من الورقة الكردية إلى الإنزال البحري.. كيف تتغير خطط واشنطن ضد إيران؟

إسماعيل يوسف | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

في مارس/آذار 2026، وأثناء الحملة العسكرية الأميركية-الإسرائيلية المشتركة ضد إيران التي رافقتها تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إمكانية "تغيير النظام"، طُرح سيناريو يقضي بشن عملية برية داخل الأراضي الإيرانية، انطلاقاً من إقليم كردستان العراق، تنفذها فصائل كردية إيرانية معارضة. غير أن هذا السيناريو لم يرَ النور وانتهى إلى الفشل.

واليوم، ومع تصاعد حملة القصف الأميركية الجديدة، عاد ترامب إلى التلميح مجدداً إلى ما يمكن وصفه بـ"الورقة الكردية"، دون أن يسميها صراحة، ملمحاً إلى احتمال اللجوء إلى عملية برية مع اتساع نطاق المواجهة مع إيران، لكنه لم يقدم أي تفاصيل بشأن طبيعة هذا الخيار أو الجهات التي قد تنفذه.

وقال ترامب، في مقابلة مع شبكة "فوكس نيوز" بتاريخ 15 يوليو/تموز 2026، تعليقاً على احتمال شن حرب برية: "أحياناً تحتاج إلى حملة برية، لكن لدينا أشخاصاً آخرين سيقومون بالحملة البرية نيابةً عنا"، في إشارة إلى أن القوات الأميركية لن تكون طرفاً مباشراً في أي عملية من هذا النوع.

ورغم أن عبارة ترامب بشأن "أشخاص آخرين" بقيت غامضة، فإنها فتحت باب التكهنات بين المحللين حول ما إذا كان يقصد وكلاء محليين داخل إيران، أو جماعات معارضة مسلحة، أو الفصائل الكردية الإيرانية. كما أعادت هذه التصريحات إلى الواجهة سيناريوهات طُرحت في بداية الحرب، وفي مقدمتها خيار تغيير النظام، رغم أن التجربة السابقة أظهرت محدودية فرص نجاحه.

وتكمن المفارقة في أن أحد أبرز أسباب إفشال سيناريو مارس/آذار كان تسريبه إعلامياً، ما منح طهران فرصة للاستعداد له وإحباطه. واليوم، يبدو أن ترامب كشف بنفسه ملامح السيناريو الجديد، وإن بصورة غير مباشرة ومن دون تفاصيل، أو أي إشارة صريحة إلى الأكراد، الأمر الذي يثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه التصريحات تعكس خطة عسكرية فعلية، أم أنها تندرج ضمن أدوات الضغط السياسي والنفسي على إيران.

وبالفعل، سارعت طهران إلى اتخاذ إجراءات احترازية؛ إذ دفعت بتعزيزات عسكرية إلى الحدود مع إقليم كردستان العراق، ونفذت غارات استهدفت مواقع لفصائل كردية، إلى جانب قصف مواقع للقوات الأميركية في أربيل، وذلك بعد يوم واحد فقط من تصريحات ترامب، في مؤشر على أنها تعاملت مع تلك التلميحات بوصفها تهديداً يستدعي الاستعداد المبكر.

قصة الفشل الأول

في مارس/آذار 2026، تحدث وزير الدفاع الأميركي صراحة عن "الورقة الكردية" بوصفها أحد الخيارات المطروحة ضمن الخطط الأميركية-الإسرائيلية للضغط على إيران من الداخل.

وأوضح أن واشنطن أجرت مشاورات مع جماعات كردية إيرانية مسلحة بشأن إمكانية مشاركتها في الضغط العسكري على طهران عبر الجبهة الغربية، انطلاقاً من إقليم كردستان العراق، في حال تصاعدت المواجهة، وفق ما نقلته وكالة "رويترز" في 4 مارس/آذار 2026.

وفي أعقاب تلك التصريحات، تداولت وسائل إعلام أميركية وإسرائيلية تقارير متلاحقة زعمت بدء تسلل مجموعات كردية مسلحة إلى الأراضي الإيرانية عبر مناطق حدودية مع العراق وأذربيجان، إلا أن هذه المزاعم تبيّن لاحقاً أنها غير صحيحة.

ورغم ذلك، تعاملت طهران مع تلك التقارير بصفتها تهديداً محتملاً، وردت بقصف مدفعي وصاروخي استهدف مواقع لفصائل كردية مسلحة على الشريط الحدودي، في إطار إجراءات احترازية.

