطلعة أن طهران طلبت من الحوثيين الاستعداد لإغلاق مسار البحر الأحمر أمام صادرات النفط السعودية إذا تعرضت منشآتها لهجمات أميركية جديدة، وهو ما أضفى بعداً إقليمياً واضحاً على التحركات الحوثية وربطها مباشرة بمسار المواجهة الإيرانية ـ الأميركية.
وفي بيانها، أعلنت الجماعة أن جميع السفن التي تقوم بتحميل أو تفريغ البضائع في الموانئ السعودية أصبحت ضمن بنك أهدافها، مقدرة أن القرار يأتي رداً على ما وصفته بالقصف السعودي لمطار صنعاء واستمرار الحصار المفروض على اليمن، ومحملة الرياض مسؤولية انهيار التهدئة التي استمرت قرابة أربع سنوات.
ولم يقتصر الأمر على التهديد؛ إذ أعلنت الجماعة استهداف ناقلتي النفط السعوديتين «إنسيليا» و«ليلى» باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، مؤكدة أن عملياتها البحرية ستستمر ما لم تتوقف السعودية، بحسب وصفها، عن فرض الحصار على اليمن.
الرياض ترد
تعاملت السعودية مع إعلان الحصار البحري بصفته تطوراً يتجاوز حدود الحرب اليمنية؛ إذ رأت فيه استهدافاً مباشراً لأمن الطاقة العالمي، وليس للمملكة وحدها. فاستهداف ناقلات النفط في البحر الأحمر يعني، من وجهة النظر السعودية، تهديد أحد أهم مسارات تصدير النفط التي تعتمد عليها المملكة لتجاوز مضيق هرمز وتأمين تدفق صادراتها إلى الأسواق العالمية.
ورداً على ذلك، شنت الرياض سلسلة غارات جوية استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت لوجستية ومستودعات أسلحة ومنصات إطلاق للصواريخ والطائرات المسيّرة في محافظة الحديدة وعدد من المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، في محاولة لتقويض القدرات المستخدمة في تنفيذ الهجمات البحرية واستهداف العمق السعودي.
ولم يكن اختيار الحديدة هدفاً عسكرياً فحسب، بل لأنها تمثّل المنفذ البحري الرئيس للجماعة ومركز عملياتها على ساحل البحر الأحمر، فضلاً عن كونها شرياناً أساسياً لواردات مناطق سيطرتها.
ورغم الضربات، أشارت تقارير غربية إلى أن الرياض لا تزال حريصة على تجنب العودة إلى حرب استنزاف طويلة، لكنها في الوقت ذاته ترى أن أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب يمثلان خطاً أحمر لا يمكن السماح بتحويله إلى ورقة ضغط عسكرية بيد الحوثيين أو إيران.
ويرى محللون أن الضربات السعودية حملت ثلاث رسائل متزامنة: الأولى إلى الحوثيين بأن استهداف الاقتصاد السعودي أو الملاحة البحرية سيقابل بردّ عسكري مباشر، والثانية إلى إيران بأن تحويل اليمن إلى منصة لتهديد خطوط الطاقة العالمية لن يمر دون رد، أما الثالثة فكانت موجهة إلى المجتمع الدولي للتأكيد أن ما يجرى لم يعد نزاعاً يمنياً داخلياً، بل تهديداً مباشراً لأحد أهم الممرات البحرية في العالم.
في السياق ذاته، أكد السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر أن المملكة لا تزال متمسكة بمسار السلام، لكنها لن تسمح باستمرار تهديد أمنها الوطني أو أمن الملاحة الدولية. مشدداً على أن دعم الحكومة اليمنية والحل السياسي سيبقيان خيارين متوازيين مع حق المملكة في حماية مصالحها الإستراتيجية.
الحوثيون... التصعيد بالتصعيد
في المقابل، قدم الحوثيون رواية مختلفة للتطورات، قائمة على معادلة «الحصار بالحصار»؛ فالجماعة تؤكد أن عملياتها البحرية ليست سوى رد مباشر على القيود المفروضة على اليمن منذ سنوات، وأن الغارات السعودية الأخيرة أعادت الأزمة إلى مربع المواجهة.
وقال رئيس الوفد الحوثي المفاوض محمد عبد السلام: إن السعودية لا تزال تتحكم في فتح وإغلاق مطار صنعاء، مقدرا أن تشديد القيود الاقتصادية جاء بعد إخفاق الخيارات العسكرية، ومحذراً من أن الإجراءات البحرية الحالية ليست سوى بداية مرحلة أوسع إذا استمر التصعيد السعودي.
