تصريحات فانس تهز واشنطن.. هل بدأت الخلافات تطفو داخل إدارة ترامب؟

"فانس خالف الأعراف السياسية الأميركية بانتقاد إسرائيل مباشرة"
أثارت تصريحات غير معتادة لنائب الرئيس الأميركي جي دي فانس اهتماما واسعا داخل الولايات المتحدة، بعدما تضمنت مواقف حادة بشأن الحرب مع إيران وإسرائيل، في خروج لافت عن الخطاب التقليدي في واشنطن.
ويرى موقع "تينسنت" الصيني أن "هذه التصريحات تكتسب أهمية خاصة، نظرا إلى أن منصب نائب الرئيس في النظام السياسي الأميركي ينظر إليه عادة على أنه منصب اسمي وشرفي".
خلافات داخلية
وبحسب المقال، "تمثل أول هذه المواقف في إعلان فانس رفضه القاطع لأي تدخل بري أميركي ضد إيران".
ويعتقد كاتب المقال أن "هذا الموقف يعكس تباينا مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، رغم تأكيد المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت أن (ترامب وفانس متفقان تماما في الموقف من إيران)".
غير أنه "شكك في صحة هذا الانسجام"، مشيرا إلى أن التشديد المتكرر على وحدة الموقف قد يعكس محاولة لاحتواء خلافات داخلية، أكثر من كونه دليلا على توافق كامل بين الجانبين".
في هذا السياق، لفت الكاتب إلى أن "فانس يعد من أبرز المعارضين داخل إدارة ترامب لخيار الحرب مع إيران".
واستطرد: "بل حتى إن الإيرانيين، خلال المفاوضات بين واشنطن وطهران، أوضحوا أنهم لا يرغبون في التفاوض مع أي مسؤول أميركي آخر إلا فانس".
ومع تجدد المواجهة الحادة بين الولايات المتحدة وإيران أخيرا، واصل ترامب تصعيد تهديداته، معلنا أنه سيواصل العمليات العسكرية "حتى أقول إن ذلك يكفي"، ولوَّح أيضا بإمكانية تنفيذ القوات الأميركية عملية برية للسيطرة على جزر إيرانية إستراتيجية.
في المقابل، أعلن فانس رفضه الصريح لهذا الخيار، قائلا خلال مقابلة أجراها مع إحدى منصات البودكاست الأميركية: "إذا أراد الشعب الإيراني الانتفاض وتغيير حكومته، فهذا شأن يخصه وحده".
وأضاف: "لكننا لن نرسل 150 ألف جندي من القوات البرية لتحقيق تغيير النظام، ما لم يكن الإيرانيون أنفسهم على الأرض يريدون تحقيق هذه النتيجة".
وتابع: "لن نرسل قوات على أي حال؛ لأن الدعوة إلى إرسال قوات برية تعني عمليا أن الجيش الأميركي يجب أن يقوم نيابة عن الشعب الإيراني بهذه المهمة. لقد توقفنا عن فعل ذلك، ولن نفعل ذلك مجددا".
وعلق الكاتب: "لقد كان كلامه مباشرا لا يقبل التأويل، فهو يدرك تماما حجم التكلفة الباهظة والآثار المترتبة على مثل هذه الخطوة".
قطيعة سياسية
أما التحرك الثاني، فيعد أكثر إثارة للانتباه؛ إذ وجه فانس انتقادات حادة إلى إسرائيل"، وفق المقال.
وتابع: "ففي الساحة السياسية الأميركية، ظل انتقاد إسرائيل لسنوات طويلة من المحظورات السياسية، فالجميع يدرك نفوذ الجهات الداعمة لها، ومن يعارضها يواجه خطر إنهاء مستقبله السياسي، ومع ذلك، تجاوز فانس هذا الخط بشكل لافت".
وخلال المقابلة نفسها، قال: إن "إسرائيل تتآمر لإبقاء الولايات المتحدة وإيران في حالة حرب إلى أجل غير مسمى".
وأضاف: "إنهم ينشرون منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، ويسربون معلومات إلى الصحفيين، ويشنون هجمات ضدي؛ لأننا نريد التفاوض مع إيران، بينما هم يريدون استمرار العمليات العسكرية إلى ما لا نهاية".
وأردف: "لقد رأيتم هذه الحملة شديدة السرية والممولة بسخاء، التي تهدف إلى تقويض المفاوضات وإفشال الاتفاق".
