من التعاون الاقتصادي إلى الاستهداف.. هكذا تحولت الإمارات إلى خصم إستراتيجي لإيران

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

برزت خلال الحرب الأميركية الإيرانية ظاهرة لافتة؛ حيث تجاوز عدد الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيرة التي استهدفت الإمارات ما تعرضت له معظم دول الخليج، بل وتفوق في فترات معينة على ما واجهته إسرائيل نفسها، رغم أنها كانت أحد أطراف المواجهة الرئيسة.

وحتى بعد التوصل إلى وقف إطلاق نار مؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، استمرت الهجمات، إذ شنت إيران ضربات بطائرات مسيرة وصواريخ استهدفت منطقة الفجيرة النفطية في الإمارات يومي 4 و10 مايو/ أيار 2026 على التوالي.

بالتزامن مع تحذير نادر وصريح من الحرس الثوري الإيراني لأبوظبي، رأى فيه أن استمرارها في "العمل كقاعدة أمامية للولايات المتحدة وإسرائيل" سيجعلها تدفع "ثمنا لن تنساه أبدا".

في هذا السياق، تطرق موقع "تينسنت" الصيني لجذور التوتر المتصاعد بين الإمارات وإيران، مستعرضا الخلفيات السياسية والإستراتيجية التي دفعت أبوظبي إلى تبني نهج أكثر صدامية في الشرق الأوسط.

كما سلط التقرير الضوء على طبيعة النموذج الإماراتي، مشيرا إلى أنه يشكل تهديدا متزايدا للمشروع الإقليمي الإيراني وطموحات طهران التوسعية في الشرق الأوسط، إلى جانب تناوله الأسباب التي تجعل أبوظبي "تندفع بثقة" نحو مواجهة إيران.

ضمان البقاء

ولفهم جذور العداء الحالي بين طهران وأبوظبي، عاد الموقع إلى عام 1971 حين تأسست دولة الإمارات بين ظل قوتين إقليميتين؛ إيران والسعودية.

ويعتقد أن "حذر الإمارات من إيران ينبع في المقام الأول من شعورها العميق بالتهديد الأمني، ويشمل ذلك الصراعات الدينية والأيديولوجية المستمرة بين المسلمين السنة والشيعة، فضلا عن النزاعات الإقليمية على جزر مثل أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى".

علاوة على ذلك، فإن "مساعي إيران المستمرة لـ(تصدير الثورة) ودعم القوى الوكيلة الإقليمية قد فاقمت من انعدام الأمن لدى الإمارات".

أما الرياض، فأشار الموقع إلى أن هناك "قدرا من عدم الثقة بين الإمارات تجاه السعودية بسبب هاجس (الهيمنة الإقليمية)، وهو ما يثير قلق أبوظبي من البقاء في موقع تابع داخل منظومة تقودها الرياض".

وأردف: "رغم انتماء البلدين إلى المعسكر الخليجي نفسه، فإن العلاقة بينهما اتسمت بمنافسة واضحة في ملفات متعددة، مثل سياسات الطاقة والمراكز المالية والنفوذ الإقليمي وممرات الشحن".

في هذا السياق، شدد الموقع على أن "أولويات الإمارات لا تتمحور حول قضايا الزعامة العربية أو تمثيل العالم الإسلامي بقدر ما تركز على هدفين أساسيين: ضمان البقاء، وتحقيق العائد الاقتصادي".

ووفق تقديره، "يعكس ذلك منطقها الإستراتيجي القائم على استحالة منافسة القوى البرية التقليدية من حيث السكان أو الموارد أو النفوذ الديني، ما دفعها إلى تبني مسار بديل يقوم على البحر والتجارة والتمويل".

"ومن هنا، جاء تحولها إلى نموذج (الدولة التجارية البحرية)، حيث تخلت عن السعي للنفوذ الأيديولوجي لصالح بناء مركز اقتصادي عالمي، وهو ما يتجلى بوضوح في تجربة دبي التي أصبحت مركزا ماليا ولوجستيا يربط تدفقات النفط والعمالة ورؤوس الأموال والسلع بين قارات مختلفة"، قال التقرير.

وتابع: "إن هذا التموضع كدولة تجارية بحرية يفرض عليها إعطاء الأولوية للمصالح التجارية، وبالتالي تعد أبوظبي أكثر استعدادا للتحالف مع من يستطيع توفير الضمانات الأمنية ورأس المال والتكنولوجيا، والأسواق، ومن يستطيع مساعدتها في الحفاظ على مكانتها كمركز تجاري عالمي".

