خبير قانوني يرسم خارطة العدالة الانتقالية في سوريا الجديدة (خاص)

مصعب المجبل | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

أكد المعتصم الكيلاني، المتخصص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، أن العدالة الانتقالية ليست خياراً سياسياً يمكن تأجيله، وإنما هي استحقاق قانوني ووطني يفرضه حجم الانتهاكات التي شهدتها سوريا على مدى أكثر من عقد.

وأضاف الكيلاني، في حوار مع "الاستقلال"، أن ما تحتاجه سوريا هو نموذج وطني يستند إلى المبادئ العالمية للعدالة الانتقالية، ويستجيب في الوقت ذاته لخصوصية المجتمع السوري.

ورأى أن نجاح المحاكمات لن يُقاس بقسوة الأحكام، وإنما بقدرتها على ترسيخ مبدأ طالما غاب عن سوريا، وهو أن كل من يرتكب جريمة يخضع للمساءلة أمام قضاء مستقل، مهما كان موقعه أو نفوذه.

ولفت إلى أن من أولويات مجلس الشعب السوري الجديد إصدار قانون متكامل للعدالة الانتقالية يحدد اختصاصات المؤسسات المعنية، ويكفل حقوق الضحايا، وينظم آليات كشف الحقيقة وجبر الضرر.

والمعتصم الكيلاني محامٍ وحقوقي سوري، ومتخصص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، وباحث دكتوراه في العلاقات الدولية.

وأكد أن العدالة الانتقالية ليست محاكمة للماضي، بل هي عملية قانونية ودستورية لإعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس سيادة القانون، بحيث لا يصبح الإفلات من العقاب جزءاً من المستقبل، كما كان جزءاً من الماضي.

استحقاق قانوني ووطني

بداية، لماذا تُعد العدالة الانتقالية وتطبيقها ضرورة وطنية ملحة لتحقيق التعافي والاستقرار المستدام في هذه المرحلة الحساسة من عمر الدولة السورية الجديدة؟

العدالة الانتقالية ليست خياراً سياسياً يمكن تأجيله، وإنما هي استحقاق قانوني ووطني يفرضه حجم الانتهاكات التي شهدتها سوريا على مدى أكثر من عقد. فلا يمكن بناء دولة القانون على إرث من الإفلات من العقاب، كما لا يمكن تحقيق الاستقرار عبر تجاهل حقوق الضحايا أو اختزال العدالة في المحاكمات الجنائية فقط. وقد أثبتت التجارب المقارنة أن الدول الخارجة من النزاعات لا تستعيد ثقة مواطنيها إلا عندما يشعر الجميع بأن الدولة الجديدة تقف على مسافة واحدة من الضحايا والجناة، وأنها تتعامل مع الماضي بمنطق القانون لا بمنطق الانتقام.

وفي الحالة السورية، تمثل العدالة الانتقالية الإطار الأشمل الذي يجمع بين المساءلة الجنائية، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، والبحث عن المفقودين، والإصلاح المؤسسي، وضمانات عدم التكرار. وهذه ليست شعارات، بل التزامات راسخة في القانون الدولي لحقوق الإنسان، تؤكدها مبادئ الأمم المتحدة الخاصة بمكافحة الإفلات من العقاب وحقوق الضحايا.

واليوم، وبعد إنشاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، والهيئة الوطنية للمفقودين، وبدء بعض المحاكمات، دخلت سوريا مرحلة جديدة تختلف عن مرحلة الصراع المسلح. لكن نجاح هذه المرحلة لن يُقاس بعدد المحاكمات، وإنما بقدرة الدولة على بناء منظومة عدالة تشمل جميع الضحايا وجميع المشتبه بهم دون تمييز، وتضمن في الوقت نفسه حقوق الدفاع والمحاكمة العادلة.

إن العدالة الانتقالية ليست لإعادة إنتاج الانقسام، بل لإعادة تأسيس العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع. وإذا أُديرت بصورة صحيحة، فإنها ستكون الضمانة الحقيقية لاستقرار سوريا؛ لأنها تعالج أسباب النزاع، لا مظاهره فقط، وتؤسس لدولة يكون فيها القانون أعلى من السلطة، وحقوق الإنسان أعلى من التقديرات السياسية.

