"الخان الأحمر" بالقدس.. لماذا تسعى إسرائيل لتهجير سكانها منذ عقدين؟

حسن عبود | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

على تلة ترابية بين القدس وأريحا، تتوزع بيوت بدائية مصنوعة من الخشب والخيام، تشكل تجمعًا بدويًا صغيرًا يُعرف باسم الخان الأحمر، ويضم عددًا من العائلات الفلسطينية التي ترعى أغنامها في السفوح الشرقية للمدينة المقدسة.

أصبحت هذه القرية البسيطة خلال السنوات الأخيرة عنوانًا لملف تهجير واستيطان تجاوز حدود المنطقة، إذ يهددها اليوم قرار إسرائيلي باقتلاع سكانها، ضمن مشروع استيطاني يسعى إلى ربط مستوطنة معاليه أدوميم بالقدس عبر منطقة تعرف باسم "E1".

قصة الخان الأحمر

آخر تطور حدث في 19 مايو/أيار 2026، عندما وقّع وزير المالية الإسرائيلي ووزير الإدارة المدنية في وزارة الجيش بتسلئيل سموتريتش توجيهًا يدعو إلى تهجير سكان الخان الأحمر في أقرب وقت.

لم يتضح حتى الآن متى يدخل التوجيه حيّز التنفيذ، وما إذا كان سيحتاج موافقة المجلس الوزاري الأمني المصغر "الكابينت" أو سيواجه طعونًا جديدة، لكن منظمات إسرائيلية معارضة للاستيطان حذرت من أن هدم مباني التجمع قد يصبح ممكنًا خلال أسابيع.

وأعاد توجيه سموتريتش التهديد إلى الواجهة، خصوصًا بعدما أعلن استعداده لتوقيع أمر التهجير ردًا على تقارير عن احتمال صدور مذكرة اعتقال ضده من المحكمة الجنائية الدولية.

هذا التطور أعاد فتح ملف الخان الأحمر، ليس كقصة هدم محلي فقط، بل كقضية تجمع بين أوامر هدم قديمة، وسكان يرفضون التهجير القسري، وموقع حساس في منطقة تخضع لسيطرة الاحتلال الكاملة.

إذ يقع تجمع الخان الأحمر في منطقة “ج”، على مسافة نحو 12 كيلومترًا شرق القدس، ويتشكل من عائلات بدوية تنتمي إلى عشيرة الجهالين التي هُجّرت من النقب في خمسينيات القرن الماضي، ثم طُردت ثانية من أراضٍ أخرى قرب كفر أدوميم في السبعينيات، فاستقرت في موقعها الحالي.

واليوم، تعيش في هذا التجمع 45 أسرة تضم نحو 320 نسمة بحسب وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا”، تتذرع سلطات الاحتلال بأن بيوتها تقع ضمن "البناء غير المرخّص" لأنها أقيمت في منطقة "ج".

 إلا أن منظمات حقوقية تشير إلى أن ما تسمى الإدارة المدنية الإسرائيلية تمنع الفلسطينيين عمليًا من الحصول على تصاريح بناء، ما يدفعهم إلى البناء من دون ترخيص، لتلاحقهم السلطات لاحقًا بأوامر الهدم.

ويرفض البدو مغادرة القرية ويرون أن هذه الخطوة تعد تهجيرًا قسريًا؛ لأنها تنقلهم من نمط حياة رعوي مرتبط بالمكان إلى مناطق بديلة لا تلائم حياتهم ولا تحفظ حقهم في البقاء على أرضهم.

بدأ المسار القضائي الذي استُخدم لشرعنة الهدم في العام 2009، عندما رفعت منظمة المستوطنين "رغافيم" دعوى أمام المحكمة العليا تطالب بهدم الخان الأحمر.

وبعد سنوات من المداولات، قضت المحكمة في 24 مايو/أيار 2018 بالسماح لحكومة الاحتلال بتدمير التجمع وترحيل سكانه إلى منطقة أبو ديس في حكم شكّل أساسًا للهدم، لكن تنفيذه تأخر بسبب ضغوط دولية وحملات حقوقية واسعة.

وقدمت حكومة الاحتلال 9 طلبات لتأجيل التنفيذ حتى فبراير/شباط 2022، ووافقت المحكمة على التمديد، لكنها شددت أن التأجيل لا يمكن أن يستمر إلى الأبد.

لذلك، يأتي توجيه سموتريتش الجديد ليدفع باتجاه تنفيذ أوامر قائمة، ويعني عمليًا أن التهديد القديم عاد إلى مرحلة التحضير العملي.

ما أهداف إسرائيل؟

لفهم دوافع إسرائيل تجاه الخان الأحمر يجب النظر إلى الخريطة، فالمنطقة المعروفة بـ "E1" تقع على الطرف الغربي لمستوطنة معاليه أدوميم، وتمتد لنحو 12 كيلومترًا مربعًا بين هذه المستوطنة وشرق القدس.

هذه المنطقة ليست مساحة هامشية، بل عقدة جغرافية حساسة بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم، وهي المنطقة التي تعمل إسرائيل على تحويلها إلى جسر استيطاني يربط المستوطنة بالمدينة.

فبقاء الخان الأحمر في قلب هذه المنطقة يحافظ على حضور فلسطيني في المساحة التي يريدها الاحتلال ممرًا استيطانيًا مفتوحًا بين القدس ومعاليه أدوميم.

فمن خلال البناء الاستيطاني وشبكة الطرق المخطط لها، تسعى إسرائيل إلى خلق تواصل استيطاني مباشر بين المستوطنة والقدس، مقابل دفع الحركة الفلسطينية إلى مسارات التفافية حول المنطقة.

