"فلسطين لم تعد أولوية".. صحيفة إسرائيلية: محمد بن سلمان مستعد للتطبيع

"السعودية لا ترى في نتنياهو شريكا يمكن التوصل معه إلى اتفاق"
حذّر المحلل السياسي الإسرائيلي نداف إيال من أن ملامح شرق أوسط جديد تتبلور بسرعة في غياب إسرائيل، محمّلًا رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مسؤولية هذا الواقع، بعد أن أهدر خلال عام 2024 فرصة للتطبيع مع السعودية، في ظل حرب الإبادة على غزة، رغم استعداد الرياض للمضي قدمًا في هذا المسار، على حد زعمه.
وفي مقاله المنشور بصحيفة “يديعوت أحرونوت”، استعرض إيال تفاصيل المفاوضات التي جرت بين إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والتي انتهت إلى التوصل لصيغة وافقت عليها الرياض، بينما رفضتها تل أبيب.

جزيرة معزولة
واستهل الكاتب مقاله مشيرا إلى تطور لافت حدث خلال شهر يوليو/ تموز 2026؛ إذ "وصلت بهدوء وفود من دول الخليج والسعودية إلى واشنطن لإجراء مباحثات بشأن ما كان يعرف سابقا باسم "ممر السلام"، أي مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا IMEC".
ويقوم المشروع في أساسه على ربط آسيا والشرق الأوسط عبر شبكة من خطوط السكك الحديدية لنقل البضائع، تمتد من الهند مرورا بسواحل الخليج العربي وصولا إلى ميناء حيفا، ومنها إلى القارة العجوز.
"وكانت إدارة بايدن قد أعلنت عن المشروع في سبتمبر/ أيلول 2023، بدعم قوي من الاتحاد الأوروبي، في إطار محاولة لربط المصالح الإقليمية وتعزيز الهيمنة الأميركية في المنطقة، إلى جانب الإسهام في دفع مسار التطبيع بين إسرائيل والسعودية". قال المقال.
وتابع: "تولى آموس هوكشتاين، المسؤول في البيت الأبيض عن ملف الطاقة، لا سيما في الشرق الأوسط، تنسيق هذه الجهود، فيما أعلنت المملكة السعودية على الفور استثمار عشرات مليارات الدولارات في المشروع، أما في إسرائيل، فقد جرى التعامل معه ببطء شديد، كالمعتاد".
في غضون ذلك، كشف الكاتب أن "السعودية كانت مستعدة للمضي في التطبيع خلال الحرب؛ إذ تراجع بشكل ملحوظ تركيزها على قضية الدولة الفلسطينية، وأصبحت مستعدة لتقبل وجود إسرائيلي واسع في غزة". وفق زعمه.
واستدرك: "إلا أن نتنياهو استبعد ذلك من حساباته بداعي استمرار الحرب والمخاطر السياسية المترتبة على هذه الخطوة".
ومن ثم، أوضح المقال أن الحرب "أدت إلى تجميد مسار التطبيع وكل ما يرتبط به، وفي المقابل، واصل المشروع توسعه؛ إذ تعتزم دول المنطقة إرفاق شبكة السكك الحديدية ببنية تحتية للألياف الضوئية، ومنظومات للهيدروجين الأخضر، والذكاء الاصطناعي، وغيرها من المشروعات".
وأردف: "لم يتغير سوى شيء واحد، سوى أن إسرائيل لم تعد جزءا من مسار السلام، بالمعنى الحرفي والمجازي".
وتابع موضحا: "فالسعوديون يجرون المباحثات انطلاقا من افتراض أن المشروع سينفذ بالكامل من دون أي ارتباط بإسرائيل، كما ترسم الخرائط الجديدة مسارات السكك الحديدية والكابلات من دون أن تظهر إسرائيل عليها".
في هذا السياق، كشف الكاتب أنه في خطوة وصفها بـ"غير المسبوقة"، وجَّهت وزيرة النقل الإسرائيلية ميري ريغيف قبل عدة أسابيع رسالة إلى نتنياهو "حذرت فيها بشدة من هذا التطور".
وقالت ريغيف: "نشهد تشكل تعاونات إقليمية متسارعة من حولنا في مجالي التجارة والطاقة، تتجاوز إسرائيل بشكل متعمد وتشكل خطرا إستراتيجيا حقيقيا على أمننا القومي".