كيف تقيّم جدية الحكومة السورية في تطبيق العدالة الانتقالية؟

يمكن القول: إن هناك مؤشرات إيجابية لا يمكن إنكارها، أبرزها إنشاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، والهيئة الوطنية للمفقودين، وبدء إجراءات قضائية بحق عدد من المسؤولين السابقين. إضافة إلى تشكيل مجلس الشعب الانتقالي الذي يُنتظر منه استكمال الإطار التشريعي. وتمثل هذه الخطوات انتقالاً من مرحلة التصريحات إلى مرحلة بناء المؤسسات.

لكن، في المقابل، لا ينبغي أن يستند تقييم الجدية إلى إنشاء الهيئات فقط، وإنما إلى مضمون عملها واستقلاليتها وشموليتها. فما تزال هناك تساؤلات قانونية مشروعة حول نطاق اختصاص الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، ومدى شمولها لجميع الانتهاكات بصرف النظر عن هوية مرتكبيها، إضافة إلى ضرورة إشراك الضحايا ومنظمات المجتمع المدني في رسم السياسات العامة للعدالة الانتقالية.

كما أن نجاح الحكومة سيُقاس بمدى قدرتها على حماية استقلال القضاء، وعدم التدخل في عمل النيابة العامة والمحاكم، وضمان تنفيذ الأحكام، وتأمين الموارد اللازمة لحماية الشهود وحفظ الأدلة، وعدم السماح لأي تقديرات سياسية أو أمنية بالتأثير في مسار العدالة.

وبرأيي، نحن أمام بداية مهمة، لكنها ليست كافية بعد. فالعدالة الانتقالية ليست حدثاً، وإنما عملية مؤسسية قد تمتد لسنوات، وتتطلب إرادة سياسية مستمرة، وتشريعات متطورة، ورقابة مجتمعية، وتعاوناً مع الآليات الدولية، حتى تكتسب ثقة السوريين وتحقق أهدافها.

إصلاحات متدرجة

هل المؤسسة القضائية السورية الحالية قادرة على إنجاز العدالة الانتقالية، أم أنها تحتاج إلى إصلاحات جديدة؟

لا أعتقد أن أي منظومة قضائية خرجت من نزاع طويل يمكنها الاضطلاع بمهمة العدالة الانتقالية من دون إصلاحات مؤسسية عميقة، وسوريا ليست استثناءً.

فالقضاء هو العمود الفقري لأي عملية مساءلة، لكنه في الوقت ذاته أحد أكثر المؤسسات التي تأثرت بالنزاع، سواء على مستوى البنية التشريعية أو الموارد البشرية أو الثقة المجتمعية.

واليوم، توجد فرصة حقيقية لإعادة بناء السلطة القضائية على أسس الاستقلال والكفاءة، إلا أن ذلك يتطلب مراجعة شاملة للتشريعات، وتعزيز استقلال مجلس القضاء الأعلى، وإبعاد السلطة القضائية عن أي تأثير سياسي أو أمني، وإعادة تقييم أوضاع القضاة وأعضاء النيابة العامة وفق معايير مهنية وقانونية تضمن النزاهة، مع احترام حقوقهم وضماناتهم الوظيفية.

كما أن العدالة الانتقالية تفرض على القضاء التعامل مع أنماط من الجرائم تختلف عن الجرائم التقليدية، مثل الجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، والاختفاء القسري، والتعذيب. وهذا يتطلب إنشاء دوائر قضائية متخصصة، وتدريباً مستمراً للقضاة وأعضاء النيابة العامة على قواعد القانون الجنائي الدولي والقانون الدولي الإنساني، إلى جانب تطوير قدرات الطب الشرعي، والأدلة الجنائية، والتحقيقات الرقمية.

ومن المهم أيضاً إدراك أن العدالة الانتقالية ليست مسؤولية القضاء وحده، وإنما هي منظومة متكاملة تتشارك فيها المؤسسات القضائية، والهيئات المستقلة، والسلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، والمجتمع المدني. فالقضاء يصدر الأحكام، لكنه لا يستطيع بمفرده كشف الحقيقة، أو جبر الضرر، أو إصلاح المؤسسات، أو إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

لذلك، أرى أن المؤسسة القضائية السورية قادرة على أن تكون ركيزة أساسية للعدالة الانتقالية، لكنها تحتاج إلى إصلاحات هيكلية وتشريعية ومؤسسية متدرجة؛ لأن نجاح العدالة الانتقالية يقاس بقدرة القضاء على تحقيق العدالة باستقلال وحياد، لا بمجرد إصدار الأحكام.