بدوره، رأى رئيس المجلس السياسي الأعلى مهدي المشاط أن العمليات العسكرية التي تنفذها الجماعة «مشروعة» وتهدف إلى إنهاء الحصار، مؤكداً امتلاك الحوثيين خيارات أوسع إذا استمرّت العمليات السعودية.

ولم يقتصر الرد الحوثي على الخطاب السياسي، بل توسع ميدانياً باستهداف العمق السعودي بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بالتوازي مع مواصلة الهجمات على الملاحة المرتبطة بالموانئ السعودية في البحر الأحمر.
ويكشف هذا المسار عن تحول واضح في الإستراتيجية العسكرية للجماعة؛ إذ لم تعد المواجهة تتركز على الجبهات البرية داخل اليمن، بل باتت تقوم على ثلاث مسارات متزامنة: استهداف الداخل السعودي، وتهديد صادرات النفط عبر البحر الأحمر، ورفع كلفة أي تصعيد سعودي من خلال الضغط على أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
بداية الشرارة
في خضمّ تبادل الضربات بين السعودية والحوثيين، سعت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً إلى تقديم روايتها الخاصة للأزمة، ومفادها أن التصعيد لم يبدأ بالغارات السعودية، وإنما بانتهاك السيادة اليمنية عبر هبوط الطائرة الإيرانية في صنعاء وما رافقه من نقل خبراء ومعدات عسكرية دعمت القدرات القتالية للحوثيين.
من هذا المنطلق، رأت الحكومة أن ما تلا ذلك من استهداف للملاحة الدولية والمنشآت السعودية ليس سوى نتيجة مباشرة لاستمرار إيران في توظيف اليمن كساحة لتعزيز نفوذها الإقليمي، الأمر الذي يهدد فرص التسوية السياسية ويقوض مسار التهدئة الذي استمر خلال السنوات الماضية.
وحمّل رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي الجماعة مسؤولية انهيار مسار التهدئة، مقدرا أن استهداف الملاحة الدولية والمنشآت السعودية يعكس إصرار الحوثيين على إفشال الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء الحرب.
وأكد دعم الحكومة لأي إجراءات تكفل حماية سيادة اليمن وأمن المنطقة، داعياً المجتمع الدولي إلى تبني موقف أكثر صرامة تجاه ما وصفه بالتصعيد الإيراني عبر الحوثيين، محذراً من أن استمرار تجاهل هذه التطورات سيؤدي إلى تهديد أوسع لأمن الملاحة الدولية وأسواق الطاقة.
ويعكس هذا الخطاب محاولة الحكومة اليمنية نقل الأزمة من إطارها الثنائي بين الرياض والحوثيين إلى إطار أوسع يتعلق بحماية السيادة اليمنية والأمن الإقليمي، وهو الطرح الذي تلاقى إلى حد كبير مع الخطاب السعودي في توصيف طبيعة التصعيد.

تحذيرات دولية
رغم تباين مواقف الأطراف الدولية في مستوى لهجتها، فإنها التقت عند نقطة رئيسة تمثلت في التحذير من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى انهيار ما تبقى من مسار التهدئة ويدفع اليمن والمنطقة إلى دورة جديدة من الصراع.
فقد أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن قلقه البالغ إزاء التطورات العسكرية، داعياً جميع الأطراف إلى ضبط النفس وتجنب أي خطوات توسع دائرة الحرب أو تعرض المدنيين للخطر، ومؤكداً أن الحل السياسي لا يزال الطريق الوحيد لإنهاء الأزمة اليمنية.
من جانبه، وصف المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ التصعيد بأنه انتكاسة لمسار التهدئة الذي بُني خلال السنوات الماضية، مؤكداً استمرار جهود الأمم المتحدة لإعادة الأطراف إلى طاولة الحوار.
وأبدت مصر بدورها قلقاً واضحاً من التطورات، انطلاقاً من ارتباطها المباشر بأمن البحر الأحمر وقناة السويس، مؤكدة أن أمن الملاحة في البحر الأحمر يمثل جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي، داعية إلى تجنب أي إجراءات تهدد حركة التجارة العالمية.