وعقّب المقال: "إن المشروع الذي كان من المفترض أن يربط إسرائيل بالعالم الخارجي يتجاوزها -كما هو الحال مع العديد من المشاريع الأخرى- ويجري التخطيط له الآن بالتعاون المتزايد مع تركيا".
واستطرد: "تخيلوا شبكة من القطارات السريعة وقطارات الشحن الضخمة والكابلات المتطورة التي تغطي الشرق الأوسط بأكمله، باستثناء جزيرة واحدة كئيبة ومعزولة: إسرائيل".
وهذا، بحسب تعبير الكاتب، هو ما "يتحول إلى واقع". واسترسل: "يمكن الاستدلال على خطورة الوضع عندما تبعث ميري ريغيف نفسها تحذيرات إستراتيجية إلى نتنياهو".
وحول ردود الفعل المتوقعة من جانب الحكومة الإسرائيلية، قال المقال: "من المرجح أن يكتفي رئيس الوزراء بهز كتفيه، إن لم يكن قد فعل ذلك بالفعل".
وبحسب رأيه، "سيبرر نتنياهو ذلك بوجود حرب كان ينبغي خوضها، وبأن السعودية تراجعت عن التطبيع أو طلبت ثمنا باهظا لا يمكن للجمهور الإسرائيلي قبوله: إقامة دولة فلسطينية في القريب العاجل، وهكذا، يظهر التساؤل: ما الذي يمكن فعله؟"
غير أن نداف إيال يفند هذا الطرح، "كاشفا بالاستناد إلى أربعة مصادر، اثنين إسرائيليين واثنين أميركيين، عن صورة مختلفة بعض الشيء، صورة لا تبدو واضحة بما يكفي لدى الرأي العام الإسرائيلي". على حد تعبيره.
من هنا، يعود الكاتب في مقاله إلى "تفاصيل تلك اللحظة التي ضاعت فيها فرصة التطبيع، والتي ربما تكون قد حددت وجهة دولة إسرائيل لعقود طويلة قادمة، ويبقى الأمل في ألا يكون الأمر كذلك".

تصور متكامل
وقدم إيال رواية مغايرة لما كان سائدا داخل دوائر صنع القرار في إسرائيل بشأن الموقف السعودي، زاعما أن الرياض "كانت مستعدة للمضي في التطبيع حتى خلال الحرب على غزة، أو على الأقل هذا ما تعهدت به القيادة السعودية".
مضيفا أن "مطلب إقامة دولة فلسطينية شهد تراجعا ملحوظا في تفاصيله، كما أبدت السعودية استعدادها للقبول باستمرار وجود أمني وعسكري إسرائيلي واسع داخل قطاع غزة"، على حد قوله.
ووفق روايته، "شهدت تلك الفترة مفاوضات مكثفة وتبادلا متواصلا لمسودات المقترحات والصيغ المختلفة، قبل أن يقرر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وقف هذا المسار مفضلا مواصلة الحرب، خشية التداعيات السياسية الداخلية".
ولفت إلى أن "صيف عام 2024 شكل نقطة تحول حاسمة؛ إذ كانت إدارة الرئيس الأميركي آنذاك جو بايدن تواجه ضغوطا سياسية وانتخابية متزايدة، وسعت إلى إبرام صفقة للإفراج عن الرهائن وإنهاء الحرب في غزة".
"وفي الوقت نفسه، كانت إسرائيل قد بدأت عملياتها العسكرية في رفح منذ مايو/ أيار 2024، بينما كان الجيش الإسرائيلي يرى أن المرحلة التالية ينبغي أن تتركز على مواجهة حزب الله خلال شهر يوليو/ تموز، بعد أن استنفدت العمليات في غزة أهدافها العسكرية". بحسب الكاتب.
وفي هذا السياق، كشف المقال أن "مبعوثي الإدارة الأميركية عقدوا لقاءات مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان".
وأوضح الكاتب أن "الاعتقاد السائد داخل إسرائيل كان أن الثمن المطلوب للتطبيع يتمثل في إقامة دولة فلسطينية، وهو ما عده نتنياهو خطأ سياسيا لا يمكن تجاوزه، خاصة بعد هجمات السابع من أكتوبر/ تشرين الأول".
كما كانت القيادة الإسرائيلية، بحسب قوله، "مقتنعة بأن السعودية لا تعير اهتماما حقيقيا لإقامة الدولة الفلسطينية، وأن إدارة بايدن هي التي دفعت بهذا الشرط إلى صلب المفاوضات استجابة لضغوط الجناح التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، ما أدى إلى تعثرها".
