صراع القوى البحرية.. كيف تتحرك إسرائيل لموازنة الصعود التركي؟

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

بين عقيدة "الوطن الأزرق" التركية والتحالف الثلاثي لإسرائيل واليونان وقبرص، يتحول شرق المتوسط إلى ساحة تنافس إستراتيجي تكشف عن سباق نفوذ بحري متصاعد.

وتحت عنوان "المواجهة المتوترة في البحر المتوسط وخطط أردوغان الخطيرة"، حذر موقع "القناة الـ12" العبرية من "سباق بناء القوى" الذي يكتسب زخما متزايدا في الخفاء، ويهدد بمواجهة بحرية بين إسرائيل وحلفائها وبين تركيا.

تحول جوهري

وبحسب التقرير، فقد "دفعت سلسلة من الحوادث البحرية بين إسرائيل وتركيا والتي كادت إحداها أن تنتهي باصطدام عسكري، المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى إعادة تقييم نظرتها لأنقرة، والانتقال من عدها دولة معادية إلى التعامل معها بوصفها طرفا يمتلك مقومات التحول إلى خصم مباشر في المستقبل".

ويقصد الموقع "الحادثة التي وقعت قبل أسابيع، عندما كانت سفينة صواريخ تابعة لسلاح البحرية الإسرائيلي تنفذ مهمة قرب السواحل القبرصية، ضمن مناورات عسكرية تجرى في إطار التعاون المتنامي بين القوات البحرية لكل من إسرائيل وقبرص واليونان".

وتابع: "اقتربت أربع مدمرات تركية بصورة مفاجئة وبسرعة كبيرة من السفينة الإسرائيلية أثناء إبحارها في الممر المائي لقبرص غرب الجزيرة، حتى أصبحت تفصلها عنها مئات الأمتار فقط".

وأضاف: "لم ينته التوتر على الفور؛ إذ استمرت المدمرات التركية في مرافقة السفينة الإسرائيلية لبعض الوقت قبل أن تنسحب بصورة استعراضية".

ولفت الموقع إلى أن "هذه ليست المرة الأولى التي تشهد فيها القطع البحرية الإسرائيلية مواجهات متوترة مع سفن حربية تركية في شرق البحر المتوسط، وهو ما يعكس تحولا متسارعا في طبيعة العلاقة بين الجانبين".

ويرى أن "هذه الحوادث دفعت إسرائيل للنظر إلى تركيا بصفتها دولة قد تتحول إلى خصم في المستقبل، في ظل مواصلة البحرية التركية تعزيز قدراتها القتالية في البحر المتوسط وتوسيع أسطولها العسكري خلال السنوات الأخيرة".

وربط الموقع "هذه التحركات بما يعرف بعقيدة (الوطن الأزرق) التي طرحها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وتعد أحد أبرز المرتكزات الإستراتيجية والأمنية والجيوسياسية لأنقرة".

وتقوم هذه العقيدة على "إعادة تعريف نطاق السيادة والنفوذ البحري التركي في البحار المحيطة بها، بما يشمل البحر الأسود وبحر إيجه والبحر المتوسط".

تحول جوهري

وينظر التقرير إلى عقيدة "الوطن الأزرق" بوصفها "تمثل تحولا جوهريا في الفكر العسكري التركي، يقوم على الانتقال من مفهوم الدفاع التقليدي عن الحدود البرية إلى إستراتيجية نشطة تستهدف توسيع النفوذ البحري وإظهار القوة على نطاق واسع في البحار المحيطة بتركيا".

ووفقا له، "تمنح هذه العقيدة تركيا حق المطالبة بالسيادة وحقوق اقتصادية حصرية في مناطق بحرية واسعة، بما يتعارض مع الحدود البحرية القائمة، كما ترفض التفسير اليوناني والقبرصي لترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة".

وأردف: "ترى العقيدة التركية أن الجزر اليونانية القريبة من السواحل التركية، مثل كاستيلوريزو ورودس، لا يحق لها المطالبة بجرف قاري كامل أو منطقة اقتصادية خالصة واسعة، انطلاقا من أن ذلك يقيد وصول أنقرة إلى البحر المتوسط".

كما توفر هذه الإستراتيجية، بحسب التقرير، "غطاء قانونيا وعسكريا لعمليات التنقيب عن النفط والغاز الطبيعي التي تنفذها تركيا في مناطق متنازع عليها بشرق البحر المتوسط".

من هنا، يقدر أن "الهدف المعلن لهذه العقيدة يتمثل في ترسيخ مكانة أنقرة بوصفها قوة بحرية مهيمنة قادرة على تأمين خطوط التجارة البحرية، وبسط نفوذها على مناطق إستراتيجية أبعد، من بينها البحر الأحمر وخليج عدن".