بناء منظومة فعالة

ما الآليات اللازمة لضمان حماية الشهود وعدم ضياع الأدلة في ظل وجود آلاف ملفات الاتهام؟

حماية الشهود وحفظ الأدلة ليستا مسألتين إجرائيتين فحسب، بل تمثلان من أهم ضمانات نجاح أي عملية للعدالة الانتقالية.

فقد أثبتت التجارب الدولية أن كثيراً من المحاكمات انهارت بسبب غياب الحماية الكافية للشهود، أو نتيجة فقدان الأدلة أو العبث بها. ولذلك، يعتبر القانون الدولي حماية الشهود جزءاً أصيلاً من الحق في المحاكمة العادلة.

وفي الحالة السورية، حيث تتعدد مسارح الجرائم، ويتوزع الضحايا والشهود داخل البلاد وخارجها، تبرز الحاجة إلى إنشاء برنامج وطني مستقل لحماية الشهود، يتمتع بميزانية وصلاحيات واضحة، ويشمل تغيير الهوية عند الضرورة، وتأمين أماكن إقامة آمنة، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي، وضمان سرية البيانات الشخصية، إلى جانب توفير الحماية القانونية للمبلغين والخبراء.

أما فيما يتعلق بالأدلة، فمن الضروري إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة تربط بين الأدلة التي جمعتها الجهات القضائية، واللجان الوطنية، ومنظمات المجتمع المدني، والآليات الدولية، مع الالتزام الكامل بقواعد سلسلة حيازة الأدلة، بما يضمن بقاءها مقبولة أمام القضاء، وعدم الطعن في سلامتها أو مصدرها.

كما ينبغي إعطاء أولوية خاصة للأدلة الرقمية، وصور الأقمار الصناعية، والتسجيلات المرئية، وتحليل الهواتف المحمولة، والحمض النووي، لما لها من أهمية كبيرة في القضايا المعقدة، لا سيما قضايا المقابر الجماعية والمفقودين.

وأخيراً، فإن العدد الكبير للملفات لا يبرر التسرع في الإجراءات أو الإخلال بضمانات المحاكمة العادلة. فالمطلوب هو بناء منظومة فعالة لإدارة القضايا، تعتمد معايير واضحة لتحديد الأولويات، مع الحفاظ على حق كل ضحية في الوصول إلى العدالة، وحق كل متهم في محاكمة منصفة.

هل لمجلس الشعب الجديد دور في سنّ قوانين تسهم في تطبيق العدالة الانتقالية؟

بلا شك، لأن العدالة الانتقالية ليست مشروعاً قضائياً فحسب، وإنما هي أيضاً مشروع تشريعي. فكثير من أدوات العدالة الانتقالية لا يمكن أن تعمل بكفاءة من دون إطار قانوني واضح يصدر عن السلطة التشريعية. ومن هنا، يتحمل مجلس الشعب الجديد مسؤولية دستورية ووطنية في استكمال البناء التشريعي للمرحلة الانتقالية.

ومن أولويات المجلس إصدار قانون متكامل للعدالة الانتقالية يحدد اختصاصات المؤسسات المعنية، ويكفل حقوق الضحايا، وينظم آليات كشف الحقيقة، وجبر الضرر، وحماية الشهود، والوصول إلى الأرشيف الوطني، والتنسيق بين القضاء والهيئات المستقلة.

كما يقع على عاتق المجلس مراجعة التشريعات النافذة، وإلغاء أو تعديل النصوص التي تتعارض مع الدستور أو مع التزامات سوريا الدولية في مجال حقوق الإنسان، إضافة إلى مواءمة التشريعات الوطنية مع الاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها الدولة.

ويملك المجلس أيضاً دوراً رقابياً بالغ الأهمية، يتمثل في متابعة أداء المؤسسات المعنية بالعدالة الانتقالية، ومساءلتها عن مدى التزامها بالقانون، وضمان استقلالها المالي والإداري؛ لأن غياب الرقابة البرلمانية قد يؤدي إلى تحويل العدالة الانتقالية إلى مجرد إجراء إداري فاقد للفعالية.

وفي تقديري، فإن نجاح مجلس الشعب لن يقاس بعدد القوانين التي يصدرها، وإنما بقدرته على إنتاج تشريعات توافقية تعزز الثقة بين الدولة والمجتمع، وتؤسس لمرحلة يكون فيها القانون هو المرجعية العليا، لا موازين القوى السياسية.