غير أن الكاتب "ينقل عن مسؤولين خليجيين رواية مختلفة، مفادها أنه رغم عدم اهتمام ولي العهد السعودي بإقامة الدولة الفلسطينية، إلا أن التصور السائد في المملكة -وهي من أكثر الدول ذات الطبيعة المحافظة- هو أنه من المستحيل المضي قدما مع إسرائيل دون إحداث تغيير جذري في التعامل مع الفلسطينيين".
وفي تفسيره لهذا الموقف السائد في المملكة، قال الكاتب: "إنها ليست مسألة تعاطف، بل مسألة بقاء للنظام السعودي، وهم يدركون ذلك جيدا".
وكشف المقال أن "المفاوضات بين إدارة بايدن وولي العهد السعودي أفضت إلى تصور متكامل يقوم على إبرام صفقة لتبادل الرهائن ووقف الحرب في غزة، مقابل احتفاظ إسرائيل بمنطقة أمنية داخل القطاع".
وبحسب ادعائه، "أبلغ محمد بن سلمان البيت الأبيض استعداده لإرسال قوات سعودية للمشاركة في إدارة غزة، في إطار رؤية تقدم المملكة بصفتها الدولة التي قادت إلى إنهاء الحرب وسفك الدماء".
وتابع: "وفق هذه الصيغة، كان من المفترض أن يجري الإفراج عن جميع الرهائن ضمن الاتفاق، ثم يتولى طرف آخر إدارة القطاع بدلا من حماس، قبل الانتقال إلى تطبيع العلاقات بين الرياض وتل أبيب، على أن تلتزم إسرائيل في المقابل بمسار واقعي يقود إلى إقامة دولة فلسطينية".
وأشار المقال إلى أن "أكثر نقاط الخلاف تعلقت بالإطار الزمني لإقامة الدولة الفلسطينية؛ إذ كانت السعودية قبل السابع من أكتوبر/ تشرين الأول تتحدث عن مدة تقارب عامين".
واستدرك: "لكن المفاوضات التي جرت خلال الحرب، وشارك فيها عن الجانب الإسرائيلي وزير الشؤون الإستراتيجي رون ديرمر بصورة مكثفة، انتهت إلى صيغة تنص على تعهد إسرائيلي بقيام دولة فلسطينية خلال فترة تتراوح بين خمس وسبع سنوات، وهي الصيغة التي وافق عليها ولي العهد السعودي". بحسب قوله.
وشدد المقال على "أهمية هذا البند، معيدا ذلك إلى أن خمس إلى سبع سنوات تعادل وقنا طويل للغاية وفق حسابات الشرق الأوسط".
إلا إن الأكثر إثارة هو ما نقله الكاتب حول "تأكيد الجانب السعودي أن أي تأخير في قيام الدولة الفلسطينية لن يؤدي إلى نسف الاتفاق؛ إذ يمكن في تلك الحالة تحميل المسؤولية للرئيس الفلسطيني محمود عباس، وبالتالي ولن يجري التخلي عن الاتفاق حتى لو لم تقم الدولة الفلسطينية بحلول عام 2034".
بالتوازي مع ذلك، كشف الكاتب أنه "كان من المفترض أن تدفع الولايات المتحدة بسلسلة من المبادرات الحاسمة لصالح السعودية، وهي مبادرات تطلب بعضها أغلبية مطلقة في مجلس الشيوخ الأميركي".
وأردف: "كان كل شيء مهيأ للتكامل: الرغبة الديمقراطية في إنهاء الحرب، ضغوط البيت الأبيض على المشرعين، دعم الجمهوريين المقربين من المملكة للمضي قدما، عودة المخطوفين، وتحقيق التطبيع".
واستطرد: "وفي نهاية كل هذا المسار، تبرز شبكة "سكك السلام" الإقليمية، ولكن قبل كل ذلك، كان الهدف هو تشكيل شرق أوسط جديد، ليس مع إيران، بل مع إسرائيل".

محكوم عليها بالفشل
مع ذلك، كان هناك عقبة أساسية تواجه هذا المسار؛ فوفق الكاتب، "كان من الواضح أن وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، ووزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، سيحاولان إسقاط الحكومة فور توقيع صفقة سلام إقليمية كهذه".