وتعد معاليه أدوميم نفسها من أكبر المستوطنات الإسرائيلية وأبرزها شرق القدس، وتقع في قلب خطة إسرائيلية لخلق حزام استيطاني يحيط بالمدينة المقدسة ويعزلها عن محيطها الفلسطيني.

ومشروع "E1" ليس جديدًا، فقد طرحته الحكومات الإسرائيلية منذ التسعينيات، لكنه ظل مجمّدًا تحت ضغط أميركي وأوروبي.

في أغسطس/آب 2025 صادقت اللجنة العليا للتخطيط على خطة لبناء 3,401 وحدة استيطانية في المنطقة، وفي ديسمبر/كانون الأول من نفس العام نُشر عطاء رسمي يتيح للشركات تقديم عروضها.

ويمثل هذا الرقم أكبر مشروع استيطاني منفرد منذ سنوات، ويدخل ضمن سلسلة من العطاءات التي بلغت 9,629 وحدة استيطانية عام 2025، أكثر من نصفها في معاليه أدوميم.

إلى جانب البناء الاستيطاني، تعتزم الحكومة إنشاء طريق "السيادة" – أو ما يسميه الفلسطينيون طريق الأبارتهايد (الفصل العنصري) الذي يحول السكان إلى مسار ضيق يلتف حول معاليه أدوميم، بما يسمح لاحقًا بتقليل أو منع مرورهم عبر الطريق الرئيس في المنطقة.

هذا الطريق يمنح المستوطنين مسارًا أكثر مباشرة بين معاليه أدوميم والقدس المحتلة دون المرور بالفلسطينيين.

كما يعزز التواصل الاستيطاني من القدس باتجاه هذه المستوطنة ومحور البحر الميت والأغوار، فيما يتحول التواصل الفلسطيني إلى خطوط مواصلات بديلة بلا امتداد جغرافي متصل.

ماذا يعني التهجير؟

التهجير، إن نُفّذ، لا يعني مجرد إزالة مجموعة من البيوت البدائية، فمعظم سكان الخان الأحمر ينحدرون من عشيرة الجهالين التي هُجّرت من موطنها الأصلي في النقب بعد النكبة، وسيُجبرون على الانتقال إلى منطقة جديدة يرجح أن تكون أبو ديس.

ويقول مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان: إن “الضغط لإخلاء” الخان الأحمر يأتي ضمن نمط أوسع من التهجير القسري وتوسيع المستوطنات في الأرض المحتلة.

فالقرية ليست حالة منفصلة، إذ إنها واحدة من 18 تجمعًا بدويًا في منطقة "E1" يعيش فيها نحو 4,000 شخص، وتقول الأمم المتحدة إنهم يتأثرون مباشرة بخطة البناء الاستيطاني بين شرق القدس ومعاليه أدوميم.

ومنذ عام 2009، وثّق مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة هدم نحو 550 منشأة في هذه التجمعات الـ18 بحجة عدم الحصول على تراخيص إسرائيلية، بينها 175 منشأة ممولة من جهات مانحة كمساعدات إنسانية. 

لذلك، فإن تهجير سكان الخان الأحمر قد يتحول إلى سابقة عملية تمهد لمزيد من الضغط على التجمعات المجاورة، لا سيما تلك الواقعة قرب مسار الطريق المخطط أو داخل نطاق التوسع الاستيطاني.

ومن هذه التجمعات، وادي جمال قرب مسار طريق "السيادة" وجبل البابا في محيط العيزرية وأبو ديس، ما يعني فقدان مجتمعات بأكملها لموطنها وتقاليدها القائمة على الرعي.

وتظهر تجمعات أخرى مثل وادي سنيسل وبير المسكوب وأبو النوار في الحيز نفسه بين الطريق رقم 1 ومعاليه أدوميم والامتداد الشرقي للقدس.

وعلى مستوى الخريطة، من شأن المشروع أن يعزل شرق القدس عن محيطها الفلسطيني ما يفقد الفلسطينيين القدرة على الوصول الطبيعي إلى مركزهم الحضري في القدس ويقوّض إمكانية جعل المدينة عاصمة لدولتهم المستقبلية. 

علاوة على ذلك، يضعف هذا المشروع الاستيطاني التواصل بين شمال الضفة وجنوبها، محولًا هذه المنطقة إلى "كانتونات" منفصلة، ما يجعل فكرة الدولة الفلسطينية القابلة للحياة شبه مستحيلة.

إلى جانب الجغرافيا، تؤكد منظمات إنسانية أن سكان تلك التجمعات المهددة قد يفقدون سبل عيشهم ووصولهم إلى الخدمات الصحية والتعليمية. 

هذا التفتيت يزيد من معدلات الفقر ويقضي على ثقافة الرعي التي تشكل جزءًا مهمًا من هوية بدو السفوح الشرقية للقدس.

في خضم هذا كله، تواجه حكومة الاحتلال معارضة دولية متزايدة؛ إذ وصف بيان مشترك لدول غربية عدة في مايو 2026 مشروع "E1" بأنه غير قانوني، وحذر من أنه سيقسم الضفة الغربية، فيما أكد الاتحاد الأوروبي ودول أخرى أن المشروع يقوض حل الدولتين ودعوا إسرائيل للتراجع الفوري. 

أما مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فدعا إسرائيل إلى وقف إجراءات التهجير للخان الأحمر ووقف التوسع الاستيطاني في "E1"، مقدرا أن المسارين مرتبطان: تهجير التجمعات الفلسطينية من جهة، وتثبيت واقع استيطاني جديد من جهة أخرى.