ماذا وراء استمرار الهجمات الإيرانية على مناطق المعارضة الكردية؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

حتى مع سريان وقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن، لم تتوقف الهجمات الإيرانية على مناطق المعارضة الكردية في إيران والعراق، بحسب مجلة "فورين بوليسي" الأميركية.

وبينما تركزت الأنظار في الأيام الأخيرة على خروقات وقف إطلاق النار في الخليج، لفت وينثروب رودجرز، وهو زميل مشارك في معهد "تشاتام هاوس" البريطاني، إلى أن الخروقات في المناطق الكردية بإيران والعراق تستحق اهتماما أيضا.

حرب لا تتوقف

وأشار الكاتب إلى أن مسيّرة إيرانية استهدفت في 16 يونيو/حزيران، أي بعد يومين من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، اتفاق واشنطن وطهران على إطار لإنهاء حربهما التي استمرت أربعة أشهر، مخيما تابعا للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني قرب مدينة كويه في إقليم كردستان العراق، يقطنه عائلات مدنية، من دون تسجيل إصابات أو قتلى.

وقال الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، في بيان له: إن الغارة "انتهاك واضح لمبادئ القانون الدولي الإنساني"، وأضاف أنها تؤكد استمرار التهديد الذي تواجهه جماعات المعارضة الكردية.

وأضاف الكاتب أنه بعد 11 يوما، عُثر على أحد أعضاء حزب الحرية الكردستاني الإيراني ميتا في غرفة فندق بأربيل، وسط اتهامات من الحزب لإيران بأنها اغتالته.

ولفت الكاتب إلى أن مخيمات الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني قرب دگلة وباليسان تعرضت لهجمات في 1 و2 يوليو/تموز على التوالي، فيما أفاد حزب الحرية الكردستاني بمقتل ستة من مقاتليه في اشتباك مع الحرس الثوري الإيراني في اليوم نفسه.

وذكر الكاتب أن ثلاث مسيّرات إيرانية مشتبه بها استهدفت في 13 يوليو/تموز قاعدة تابعة لحزب الحرية الكردستاني شمال أربيل، عقب موجة هجمات أميركية جديدة على ساحل إيران الخليجي بوقت قصير.

خارج التفاهم

ورأى الكاتب أن هذه الهجمات مجتمعة تشير إلى أن إقليم كردستان العراق كان يقع، على ما يبدو، خارج مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية التي دعت إلى "وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات".

وأضاف أن استمرار القتال في لبنان كاد يطيح بالاتفاق قبل تطبيقه، بينما استحوذت الضربات في الخليج والأردن على التغطية الإعلامية في الأيام الأخيرة، في حين مرت الخروقات في كردستان العراق شبه بلا اهتمام دولي.

ونقل الكاتب عن كمران عثمان، الباحث الميداني في منظمة "فرق صنّاع السلام المجتمعي" (CPT) التي ترصد محليا هجمات إيران وتركيا والميليشيات العراقية في إقليم كردستان، قوله في 25 يونيو/حزيران، حين كانت الهدنة لا تزال سارية، إن "الهجمات توقفت في كل مكان، لكنها لم تتوقف بعد على إقليم كردستان".

وبحسب بيانات المنظمة، تعرّض الإقليم لما لا يقل عن 751 هجوما خلال الأشهر الثلاثة التي أعقبت بدء الحرب الإيرانية في 28 فبراير/شباط، قُتل فيها 22 شخصا وأُصيب 112 آخرون، وقعت 104 هجمات منها بعد وقف إطلاق النار الأميركي-الإيراني في 8 أبريل/نيسان.

واستهدف معظمها جماعات كردية إيرانية منفية تمارس نشاطها السياسي من إقليم كردستان العراق بأمان نسبي، من بينها الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وحزب الحرية الكردستاني، وحزب كومله الكردستاني الإيراني، وحزب الحياة الحرة الكردستاني.