"ولهذا، طلبت إدارة بايدن من زعيم المعارضة يائير لابيد وعدد من الشخصيات السياسية توفير شبكة أمان برلمانية لحكومة نتنياهو لبضعة أشهر حتى تستكمل تنفيذ الاتفاق، وهو ما وافق عليه لابيد وأبلغ به نتنياهو، ومع ذلك لم يمض رئيس الوزراء في تنفيذ الصفقة"، وفق ما أورده الكاتب.
وساق المقال مبررات نتنياهو رفض هذا المقترح قائلا: "كثيرون كانوا يعتقدون منذ البداية أن هذا المشروع محكوم عليه بالفشل؛ لأن نتنياهو لم يكن قادرا على تنفيذ تحول بهذا الحجم بعد أقل من عام على هجمات السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، في وقت لم يكن فيه يحيى السنوار قد قتل بعد، ولم يكن حزب الله قد تلقى الضربات التي تعرض لها لاحقا".
فضلا عن أن "مجرد الحديث عن "دولة فلسطينية" أصبح أمرا غير قابل للطرح سياسيا داخل إسرائيل".
في هذا السياق، كشف الكاتب أن "أقرب المقربين إلى نتنياهو، ممن يوصفون بأنهم الأكثر انسجاما مع طريقة تفكيره، حاولوا إقناعه بالمضي في الاتفاق، مقدرين أن السعودية تمثّل المفتاح الأخير لإنهاء الصراع بأكمله".
ويعزو المقال موقف هؤلاء المقربين من نتنياهو إلى "إدراكهم أن ابن سلمان لا يزال، حتى هذه اللحظة، يحظى بشعبية واسعة في المنطقة، وينظر إليه بصفته قائدا إصلاحيا يفهم تطلعات الأجيال الشابة"، وفق وصفه.
ويقدر الكاتب أن السبب الرئيس لرفض نتنياهو هذه المبادرة "اعتقاده أن المملكة لا تستحق كل هذا العناء، وبأن الحرب في غزة ستنتهي بمشهد آلاف المسلحين وهم يرفعون أيديهم مستسلمين، وأن لحظة الانكسار تلك ستكون لحظة حاسمة".
مضيفا أن "إسرائيل ماطلت في التعامل مع مقترح وقف إطلاق النار الذي طرح في يوليو/ تموز 2024، وربما كانت تراهن على كسب الوقت حتى الانتخابات الأميركية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، قبل أن يقتل ستة رهائن داخل نفق في رفح خلال أغسطس/ آب 2024".
وفي أعقاب ذلك، بدأت السعودية، بحسب قوله، "تبلغ الأطراف المعنية أنها لا ترى في نتنياهو شريكا يمكن التوصل معه إلى اتفاق، مفضلة انتظار عودة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على أساس أنها قد تحصل على المكاسب نفسها من دون تقديم مقابل في ملف التطبيع".
ورغم انتقاد المقال رفض نتنياهو إتمام الصفقة، يعتقد الكاتب بأن "مبادرة إدارة بايدن ربما لم تكن تملك فرصة حقيقية للنجاح"، موضحا أنها "كانت ستؤدي إلى وقف الحرب قبل تصفية عدد من قادة حماس، كما كانت ستبقي الجيش الإسرائيلي داخل نطاق أمني ضيق في قطاع غزة".
لافتا إلى أنه "رغم إعلان محمد بن سلمان استعداد السعودية لتولي إدارة القطاع، فإن الفارق بين التصريحات والواقع الميداني في غزة كان سيظل كبيرا".
في المحصلة، يرى المقال أن "النتيجة العملية حتى الآن تتمثل في توقف مسار التطبيع، مع ازدياد عزلة إسرائيل إقليميا ودوليا، بينما لم تنجح الضربات التي وجهت إلى حزب الله وحماس في القضاء عليهما، في وقت تشعر فيه إيران بأنها استعادت جانبا من قوتها، وتخوض في الوقت نفسه محادثات مع واشنطن".
علاوة على ذلك، "لقي بعض الرهائن حتفهم، وتمضي دول المنطقة في رسم ملامح شرق أوسط جديد من دون إسرائيل".
واستطرد: "والأكثر أهمية من ذلك، وافق نتنياهو في سبتمبر/ أيلول 2025 على خطة النقاط الحادية والعشرين للرئيس ترامب، والتي تتضمن بندا صريحا يشير إلى مسار لإقامة دولة فلسطينية".
بينما لا تزال حماس، بحسب زعمه، قائمة في غزة، في حين تبدو السعودية راضية إلى حد كبير عن المضي في ترتيباتها الإقليمية من دون إسرائيل.
