واستطرد: "عندما أفتح مجلة تايم وأرى أشخاصا يتقاضون الأموال ويهاجمونني بطريقة غير نزيهة فقط لأنني أسعى إلى اتفاق مع إيران، فإن ردي عليهم هو: حسنا... اذهبوا إلى الجحيم".
ويرى المقال أن "هذه التصريحات تكاد ترقى إلى مستوى القطيعة السياسية مع إسرائيل".
وأشار إلى أنه "إذا كانت اتهامات فانس صحيحة، فإنها تشير إلى أمرين أساسيين، الأول، أن إسرائيل بلغت من الجرأة حدا جعلها تستخدم أدواتها الإعلامية لاستهداف نائب رئيس الولايات المتحدة".
"والثاني، أن فانس أطلق أخيرا غضبا تراكم لديه منذ فترة طويلة، متجاوزا الأعراف السياسية الأميركية بتوجيه انتقادات مباشرة إلى إسرائيل"، وفق قوله.
ولفت الكاتب إلى أن "فانس ربط قضية جيفري إبستين، التي أثارت جدلا واسعا، بإسرائيل، مقدرا أن لجهاز الموساد صلة بها".
وأوضح أن "تصريحات فانس أثارت ردود فعل واسعة على منصات التواصل الاجتماعي داخل الولايات المتحدة؛ إذ أشاد بعض المعلقين بجرأته، مقدرين أنه قال أمورا لا يجرؤ كثير من السياسيين الأميركيين على قولها، وأن هذا يجسد بالفعل شعار (أميركا أولا)".
في المقابل، “اتهمه آخرون بمحاولة التنصل من المسؤولية والترويج لنظريات المؤامرة، ورأوا أن مواقفه قد تكلفه خسارة الانتخابات المقبلة”. بحسب الكاتب.
"كما انتشرت صور معدلة تسخر منه، ووصفه بعض المنتقدين بأنه (نسخة الحزب الجمهوري من (الرئيس الأسبق) باراك أوباما)".

كبش فداء
ويعتقد المقال أن "هذين التصريحين غير المألوفين قد يعكسان تحولا دقيقا يجري داخل المشهد السياسي الأميركي، وأن الساحة السياسية في الولايات المتحدة ربما تشهد تغيرات تدريجية تستحق المتابعة".
وانطلاقا من ذلك، استعرض الكاتب ثلاث نقاط رئيسة تتعلق بتصريحات فانس الأخيرة.
وقال: "أولا، يحاول فانس جاهدا النأي بنفسه عن خيار الحرب، والسبب في ذلك بسيط وجلي، فهو لا يرى أي أفق للنصر".
وأضاف: "وبصفته أبرز المعارضين للحرب داخل إدارة ترامب، وأحد المسؤولين الرئيسين عن المفاوضات مع إيران، يدرك فانس أن الحرب مع طهران لا تخدم المصالح الأميركية، وأن إنهاء الصراع في أسرع وقت عبر التفاوض هو الخيار الأكثر واقعية".
وأشار إلى أن فانس عبر بالفعل عن استيائه من تجدد المواجهات، قائلا: "يمكنكم قصفهم، وتدمير راداراتهم، والقضاء على بعض طائراتهم المسيرة وصواريخهم، لكن من السهل جدا على إيران استهداف السفن داخل المضيق، ولذلك يجب أن تكونوا مستعدين للحديث ومحاولة إيجاد حل للمشكلة".
بعبارة أوضح، "يرى فانس أن سياسة القصف العشوائي لا تعالج الجذور، وأن المسار سيقود في النهاية إلى طاولة المفاوضات مهما طال أمد القتال".
فضلا عن ذلك، "يدرك فانس أن استمرار الحرب واتساع نطاقها قد يكلّف الحزب الجمهوري خسارة انتخابات التجديد النصفي، وأنه، بوصفه المسؤول عن قيادة المفاوضات، قد يتحول إلى الطرف الذي يتحمل المسؤولية السياسية إذا فشلت الجهود الدبلوماسية، ويصبح كبش فداء".
واستشهد التقرير بتصريح سابق لترامب قال فيه: إن نجاح فانس في المفاوضات سيحسب لترامب، أما فشلها فستقع مسؤوليته على فانس.
ومن ثم، يرى الكاتب أن "فانس اختار رسم حدود واضحة لموقفه، فأعلن رفضه القاطع لأي حرب برية، وأكد أن التعامل مع إيران يجب أن يتم عبر التفاوض والتوصل إلى تسوية مناسبة".