ورأى الكاتب أن استهداف الجماعات الكردية الإيرانية يفتح احتمال استمرار النزاع في كردستان العراق بشكل يحصر مخاطره بعيدا عن الصراع الإقليمي الأوسع، عبر الاقتصار على استهداف الجماعات الإيرانية العاملة من الأراضي العراقية حصرا.

ونقل عن عثمان قوله: "يبدو أن الحكومة الأميركية لا تكترث للجماعات الكردية، فهي ليست جزءا من هذا الاتفاق".

وأشار الكاتب إلى أن شائعات راجت في وقت مبكر من الحرب بأن واشنطن وتل أبيب أرادتا أن يكون الأكراد الإيرانيون رأس الحربة في إسقاط النظام الإيراني.

ولفت إلى أن هذا النظام يقيّد بشدة الحقوق السياسية الكردية واللغة الكردية، وتستخدم قواته الأمنية أساليب قمعية لفرض هذه القيود في واحدة من أقل مناطق إيران تنمية.

ونقل الكاتب عن ترامب قوله لوكالة "رويترز" في 5 مارس/آذار: "أعتقد أنه من الرائع أن يرغبوا في [شن هجوم]، وسأكون داعما تماما لذلك".

وأشارت تقارير إلى أن إسرائيل كانت مهتمة بالخطة أيضا، لكن آمال قيام تحالف أميركي-كردي داخل إيران تحولت إلى اتهامات غاضبة وغير مؤكدة من ترامب بأن جماعات كردية استولت على أسلحة أميركية كان يُفترض أن تُسلَّح بها احتجاجات إيرانية.

ولفت الكاتب إلى أن أيا من الجماعات الكردية الإيرانية لم يخض كفاحا مسلحا مستمرا ضد طهران في السنوات الأخيرة، وأنها تعاملت مع الحرب بحذر أكبر مما كانت تأمله واشنطن وتل أبيب. ورجّح أن هذه الجماعات أدركت أن الرد الإيراني سيكون قاسيا وغير رحيم بحق المدنيين في المناطق الكردية.

وذكّر الكاتب بأن النظام الإيراني قمع بوحشية الاحتجاجات التي تلت وفاة الشابة الكردية، جينا مهسا أميني، 22 عاما، على يد شرطة الأخلاق عام 2022.

وأضاف أنه قبل شهرين من اندلاع الحرب الإيرانية، قُتل ما لا يقل عن 257 مدنيا كرديا إيرانيا خلال احتجاجات، وفق منظمة "هنگاو" لحقوق الإنسان ومقرها برلين.

ومع ذلك، يرى الكاتب أن إيران تعد الجماعات الكردية تهديدا كبيرا، تحديدا لأنها قد تلجأ إلى حمل السلاح على النحو الذي شجعه ترامب في البداية.

واستشهد ببيان للحرس الثوري في 30 يونيو/حزيران جاء فيه أن "أي عمل يزعزع أمن الحدود الشمالية الغربية سيقابَل برد حاسم ومؤسف"، في إشارة إلى مقتل مقاتلي الحزب الديمقراطي الستة.

وأردف الكاتب بأن إيران وقّعت عام 2023 اتفاقا أمنيا مع العراق لنزع سلاح الجماعات الكردية الإيرانية فيه، وحصرها في مخيمات مراقَبة، وتقييد نشاطها السياسي في الإقليم، وأن حكومة إقليم كردستان ملزمة بهذا الاتفاق.

ورجّح أنه مع تراجع وتيرة الصراع مع الولايات المتحدة عما كانت عليه في الربيع، تريد طهران على الأرجح إنهاء ما تعده تهديدا كرديا إيرانيا بشكل نهائي، وأنها تعتزم بدء مفاوضات مع رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، لتعزيز اتفاق 2023. وأضاف أن طهران أصرت على أن تطرد الحكومتان الاتحادية والإقليمية الجماعات الكردية الإيرانية من العراق كليا.