أما في واشنطن، فقد جاءت الرسائل أكثر تشدداً؛ إذ ربط الرئيس الأميركي دونالد ترامب بصورة مباشرة بين تهديد الملاحة البحرية واحتمال التدخل العسكري الأميركي، مؤكداً أن الولايات المتحدة سبق أن تعاملت مع الحوثيين، وستفعل ذلك مجدداً إذا تعرضت حرية الملاحة للخطر.
ورغم هذه اللهجة، أشارت تقارير نقلتها «رويترز» إلى أن مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين يرون أن أي مواجهة جديدة مع الحوثيين لن تكون سهلة، في ضوء الخبرة العسكرية التي راكمتها الجماعة خلال سنوات الحرب، فضلاً عن انشغال واشنطن في الوقت نفسه بإدارة التوتر مع إيران في أكثر من جبهة، وهو ما يرفع كلفة أي تدخل عسكري جديد.

مأزق الحرب والسلام
تكشف التطورات الأخيرة أن الأزمة اليمنية دخلت مرحلة أكثر تعقيداً من مجرد تبادل الضربات العسكرية؛ إذ تتقاطع فيها الحسابات المحلية مع تقديرات الأمن الإقليمي وأمن الطاقة العالمي، في وقت لا تبدو فيه أي من الأطراف راغبة في الانزلاق إلى حرب شاملة، لكنها في المقابل لا تبدو مستعدة أيضاً لتقديم تنازلات جوهرية.
ويرى الباحث في مركز تشاتام هاوس، فارع المسلمي، أن فرص السلام مع الحوثيين أصبحت أكثر تعقيداً، وأن كلفة تأجيل المواجهة باتت أعلى من السابق، خصوصاً مع اقتراب استحقاقات سعودية كبرى، مثل معرض «إكسبو 2030» وكأس العالم 2034، وما تتطلبه من استقرار أمني طويل الأمد.
ويتقاطع هذا التقييم مع رؤية الكاتب اليمني عبد القادر الجنيد، الذي يرى أن السياسة السعودية انتقلت تدريجياً من محاولة إنهاء الحرب عبر التفاهمات السياسية إلى واقع فرض عليها العودة إلى خيار الرد العسكري، رغم أنها لا ترغب في استنزاف جديد.
ويرى الكاتب أن السعودية لا ترغب في العودة إلى الحرب، وأنها بذلت خلال السنوات الماضية جهوداً للخروج من الصراع عبر التفاوض مع إيران والحوثيين، لكنها وجدت نفسها أمام ضغوط تدفعها نحو المواجهة.
ويرى أن إيران والحوثيين يرون في التصعيد فرصة لفتح جبهة جديدة ضد خصومهم، واستخدام البحر الأحمر وباب المندب كورقة ضغط إستراتيجية. كما ينتقد الكاتب ضعف الجانب اليمني الرسمي، مقدرا أن غياب الدولة الموحدة والقرار السياسي الداخلي جعل اليمن ساحة تتقاطع فيها صراعات القوى الإقليمية.
في المقابل، يسعى الحوثيون، بحسب تقديرات مراقبين، إلى استثمار التصعيد لتحقيق ثلاثة أهداف متوازية: إثبات استمرار قدرتهم العسكرية رغم سنوات التهدئة، ورفع كلفة أي محاولة لتهميشهم في أي تسوية سياسية مقبلة، وتعزيز موقعهم التفاوضي عبر إظهار قدرتهم على التأثير في أمن الطاقة والتجارة الدولية.
ويذهب محللون إلى أن التصعيد الحوثي- السعودي الأخير يمثل تحولاً نوعياً في مسار الأزمة اليمنية؛ إذ لم يعد الصراع محصوراً في جبهات الداخل، بل انتقل إلى استهداف المصالح الإستراتيجية المرتبطة بأمن الطاقة والملاحة في البحر الأحمر.
فالحوثيون يسعون إلى توظيف موقع اليمن الجغرافي وباب المندب كأداة ضغط إقليمية ضمن شبكة الصراع الأوسع بين إيران وخصومها، بينما تجد السعودية نفسها أمام معادلة معقدة بين استعادة الردع ومنع تحول المواجهة إلى حرب استنزاف جديدة.
من هذا المنطلق، يرى مراقبون أن الحسابات السعودية الحالية قد تكون قائمة على إدراك أن الانجرار إلى مواجهة واسعة مع الحوثيين لا يخدم بالضرورة أهدافها الإستراتيجية، بل قد يحقق مكاسب لأطراف تسعى إلى استنزافها أو تعطيل مسارها التنموي.