وفي 5 مارس/آذار 2026، ذكرت صحيفة "واشنطن بوست" أن إدارة الرئيس دونالد ترامب سعت إلى استمالة الأكراد، وأجرت اتصالات مع قيادات كردية إيرانية وعراقية، وعرضت تقديم دعم جوي أميركي في حال تحركت ضد النظام الإيراني.

غير أن هذه الخطة سرعان ما تعثرت لعدة أسباب، في مقدمتها رفض حكومة إقليم كردستان العراق استخدام أراضيها منطلقاً لأي هجوم على إيران، وغياب التزام أميركي بتقديم دعم عسكري مباشر للفصائل الكردية، فضلاً عن الموقف التركي الرافض لأي تحرك قد يعزز نفوذ الفصائل الكردية المسلحة، وفق تقارير أميركية وأوروبية.

كما اصطدمت الخطة بغياب التأييد الشعبي داخل إيران لفكرة إسقاط النظام عبر جماعات مسلحة ذات طابع انفصالي، في ظل مخاوف واسعة من تهديد وحدة البلاد، وانتهى الأمر بالأحزاب الكردية الإيرانية نفسها إلى نفي وجود أي عملية عسكرية أو تلقيها دعماً عسكرياً أميركياً أو إسرائيلياً.

وفي 29 مارس/آذار 2026، أرجعت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" والقناة 12 الإسرائيلية انهيار الخطة إلى تسريب تفاصيلها مبكراً، إضافة إلى الرفض الإقليمي لها. وأشارتا إلى أن واشنطن وتل أبيب كانتا تراهنان على دخول مقاتلين أكراد من العراق إلى إيران لإشعال انتفاضة واسعة ضد النظام، إلا أن الخطة انهارت قبل أن تدخل مرحلة التنفيذ.

وأضافت وسائل إعلام إسرائيلية أن فشل الخطة لم يكن نتيجة التسريب وحده، بل جاء أيضاً بسبب تعزيز إيران انتشارها العسكري في شمال غربي البلاد، وممارسة ضغوط دبلوماسية على الحكومة العراقية، إلى جانب الرفض التركي، وتردد القيادات الكردية في المضي بالمغامرة نظراً لما تنطوي عليه من مخاطر عسكرية وسياسية.

بدورها، أكدت صحيفة "واشنطن بوست" أن الفصائل الكردية لم تكن مهيأة لخوض مواجهة بهذا الحجم؛ إذ عانت من نقص في التسليح، وانقسامات داخلية، ومخاوف من رد إيراني واسع، فضلاً عن رفض الحزبين الكرديين الرئيسين في إقليم كردستان العراق تحويل الإقليم إلى منصة لانطلاق أي هجوم ضد إيران.

لماذا يكررها ترامب؟

أثار حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب مجدداً عن احتمال اللجوء إلى حملة برية، خلال مقابلته مع شبكة "فوكس نيوز"، تكهنات واسعة، رغم أنه لم يربط هذه المرة بين ذلك وبين "الورقة الكردية" أو أي فصيل بعينه.

وفتح تصريحه الباب أمام عدة تفسيرات، من بينها احتمال أن تكون واشنطن تراهن على استعداد فصائل كردية أو جماعات معارضة مسلحة أخرى للتحرك داخل إيران، أو أن الحديث يندرج في إطار ممارسة ضغوط نفسية وعسكرية على طهران لدفعها إلى التراجع عن سياساتها في مضيق هرمز والعودة إلى طاولة المفاوضات.

وجاءت تصريحات ترامب بصيغة غامضة؛ إذ رد على سؤال حول استبعاد تنفيذ حملة برية محدودة بالقول: "لا أريد القيام بذلك". مضيفاً: "أحياناً تكون هناك حاجة إلى حملة برية، لكن لدينا أطرافاً أخرى ستقوم بتنفيذها نيابة عنا"، دون أن يحدد هوية تلك الأطراف.

وتزامن هذا الخطاب مع تقرير بثته قناة "الحرة" الأميركية في 13 يوليو/تموز 2026، نقلت فيه عن أحزاب كردية إيرانية معارضة أن الحرس الثوري دفع بآلاف الجنود والأسلحة الثقيلة إلى المناطق الحدودية مع إقليم كردستان العراق.

ووصفت القناة هذه التحركات بأنها قد تعكس استعداداً إيرانياً لمواجهة محتملة مع مقاتلين أكراد، مشيرة إلى أن طهران لا تزال تتعامل مع احتمال تنفيذ الخطة الإسرائيلية بصفته قائماً.

وبحسب قيادات في الأحزاب الكردية تحدثت إلى "الحرة"، شملت التعزيزات الإيرانية قوات خاصة، ومدفعية، ودبابات، وصواريخ، وطائرات مسيّرة، إضافة إلى نحو ثلاثة آلاف عنصر من وحدة "صابرين" الخاصة، ووحدات من القوات البرية والقوة الجوفضائية التابعة للحرس الثوري.