وأشار الكاتب إلى أن إيران تقرن هذا المطلب بهجمات منتظمة على قواعد هذه الجماعات في كردستان العراق، مذكّرا بأن الحرس الثوري قتل 11 مسؤولا في الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني بغارة صاروخية على كويه عام 2018، تلتها ضربات أخرى عام 2022.

وأضاف أن الجماعات الكردية الإيرانية في كردستان العراق تعرضت، وفق منظمة "فرق صنّاع السلام"، لـ 232 هجوما منذ بدء الحرب الإيرانية.

خطر المليشيات

لكن الكاتب أوضح أن هذه الجماعات لم تكن، قبل الصراع وأثناءه، الهدف الوحيد للغارات الجوية على الإقليم، وأن إيران لم تكن الجهة الوحيدة المسؤولة عنها.

فقد استهدفت المليشيات المدعومة إيرانيا الإقليم بانتظام أيضا، بما يشمل حقول نفط تديرها شركات أجنبية، وقواعد عسكرية، والقنصلية الأميركية في أربيل، بل ومنزل سياسي كردي عراقي بارز.

وأضاف أن الزيدي الذي تسلم منصبه في مايو/أيار، جعل من نزع سلاح المليشيات أولوية وحقق نجاحات مبكرة. وذكر أن العراق قدّم أيضا ضمانات أمنية لشركات النفط الدولية العاملة في الإقليم لتشجيعها على زيادة الإنتاج والمساعدة في تخفيف الضغط المالي الناجم عن إغلاق مضيق هرمز.

ونقل الكاتب عن وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، قوله للصحفيين خلال زيارة للإمارات في 23 يونيو/حزيران: "لا يمكن أن ينتهي القتال في منطقة ما دامت وكلاء إيران يطلقون الصواريخ والمسيّرات من العراق".

وأضاف: "أعتقد فعلا أن هذا مشمول بمذكرة التفاهم، وستتم معالجته في الوقت المناسب ضمن هذه المفاوضات".

غير أن الكاتب لاحظ أن استهداف إيران للجماعات الكردية الإيرانية لم يكن كافيا، على ما يبدو، لاستدعاء الرد الأميركي نفسه. وأوضح أن هذا يعزز شعورا لدى الأكراد بأنهم لا يستفيدون من التفاهمات بين القوى الكبرى؛ إذ استلزم الأمر خروقات في الخليج لإسقاط مذكرة التفاهم بأكملها.

ورأى الكاتب أن هذا يتسق مع ملاحظات مفادها أن إدارة ترامب تدير ظهرها لحلفائها الأكراد بأكثر مما فعلت الإدارات السابقة، مذكّرا بأن واشنطن أعطت الضوء الأخضر في يناير/كانون الثاني لهجوم عسكري شنّته الحكومة الانتقالية السورية على السلطات الكردية في شمال شرق سوريا. وأضاف أن ما يعده كثير من الأكراد غدرا لا يزال حاضرا في وعيهم.

وختم الكاتب بأن أكراد العراق قد يشعرون بأنهم نجوا بالكاد من كارثة خلال الحرب الإيرانية، محميين إلى حد كبير بتطورات سياسية داخلية في بغداد وخطوط حمراء أميركية تُثني إيران ومليشياتها عن استهداف البنى التحتية الحيوية، وهو ما يبدو صامدا حتى الآن.

لكنه شدد على أن الأكراد الإيرانيين لم يكونوا يوما مشمولين بمذكرة التفاهم، وما زالوا يتعرضون للهجمات، وأنهم على الأرجح سيتحملون وطأة غضب طهران حتى لو أُعيد إحياء اتفاق سلام مع واشنطن.

ونقل عن عثمان قوله ختاما: "الأكراد لا يشعرون بالرضا إزاء ما آلت إليه الأمور، وسيدفعون ثمن هذه الحرب".