ولذلك فضّلت الرياض خلال السنوات الأخيرة مقاربة تقوم على الاحتواء السياسي والدبلوماسي، حتى مع تقديم تنازلات محسوبة، بتقدير أن كلفة التسوية المؤقتة قد تكون أقل من كلفة حرب مفتوحة يصعب التحكم بمسارها ونتائجها.
وبينما تبدو الأطراف حريصة حتى الآن على تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة، فإن استمرار استهداف المنشآت الحيوية والسفن التجارية قد يدفع نحو تغيير قواعد الاشتباك ويفتح الباب أمام مرحلة أكثر اضطراباً في اليمن والمنطقة.
مسارات التصعيد
رغم الارتفاع غير المسبوق في مستوى التصعيد العسكري والسياسي، فإن العودة إلى حرب شاملة لا تزال أحد السيناريوهات المحتملة، وليست النتيجة الحتمية.
فالسعودية أصبحت أكثر ميلاً إلى احتواء الصراع وحماية مصالحها الإستراتيجية بدلاً من الانخراط في حرب مفتوحة، فيما يدرك الحوثيون أن السيطرة العسكرية الكاملة على اليمن ما تزال تواجه ممانعة داخلية وقيوداً إقليمية.
ومع ذلك، يبقى خطر الانزلاق لحرب مفتوحة قائماً؛ لأن اتساع استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، واستهداف الموانئ والمنشآت الحيوية والممرات البحرية، يزيد من احتمالات خروج التصعيد عن نطاق الحسابات السياسية.
وفي ضوء المعطيات الحالية، تبدو ثلاثة مسارات رئيسة أكثر ترجيحاً: استمرار التصعيد ضمن سقف محسوب مع بقاء قنوات التفاوض مفتوحة، أو انهيار التهدئة إذا تعرضت منشآت إستراتيجية أو سقطت خسائر كبيرة تدفع الأطراف إلى توسيع المواجهة، أو توظيف التصعيد بوصفه ورقة لتحسين شروط التفاوض، بحيث تستخدم القوة العسكرية لتعزيز المواقع السياسية لا لتحقيق حسم ميداني شامل.
وفي كل الأحوال، تؤكد التطورات الأخيرة أن اليمن دخل مرحلة جديدة لم يعد فيها مجرد ملف صراع داخلي، بل أصبح ورقة مركزية في معادلة الأمن الإقليمي، تتقاطع فيها حسابات النفوذ الإيراني، والمخاوف السعودية، وأمن البحر الأحمر والطاقة العالمية.
وبينما يسعى الحوثيون إلى تكريس حضورهم كقوة قادرة على فرض خياراتها والتأثير في مسارات المنطقة، تحاول القوى المقابلة منع تحول اليمن إلى ورقة ضغط إستراتيجية مفتوحة. ويبقى مستقبل التصعيد مرهوناً بقدرة الأطراف على إعادة ضبط قواعد الاشتباك قبل أن يتحول اليمن مجدداً إلى بوابة لحرب إقليمية أوسع.
المصادر
- القوات المسلحة تستهدف سفينتين نفطيتين سعوديتين تثبيتا لمعادلة الحصار بالحصار
- القوات المسلحة تعلن عن تنفيذ عمليتين نوعيتين استهدفتا منشآت تابعة لشركة أرامكو في جيزان وينبع
- إدانات دولية واسعة للاعتداء الحوثي على سفينة سعودية
- «التحالف» ينفذ عملية عسكرية ضد أهداف حوثية مشروعة في الحديدة
- رئيس مجلس القيادة يحذر المليشيات الحوثية من استمرار التصعيد والمقامرة بمصالح الشعب اليمني
- غوتيريش يحذر من توسع الصراع باليمن عقب استئناف الحوثيين مهاجمة السفن
- حصري-مصادر: إيران أرسلت قيادات من الحرس الثوري وعتاد صواريخ للحوثيين
- ترامب يتوعد بمعاقبة إيران بعد هجمات الحوثيين في البحر الأحمر
- رئيس الوفد الوطني: السعودية تسعى لتعويض فشلها في عدوانها على اليمن وسياساتها شبيهة بالنهج الإسرائيلي
- الرئيس المشاط: إجراءات القوات المسلحة مشروعة ومحقة وتهدف لإنهاء الحصار والعدوان السعودي
- تحليل-اليمن على شفا حرب جديدة في ظل الصراع الإيراني
- الجميع يريد أن تتحارب السعودية مع الحوثيين … ما عدا السعودية