محفوف بالمخاطر
أما الملاحظة الثانية، فتتمثل في أن البيئة السياسية داخل الولايات المتحدة تشهد، بحسب الكاتب، تحولا ملحوظا.
وتابع موضحا: "فإسرائيل تحولت من كونها منطقة محرمة سياسيا لا يجرؤ السياسيون الأميركيون على نقدها، الى هدف للنقد العلني من شخصيات في أعلى هرم السلطة".
وأردف: "ومع أن ترامب سبق وانتقدها، إلا إن الجميع يدرك ان قراراته تحركها العاطفة، فقد ينتقد في دقيقة ويغدق المديح في التي تليها".
أما فانس، فيقدر أنه "حالة مختلفة تماما، كونه نائبا للرئيس ومرشحا قويا لخلافته، ففي الماضي، كان السياسيون في مثل موقعه يسعون لكسب ود اللوبي الصهيوني والدفاع الأعمى عن سياسات إسرائيل".
واستدرك: "لكن فانس فعل العكس تماما، مدرك بذكاء تحول المزاج الشعبي الأميركي، حيث يتزايد استياء المواطنين من جرائم القتل الوحشية التي ترتكبها إسرائيل، ومن تحريضها المستمر على الحروب، ومحاولاتها الدائمة لجر الولايات المتحدة إلى مستنقع صراعات لا تنتهي".
ولفت إلى أن فانس عبّر عن هذه الفكرة بشكل مباشر عندما قال: "إسرائيل تخسر معركة الرأي العام داخل الولايات المتحدة، وهذه حقيقة واضحة وبسيطة".
وعليه، يرى المقال أن "إسرائيل قد تكون أمام أخطر أزمة تتعلق بصورتها لدى الرأي العام منذ تأسيسها".
"أما التقدير الثالث، فيتعلق بما قد تشهده المرحلة المقبلة من تطورات أكثر إثارة، وما قد تفرضه على فانس من تحديات سياسية كبيرة"، قال المقال.
وتابع: "هناك قلق على مستقبل فانس السياسي؛ لأنه دخل في مواجهات مع أطراف عديدة منذ توليه منصب نائب الرئيس".
فقد أساء، بحسب الكاتب إلى "الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، ما أدى إلى توتر مع كييف، كما وجه انتقادات حادة إلى أوروبا واتهمها بالتراجع الديمقراطي، وهو ما أثار استياء الأوروبيين".
كذلك، "عرف بتبنيه مواقف يصفها كثيرون بأنها تميل إلى نظريات المؤامرة، الأمر الذي جعله عرضة لانتقادات واسعة داخل الأوساط السياسية الأميركية".
وأقر المقال بأن "بعض تصريحات فانس تحمل بالفعل طابعا مثيرا للجدل، وأن مواقفه بشأن بعض القضايا المتعلقة بالصين تفتقر إلى الدقة".
لكنه يرى أن "انتقاداته الحادة لإسرائيل قد تمنح خصومه فرصة لاتهامه بمعاداة السامية، وهو ما قد يفتح الباب أمام حملة سياسية وإعلامية واسعة تستهدف تشويه صورته وإضعاف مستقبله السياسي".
في المقابل، قارن الكاتب بين فانس ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، مشيرا إلى أن الأخير يتصرف بقدر أكبر من الحذر؛ إذ لم يعلن معارضة صريحة للحرب في الشرق الأوسط، ولم يوجه انتقادات مباشرة لإسرائيل على غرار فانس.
وأضاف أن "روبيو يحرص على الاصطفاف خلف ترامب حتى عندما تكون لديه تحفظات، فيلتزم بمواقفه بصورة كاملة".
وبالغ المقال في تصوير ذلك عبر الإشارة إلى أنه "قد يرتدي حتى حذاء أكبر من مقاسه إذا قدمه له ترامب، حفاظا على ولائه السياسي".
في المحصلة، يعتقد الكاتب أن "مواقف فانس قسمت الرأي العام الأميركي؛ إذ يرى مؤيدوه أنه من القلة الذين يجرؤون على قول ما يعتقدونه حقيقة، بينما يرى آخرون أنه يتسم بالاندفاع والصراحة المفرطة، ويفضلون دعم روبيو في أي سباق رئاسي مقبل".

