وإقليميا، أشار الموقع إلى أن "تطبيق هذه الإستراتيجية خلال السنوات الماضية تسبب في تصاعد التوترات، لا سيما بعد توقيع أنقرة اتفاقا بحريا مع ليبيا أسفر عن إنشاء ممر بحري تركي ليبي يقطع المناطق الاقتصادية التي تؤكد أثينا سيادتها عليها، الأمر الذي أثار اعتراضات واسعة من جانب اليونان وقبرص ومصر والاتحاد الأوروبي".

باختصار، شدد التقرير على أن عقيدة الوطن الأزرق "أصبحت جزءا أساسيا من الخطاب القومي والإستراتيجي للقيادة التركية والمؤسسة العسكرية، وإن كانت وتيرة تطبيقها تختلف بحسب طبيعة العلاقات السياسية مع دول المنطقة".

وأوضح مقصده: "إذ تخف حدة الخطاب المرتبط بها خلال فترات التهدئة أو محاولات تطبيع العلاقات مع دول مثل اليونان أو مصر أو إسرائيل، بينما تبقى مبادئها الأساسية حاضرة بصفتها خطة إستراتيجية طويلة الأمد".

ونوه الموقع إلى أن "المشهد يزداد تعقيدا، فبعدما سعت تركيا إلى توسيع نفوذها في سوريا؛ حيث نجحت إسرائيل حتى الآن في الحيلولة دون نشر قوات تركية أو منظومات دفاع جوي وطائرات مسيرة على الأراضي السورية، بدأت أنقرة اختبار هذا التوجه في البحر أيضا، وليس على البر فحسب".

فجوة واضحة

بناء على تلك التطورات، أكد التقرير على "ضرورة بناء تصور بحري إسرائيلي جديد وشامل؛ تصور يضمن تحقيق الأهداف الوطنية في ظل فتح ساحات جديدة في البحر الأحمر مع اليمن والخليج العربي مع إيران".

واستطرد: "ولنتذكر أن كل هذا يحدث في حين أن حجم البحرية الإسرائيلية أصغر بكثير من حجم البحرية التركية".

وأشار التقرير إلى أن "الفجوة بين القدرات البحرية التركية والإسرائيلية أصبحت واضحة من حيث حجم القوات والإمكانات العسكرية".

فالبحرية التركية تضم نحو 50 ألف عنصر، وتمتلك 12 غواصة، إلى جانب ستّ غواصات أخرى قيد الإنشاء في أحواض بناء السفن التركية اعتمادا على التكنولوجيا الألمانية.

فضلا عن تسع كورفيتات (سفن حربية صغيرة مجهزة بأسلحة مضادة للطائرات والغواصات وتُستخدم للمراقبة والمرافقة والتأمين)، و17 فرقاطة، و30 سفينة إنزال، وحاملة للطائرات المسيرة، و11 كاسحة ألغام، و26 سفينة دورية، و30 مروحية بحرية، و30 طائرة مسيرة بحرية، إضافة إلى 10 طائرات مخصصة للاستطلاع البحري.

في المقابل، لفت التقرير إلى أن "البحرية الإسرائيلية تمتلك 15 سفينة صواريخ، وست غواصات، و37 زورقا أمنيا صغيرا".

وبحسبه، "تسعى إسرائيل إلى تقليص هذا الفارق من خلال برنامج واسع لتحديث أسطولها البحري؛ إذ تعمل أحواض بناء السفن الإسرائيلية على تصنيع سفن الصواريخ الجديدة من طراز (ريشيف)، المقرر أن تحل محل سفن (نيريت) القديمة، مع الإبقاء على معظم هذه السفن بعد تحديثها لتواصل الخدمة لسنوات إضافية".

وأضاف أن "العقيدة البحرية الجديدة التي يجري العمل عليها تقوم على امتلاك قطع بحرية متعددة المهام، تتمتع بقدرة عالية على تكييف أنظمة التسليح وأجهزة الاستشعار وفقا لطبيعة كل مهمة، سواء في جمع المعلومات الاستخباراتية، أو بناء صورة عملياتية متكاملة للبحر والبر والجو، أو تشغيل الطائرات المسيرة وإطلاق الصواريخ".

كما تستهدف الخطة "إنشاء قوة بحرية متكاملة تضم سفن الصواريخ، وسفن الاستطلاع، والغواصات، بحيث تعمل كوحدة عمليات واحدة في مختلف مسارح القتال، إلى جانب سفن مخصصة للدعم اللوجستي ونقل القوات". بحسب ما أورده التقرير.

ووفقا له، "تقدر تكلفة برنامج تحديث البحرية الإسرائيلية وبناء هذه القوة الجديدة بنحو 20 مليار دولار على مدار العقد المقبل".

في هذا السياق، ذكر الموقع أن "قائد البحرية الإسرائيلية، اللواء إيال هاريل، لا يستبعد احتمال اندلاع مواجهة مع تركيا خلال السنوات المقبلة".

قائلا: "قد نجد أنفسنا خلال السنوات المقبلة في مواجهة ليس في سوريا فقط، وإنما أيضا مع تركيا". 