 ما الاقتراحات العملية لمعالجة الضرر الذي لحق بالضحايا، بحيث يتجاوز التعويض المادي التقليدي؟

عندما نتحدث عن جبر الضرر في العدالة الانتقالية، فإننا لا نقصد التعويض المالي فقط؛ لأن الضرر الذي أصاب السوريين خلال السنوات الماضية لا يمكن اختزاله في قيمة مالية.

فهناك من فقد أحد أفراد أسرته، وهناك من تعرض للتعذيب أو الاختفاء القسري أو النزوح أو فقد ممتلكاته أو حُرم من التعليم والعمل.

لذلك، تنظر مبادئ الأمم المتحدة بشأن الحق في الانتصاف وجبر الضرر إلى الجبر بصفته منظومة متكاملة تشمل رد الحقوق، والتعويض، وإعادة التأهيل، والإرضاء، وضمانات عدم التكرار.

وفي الحالة السورية، أعتقد أن الأولوية يجب أن تكون لكشف مصير المفقودين والمختفين قسراً؛ لأن معرفة الحقيقة بالنسبة إلى عائلاتهم تمثل شكلاً من أشكال العدالة لا يقل أهمية عن أي تعويض مالي.

كما ينبغي إنشاء برنامج وطني لإعادة التأهيل النفسي والاجتماعي للناجين، لا سيما الأطفال، والنساء، وضحايا التعذيب والعنف الجنسي، مع توفير خدمات صحية وتعليمية مجانية للفئات الأكثر تضرراً.

ومن المقترحات العملية أيضاً إنشاء صندوق وطني لجبر الضرر، يمول من الموازنة العامة، والأموال المستردة وفق القانون، والمساهمات الدولية المشروعة، بما يضمن تعويضاً عادلاً وشفافاً بعيداً عن المحاباة. وينبغي كذلك إعادة الحقوق الوظيفية والمدنية لمن حُرموا منها تعسفاً، ورد الممتلكات كلما أمكن، أو التعويض عنها عند تعذر الرد.

ولا يقل أهمية عن ذلك الاعتراف الرسمي بالضحايا، وإحياء ذكراهم، وإنشاء متاحف أو مراكز توثيق وطنية تحفظ الذاكرة الجماعية؛ لأن الاعتراف العلني بما حدث يعد جزءاً من جبر الضرر وفق المعايير الدولية. فالعدالة الانتقالية لا تهدف فقط إلى معاقبة الجناة، وإنما إلى إعادة التقدير للضحايا وإعادة دمجهم في المجتمع بوصفهم أصحاب حقوق، لا مجرد متلقين للمساعدات.

وأخيراً، فإن أفضل ضمان لجبر الضرر هو عدم تكراره. لذلك، فإن إصلاح المؤسسات، وترسيخ استقلال القضاء، وتعزيز الرقابة على الأجهزة العامة، ونشر ثقافة حقوق الإنسان، تشكل جميعها جزءاً لا يتجزأ من مفهوم جبر الضرر في القانون الدولي.

إنشاء برنامج وطني

كيف تقيّم المحاكمات التي جرت لرموز نظام الأسد المخلوع؟ وما الأحكام التي تتوقع صدورها بحقهم؟

من المبكر إصدار تقييم نهائي للمحاكمات؛ لأنها لا تزال في مراحلها الأولى. كما أن أي خبير قانوني يجب أن يتجنب استباق القضاء أو توقع الإدانة قبل اكتمال المحاكمة. فالمبدأ الأساسي في العدالة الجنائية هو أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي، وهذا المبدأ يجب أن يطبق حتى في القضايا المتعلقة بأشد الانتهاكات خطورة.

لكن يمكن تقييم المسار من زاوية إجرائية. فإذا كانت المحاكمات تُجرى أمام قضاء مستقل، وتحترم حقوق الدفاع، وتتيح للمتهمين الاطلاع على الأدلة، واستدعاء الشهود، والطعن في الأحكام، فإنها تمثل خطوة مهمة لترسيخ سيادة القانون. أما إذا غابت هذه الضمانات، فإن الأحكام، مهما كانت، قد تثير إشكالات قانونية وتؤثر في ثقة الضحايا والرأي العام.