وهو ما يفسر، بحسب الموقع، "الطابع البراغماتي للسياسة الخارجية الإماراتية، التي تضع المصالح العملية فوق الشعارات الأيديولوجية التقليدية، مثل (معاداة إسرائيل) أو (القومية العربية)".

"بل تنتهج دبلوماسية براغماتية ومتعددة الأوجه ومتوازنة؛ إذ تسعى إلى كسب ود الولايات المتحدة، والتعاون مع الصين، وتوطيد العلاقات مع الهند، فضلا عن الاستفادة من إسرائيل"، وفق قوله.

في الوقت ذاته، أكد الموقع على أن ذلك "لا يعني أن الإمارات تفتقر إلى الطموح، بل على العكس تماما؛ إذ تعمل بشكل نشط على توسيع نفوذها الإقليمي والجيوسياسي في سوريا واليمن وليبيا والسودان".

إضافة إلى "بناء حضور إستراتيجي متنام في القرن الإفريقي عبر الموانئ والقواعد البحرية، بما يتيح لها التحكم في ممرات بحرية حيوية بين البحر الأحمر والمحيط الهندي".

وأضاف الموقع: "كما تستخدم أدواتها الاقتصادية كوسيلة تأثير سياسي عبر دعم حلفاء وشركاء إقليميين في دول مثل مصر والأردن والعراق والمغرب، بما ينسجم مع إستراتيجية أوسع تهدف إلى تشكيل توازنات إقليمية مناهضة لنفوذ إيران وجماعات الإسلام السياسي".

ومن وجهة نظر التقرير، فإن هذه التحركات "تعكس اتجاها إماراتيا متزايدا نحو الابتعاد عن النظام الخليجي التقليدي، مع تحول واضح في أولوياتها الإستراتيجية من الدفاع عن المصالح العربية المشتركة إلى التركيز بصورة أكبر على المصالح الإماراتية الخاصة".

وبحسب رأيه، فإنه "حتى الآن، تبدو هذه المقاربة ناجحة إلى حد كبير، كما أن تأثيرها بدأ يمتد إلى دول أخرى في الشرق الأوسط، حيث تتجه بعض الحكومات تدريجيا من تبني سياسات قائمة على الأيديولوجيا إلى نهج يضع المصالح الوطنية في المقام الأول".

غير فعالة

ويعتقد الموقع أن "هذا تحديدا ما يثير أكبر قدر من القلق لدى إيران، فالميزة الإستراتيجية لإيران تكمن في استغلال الخطابات الدينية والمشاعر السياسية الإقليمية المعادية لأميركا وإسرائيل لبسط نفوذها في جميع أنحاء الشرق الأوسط".

واستدرك: "إلا أنه بمجرد أن تتحول دول المنطقة نحو الدبلوماسية البراغماتية، ستصبح تكتيكاتها القائمة على الصراعات الجيوسياسية للتعبئة الإقليمية غير فعالة، وسيضعف نفوذها الإقليمي".

وبحسب التقرير، "لم تعد إيران تنظر إلى الإمارات باعتبارها مجرد حليف إقليمي للولايات المتحدة، بل كطرف منخرط بشكل مباشر في إستراتيجية احتواء طهران".

واستطرد: "خاصة مع تصاعد تعاونها العسكري والأمني مع واشنطن وتوسيع شراكتها الدفاعية مع إسرائيل منذ توقيع "اتفاقات أبراهام"، بما يشمل أنظمة الدفاع الجوي وتبادل المعلومات الاستخباراتية".

"ويبرز ذلك خلال المواجهة الأخيرة، فقد نشرت إسرائيل منظومات دفاع ومراقبة داخل الإمارات، ما منحها قدرة أكبر على متابعة التحركات العسكرية الإيرانية في الجنوب، وهو ما تعتبره طهران تهديدا مباشرا لأمنها الإستراتيجي"، وفق تحليله.

إلى جانب ذلك، ترى إيران أن "الإمارات تعمل تدريجيا على إضعاف واحدة من أهم أوراق الردع الإستراتيجية التي تمتلكها طهران".

وتابع الموقع موضحا: "فعلى مدى عقود، استند جزء كبير من النفوذ الإيراني في مواجهة الولايات المتحدة والغرب إلى قدرتها على تهديد الملاحة في مضيق هرمز".