ولفت الانتباه أيضاً أنه بعد نحو 24 ساعة من تصريحات ترامب عن وجود "أشخاص آخرين" قد ينفذون الحملة البرية، نشرت قناة "الحرة"، في 16 يوليو/تموز 2026، تقريراً تحدثت فيه عما وصفته بتصاعد الهجمات التي تستهدف عناصر الحرس الثوري وقوات الباسيج داخل إيران، على أيدي مجموعات معارضة.

وذكرت القناة أن "القمع المستمر للنظام دفع عدداً من الشبان الإيرانيين، بمن فيهم أشخاص لم يكونوا منخرطين سابقاً في قوى المعارضة، إلى التخلي عن خيار التغيير السلمي واللجوء إلى العمل المسلح".

ونقلت عن ناشطين إيرانيين منخرطين في مجموعات معارضة سرية أن نشاطهم تطور خلال الأسابيع الأخيرة من استخدام الزجاجات الحارقة في استهداف مقرات أمنية إلى تنفيذ هجمات بالأسلحة الرشاشة والقنابل، وعمليات استهدفت عناصر من الحرس الثوري وقوات الباسيج.

كما أجرت مقابلات مع ستة ناشطين، بعضهم من الأكراد، تحدثوا عن اتساع نطاق العنف المسلح في مناطق إيرانية عدة، بما في ذلك طهران وأصفهان ومشهد، عبر مجموعات متفرقة تختلف في خلفياتها التنظيمية وأهدافها، لكنها تشترك في تبني العمل المسلح ضد السلطات الإيرانية.

القط ذو الحذاء

بالتزامن مع نقل إيران تعزيزات عسكرية إلى المناطق الحدودية المقابلة لمناطق تمركز الفصائل الكردية، تحسباً لأي سيناريو أميركي محتمل لشن تحرك بري، ومع حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن وجود "أطراف أخرى" ستتولى تنفيذ أي حملة برية، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية وأميركية، في 14 يوليو/تموز 2026، تفاصيل خطة سرية سابقة لم تُنفذ.

وأفادت كل من صحيفتي "نيويورك تايمز" و"هآرتس"، إلى جانب وسائل إعلام إسرائيلية أخرى، بأن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد) أعد في مارس/آذار 2026 خطة لإسقاط النظام الإيراني حملت الاسم الرمزي "القط ذو الحذاء".

وبحسب تقرير للقناة 13 الإسرائيلية، كانت الخطة تقوم على تنفيذ إسرائيل ضربات تستهدف مواقع تابعة للحرس الثوري الإيراني في المنطقة الحدودية مع العراق، لا سيما في كردستان الإيرانية، تمهيداً لتحرك فصائل كردية مسلحة داخل الأراضي الإيرانية بهدف فتح جبهة برية ضد طهران.

ومع عودة الحديث عن "الورقة الكردية" في يوليو/تموز 2026، تساءل محللون أميركيون عما إذا كان ترامب يسعى إلى إحياء خطة "القط ذو الحذاء"، وما إذا كانت هذه الفرضية تفسر تسريع الولايات المتحدة نشر قوات بحرية وبرية إضافية في المنطقة المحيطة بإيران.

ويرى مراقبون أن الهجوم الإيراني الذي استهدف، في 7 أبريل/نيسان 2026، مواقع كردية إلى جانب القاعدة الأميركية والقنصلية الأميركية في مدينة أربيل بطائرات مسيّرة، جاء في إطار محاولة استباقية لإجهاض أي تحرك محتمل يعتمد على الفصائل الكردية، قبل أن يتحول إلى واقع ميداني.

خطة بديلة.. إنزال بري؟

أثار وصول وحدات من الفرقة الأميركية 82 المحمولة جواً، وهي من نخبة القوات المتخصصة في عمليات الإنزال والسيطرة السريعة على المواقع الحيوية، إلى جانب تعزيزات عسكرية أميركية أخرى في المنطقة، تساؤلات بشأن طبيعة المرحلة التالية من الحملة العسكرية ضد إيران، وما إذا كانت واشنطن تهيئ لخيار بري بديل أو موازٍ لـ"الورقة الكردية".

وزاد من هذه التكهنات تركيز الضربات الأميركية على استهداف الجسور والطرق وشبكات النقل داخل إيران، ولا سيما المحاور التي تربط المحافظات الجنوبية بالعاصمة طهران، وهو ما دفع مراقبين إلى التساؤل عما إذا كانت هذه الهجمات تمهد لعملية إنزال بري تستهدف السيطرة على مناطق النفط في الجنوب أو المواقع المطلة على مضيق هرمز، أو حتى فرض السيطرة المباشرة على حركة الملاحة في المضيق.