كما ينبغي ألا تنحصر المحاكمات في المسؤولين السياسيين والعسكريين رفيعي المستوى فقط، بل يجب أن تمتد، وفقاً للأدلة، إلى كل من يثبت تورطه في ارتكاب الجرائم، أو إصدار الأوامر بها، أو المساعدة على ارتكابها، مع مراعاة قواعد المسؤولية الفردية ومسؤولية القادة متى توافرت شروطها القانونية. وفي المقابل، يجب أيضاً ألا تتحول المحاكمات إلى وسيلة لتصفية الحسابات السياسية أو إلى عقوبات جماعية بحق أشخاص لمجرد انتمائهم السابق إلى مؤسسات الدولة.

أما فيما يتعلق بالأحكام، فمن غير المهني توقع نوع العقوبة أو مدتها؛ لأن ذلك يعتمد على الوقائع المثبتة، والتكييف القانوني لكل جريمة، والأدلة المقدمة، ودور كل متهم، والظروف المشددة أو المخففة التي تقررها المحكمة. فالقاضي الجنائي لا يحكم وفق الانطباعات أو المواقف السياسية، وإنما وفق الأدلة والقانون فقط.

وفي تقديري، فإن نجاح هذه المحاكمات لن يقاس بقسوة الأحكام، وإنما بقدرتها على ترسيخ مبدأ طالما غاب عن سوريا، وهو أن كل من يرتكب جريمة يخضع للمساءلة أمام قضاء مستقل، مهما كان موقعه أو نفوذه.

هل سوريا بحاجة إلى تطوير نموذج وطني يستند إلى التجارب الدولية الرائدة في العدالة الانتقالية؟

بالتأكيد، لكن ليس بالمعنى القائم على استنساخ تجربة دولة أخرى؛ فالعدالة الانتقالية ليست نموذجاً جاهزاً يُنقل من بلد إلى آخر، وإنما هي عملية تُصمم وفق السياق الوطني، مع الاستفادة من الخبرات المقارنة. وهذا ما تؤكده الأمم المتحدة والمراكز الدولية المتخصصة؛ إذ لا توجد تجربة واحدة تصلح للتطبيق الحرفي في جميع الدول.

فسوريا تختلف عن جنوب إفريقيا التي ركزت على لجان الحقيقة، وتختلف عن رواندا، التي اعتمدت إلى جانب القضاء الدولي والمحلي آليات مجتمعية خاصة، كما تختلف عن البوسنة والهرسك، التي أنشأت محكمة دولية خاصة، وعن كولومبيا، التي بنت نموذجاً يجمع بين المساءلة والعدالة التصالحية. ولكل تجربة ظروفها التاريخية والدستورية والاجتماعية، ولا يمكن استيرادها كما هي.

ما تحتاجه سوريا هو نموذج وطني يستند إلى المبادئ العالمية للعدالة الانتقالية، ويستجيب في الوقت نفسه لخصوصية المجتمع السوري. وينبغي أن يقوم هذا النموذج على أربعة أعمدة متكاملة: أولاً، المساءلة الجنائية وفق معايير المحاكمة العادلة؛ ثانياً، كشف الحقيقة وضمان حق الضحايا في المعرفة؛ ثالثاً، جبر الضرر بجميع أشكاله؛ ورابعاً، الإصلاح المؤسسي وضمانات عدم التكرار. وإذا اختل أحد هذه الأعمدة، فإن منظومة العدالة الانتقالية ستبقى ناقصة.

كما يجب أن يكون هذا النموذج قائماً على المشاركة المجتمعية الواسعة، بحيث يشارك الضحايا، ومنظمات المجتمع المدني، والجامعات، ونقابات المحامين، والسلطات العامة في صياغة سياساته؛ لأن العدالة الانتقالية لا تُفرض من أعلى، بل تُبنى بالتوافق الوطني.

وأعتقد أن التحدي الأكبر أمام سوريا اليوم ليس نقص الخبرات القانونية، بل القدرة على تحويل الإرادة السياسية إلى مؤسسات مستقلة، وقوانين فعالة، وممارسات مستدامة. فإذا نجحت الدولة في ذلك، فإنها لن تحقق العدالة للماضي فحسب، بل ستؤسس أيضاً لدولة قانون تمنع تكرار الانتهاكات في المستقبل.

وهذا هو الهدف الحقيقي للعدالة الانتقالية: أن تكون جسراً يعبر بسوريا من إرث النزاع إلى دولة المواطنة وسيادة القانون، لا مجرد وسيلة لمعالجة أخطاء الماضي.