غير أن الإمارات، بحسب التقرير، "تسعى إلى تقليص أهمية هذه الورقة عبر إنشاء مسار بديل لتصدير النفط بعيدا عن المضيق".

وفي هذا السياق، ينظر الموقع إلى "إعلان أبوظبي الانسحاب من أوبك باعتباره خطوة تتجاوز مجرد الخلافات الإنتاجية مع السعودية، إذ يمنحها حرية أكبر لزيادة الإنتاج والتصدير في وقت تضغط فيه الولايات المتحدة من أجل خفض أسعار النفط عالميا".

ووفقا للتقرير، فإن "ذلك يقلل جزئيا من قدرة إيران على استخدام ورقة إغلاق المضيق كأداة ضغط إستراتيجية".

ومن هذا المنطلق، أكد على أن "طهران لا ترى في استهداف الإمارات مجرد رد انتقامي، بل محاولة لمنع تشكل نظام خليجي جديد تعتبره معاديا لمصالحها".

"كما أن إيران تركز على أكثر نقاط القوة الإماراتية حساسية، وهي صورة الدولة الآمنة والمستقرة التي بنت عليها مكانتها كمركز مالي وتجاري عالمي"، وفق ما أورده التقرير.

ولفت إلى أن "إيران لا تحتاج بالضرورة إلى تدمير هذه البنية بشكل مباشر، بل يكفيها خلق حالة مستمرة من عدم اليقين تهز صورة (الاستقرار والأمان)، وهو ما قد ينعكس تدريجيا على جاذبية النموذج الإماراتي بأكمله".

في الوقت ذاته، يقدر التقرير أن "الرسائل الإيرانية لا تستهدف الإمارات وحدها، بل تتجاوزها إلى بقية دول الخليج أيضا".

وتابع: "فمن خلال الضغط على أبوظبي، تسعى طهران إلى توجيه تحذير أوسع مفاده أن الانحياز الكامل إلى الولايات المتحدة قد لا يضمن الأمن والاستقرار، بينما الوقوف في مواجهة إيران ستكون له تكلفة مباشرة".

غطاء سياسي

وفي خضم التهديدات المتبادلة بين الطرفين، أبرز الموقع الصيني قدرات أبوظبي العسكرية. مشيرا إلى أن "ثقة الإمارات المتزايدة تعزو إلى التطور الكبير في قدراتها الدفاعية والعسكرية خلال السنوات الأخيرة، خاصة في مجال الدفاع الجوي".

وأضاف: "فإلى جانب منظومات ثاد وباتريوت الأميركية الموجودة بالفعل في الإمارات، أضيفت أنظمة إسرائيلية متقدمة مثل القبة الحديدية والشعاع الحديدي الليزري، مع مشاركة خبراء وتقنيين إسرائيليين في تشغيلها، ما وفر للإمارات واحدة من أكثر شبكات الدفاع الجوي تطورا في المنطقة".

ولا تقتصر القوة الإماراتية، بحسب التقرير، على القدرات الدفاعية، بل تشمل أيضا سلاحا جويا متقدما يمتلك مقاتلات "إف-16 بلوك 60" المعروفة باسم "صقر الصحراء"، إلى جانب طائرات "ميراج" الفرنسية، وطائرات مسيرة ومنصات استطلاع إلكتروني.

"كما تلقى الطيارون الإماراتيون تدريبات مشتركة مكثفة مع القوات الأميركية، ما منحهم قدرات متقدمة في تنفيذ الضربات الدقيقة بعيدة المدى وعمليات قمع الدفاعات الجوية، الأمر الذي يمنح أبوظبي القدرة على استهداف منشآت إيرانية حساسة بدقة عالية"، وفق الموقع.

وأكد التقرير أن الإمارات "ما كانت لتتخذ هذا المسار دون غطاء سياسي وأمني من حلفائها؛ إذ وفرت واشنطن دعما سياسيا غير معلن وحماية دبلوماسية".

في الوقت ذاته، أشار إلى أن "التعاون الأمني مع إسرائيل شهد تطورا غير مسبوق، وصل إلى مستوى (التحالف العسكري الكامل)، خاصة بعد الزيارة السرية التي قيل إن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أجراها إلى الإمارات".

وفي ختام التقرير، طرح الموقع سؤالا مفتوحا حول ما “إذا كان دخول الإمارات المباشر في المواجهة سيؤدي إلى كسر التوازن الهش القائم في الشرق الأوسط، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة أكثر اضطرابا في المنطقة؟”