وعزز القصف الأميركي المكثف للبنية التحتية في محافظة هرمزغان، التي يقع مضيق هرمز ضمن نطاقها الجغرافي، هذه الفرضية؛ إذ ركزت الضربات على عزل الساحل الإيراني عن العمق الداخلي، بما قد يسهل أي تحرك بري محتمل في حال اتخاذ قرار بذلك.

ومع ذلك، لا يرى خبراء عسكريون أن هذه الإستراتيجية تحمل فرصاً أكبر للنجاح مقارنة بالمحاولات السابقة. ونقلت وكالة "رويترز"، في 16 يوليو/تموز 2026، عن محللين أن الحملة العسكرية التي فشلت سابقاً في انتزاع تنازلات من طهران، لا توجد مؤشرات على أنها ستنجح في تحقيق أهدافها هذه المرة.

وأشار الخبراء إلى أن انهيار اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت الذي أُبرم قبل شهر وضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام معضلة جديدة، في ظل سعيه إلى كسر السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز وإجبار طهران على قبول مطالبه، وهو ما يفسر العودة إلى الخيار العسكري.

ونقلت الوكالة عن جوناثان بانيكوف، نائب مسؤول الاستخبارات الأميركية السابق لشؤون الشرق الأوسط، قوله: "لا يوجد ما يدعو للاعتقاد بأن هذه الهجمات الأخيرة، أو أي خيار آخر قد يفكر فيه الرئيس، سيدفع الإيرانيين إلى تغيير حساباتهم، بل من المرجح أن يؤدي إلى تشديد موقفهم".

ويحذر خبراء من أن استمرار التصعيد قد يقود في نهاية المطاف إلى غزو بري للأراضي الإيرانية، وهو خيار قد يفتح الباب أمام "حرب طويلة الأمد" سبق أن حذر منها رؤساء أميركيون سابقون، فضلاً عن كلفته السياسية الداخلية على ترامب والحزب الجمهوري قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، بحسب صحيفة "الغارديان" في 18 يوليو/تموز 2026.

كما يرى معظم المحللين أن التصعيد الأميركي، حتى لو تطور إلى تدخل بري، لن يكون أكثر قدرة على تغيير سلوك إيران مقارنة بالمراحل السابقة من الحرب التي استمرت أربعة أشهر ونصف، رغم ما أسفرت عنه الضربات الأميركية والإسرائيلية من مقتل قيادات عسكرية بارزة وإلحاق أضرار كبيرة بالقدرات العسكرية الإيرانية.

وفي السياق نفسه، نقلت شبكة "سي إن إن"، في 16 يوليو/تموز 2026، عن محللين أن أي حملة برية محتملة قد تستهدف جزيرة خرج، التي تعد المركز الرئيس لتصدير النفط الإيراني، أو السواحل الجنوبية المطلة على الخليج العربي.

لكن الشبكة أوضحت أن تنفيذ عملية إنزال برمائي على السواحل الإيرانية، سواء بواسطة قوات أميركية أو قوات حليفة، يتطلب قدرات لوجستية هائلة ويظل من أكثر العمليات العسكرية تعقيداً وخطورة، إذ يمنح القوات المدافعة فرصة لحشد قواتها في مناطق الإنزال المتوقعة.

وأضافت أن إيران تستطيع تلغيم مسارات اقتراب سفن الإنزال أو إغلاقها بالعوائق البحرية، ثم استهداف القوات المهاجمة باستخدام الطائرات المسيّرة الانتحارية، والمدفعية، وقذائف الهاون، والأسلحة المضادة للدروع، فضلاً عن أن خطوط الإمداد اللازمة لتوفير الذخيرة والغذاء والمياه والرعاية الطبية ستبقى عرضة للاستهداف المستمر.

وفي هذا الإطار، كتب النقيب في الجيش الأميركي دانيال هوجستين، في عدد مايو/أيار - يونيو/حزيران من مجلة "المراجعة العسكرية" التابعة للجيش الأميركي، أن "ميزان القوى في الحروب الساحلية بات يميل بصورة واضحة لمصلحة الطرف المدافع".

ولهذا خلص عسكريون أميركيون سابقون، في تقرير نشرته مجلة "ذا أتلانتيك" في 17 يوليو/تموز 2026، إلى أن إدارة ترامب تواجه خيارات محدودة، بين القبول بالأمر الواقع في مضيق هرمز أو المضي في مسار تصعيد عسكري يحمل مخاطر إستراتيجية وسياسية مرتفعة.