كابح رئيس

وبعيدا عن تحديث قدراتها العسكرية وفي إطار مواجهة عقيدة "الوطن الأزرق"، عملت إِسرائيل خلال السنوات الأخيرة، بوتيرة متسارعة، على بناء محور إستراتيجي مضاد في شرق البحر المتوسط، يقوم على ثلاثة مرتكزات رئيسة.

وقال التقرير: إن هذه المرتكزات هي: التعاون العسكري، والشراكة في مجال الطاقة، والدعم الذي توفره إحدى القوى الكبرى.

ورأى أن "التحالف العسكري الثلاثي بين إسرائيل واليونان وقبرص يشكل الكابح الرئيس والأكثر مباشرة للطموحات التركية في البحر".

وفي هذا السياق، أوضح الموقع أن "الدول الثلاث أقامت علاقة أمنية وثيقة، تشمل خطط عمل عسكرية سنوية مع كل من اليونان وقبرص، تتضمن إجراء تدريبات مشتركة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وعقد مشاورات إستراتيجية بصورة منتظمة".

علاوة على ذلك، "يمتد التعاون أيضا إلى المجالين البحري والجوي؛ إذ يعقد قائد سلاح الجو الإسرائيلي اجتماعات دورية مع نظيريه اليوناني والقبرصي بهدف ضمان حرية الحركة في أجواء ومياه شرق البحر المتوسط، إلى جانب التدريب على نشر منظومات الدفاع الجوي وتبادل التقديرات الاستخباراتية".

كما يتضمن التعاون، بحسب التقرير، "العمل على إنشاء قوة تدخل سريع بحجم لواء، تضم نحو 2500 جندي مدعومين بمقاتلات إف-35، لتكون جاهزة للتعامل مع التهديدات المشتركة في المجال البحري".

في موازاة ذلك، أشار الموقع إلى أن "التحالف بين إسرائيل واليونان وقبرص لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد أيضا إلى قطاع الطاقة، في إطار ما يعرف بـ(مثلث الطاقة) ومنتدى غاز شرق المتوسط".

وأضاف: "يمثل هذا التعاون ردا اقتصاديا وإستراتيجيا على محاولات تركيا فرض نفوذها البحري، بما في ذلك الاتفاق البحري الذي وقعته مع ليبيا".

في هذا الإطار، ذكر التقرير أن "إسرائيل ومصر واليونان وقبرص وعددا من الدول الأخرى أسّست منتدى غاز شرق المتوسط بهدف تنسيق عمليات استخراج الغاز الطبيعي من حقول المنطقة، مثل حقلي ليفياثان الإسرائيلي وأفروديت القبرصي، وتصديره مباشرة إلى أوروبا، بما يقلص الاعتماد على تركيا ويحد من دورها في ترتيبات الطاقة الإقليمية".

بالإضافة إلى ذلك، ذكر أن "هذه الدول تعمل على تنفيذ مشاريع بنية تحتية مشتركة، أبرزها مشروع (الربط الكهربائي البحري الكبير)".

وأوضح أنه "يهدف إلى إنشاء أكبر كابل كهربائي بحري في العالم لربط شبكات الكهرباء في إسرائيل وقبرص واليونان بأوروبا، بما يعزز أمن الطاقة الإسرائيلي ويوفر لإسرائيل مصدرا إضافيا للدعم الكهربائي".

وأبرز التقرير الدعم الأميركي للتحالف الثلاثي قائلا: "نجحت إسرائيل واليونان وقبرص في إشراك الولايات المتحدة بوصفها الطرف الرابع الداعم لهذا التحالف، من خلال إطار يعرف باسم (منتدى 3+1)".

وأردف: "في إطار هذا المنتدى، أطلقت هذه الدول مركز طاقة شرق المتوسط (EMEC) في الولايات المتحدة، كما تعمل على تعزيز تحالفات متخصصة للدفاع السيبراني عن البنية التحتية الحيوية للطاقة في البحر".

وأشاد الموقع بالمشاركة الأميركية لهذا التحالف، مشيرا إلى أنها "توفر للمحور الإسرائيلي اليوناني القبرصي غطاء سياسيا وأمنيا يعزز موقفه في مواجهة الضغوط التركية".

وهكذا، يرى أنه "بينما تسعى تركيا إلى فرض نفوذها البحري بصورة أحادية، تعتمد إسرائيل في المقابل على شبكة متعددة المستويات من التحالفات العسكرية والطاقة والتكنولوجيا بما يحول شرق البحر المتوسط إلى مساحة أكثر أمنا بالنسبة لها".

سباق التعلم

وفي سياق أوسع، قدر الموقع العبري أن "المتغيرات التي فرضتها الحرب أوجدت احتياجات جديدة لم تكن مطروحة في السابق، في ظل احتدام (سباق التعلم) بين الجيش الإسرائيلي والجهات التي يعدها مصدر تهديد".

وتابع موضحا: "إذ باتت تنظر المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى عملية بناء القوة العسكرية بصفتها معركة قائمة بذاتها، لا يقتصر دورها على دعم العمليات القتالية، وإنما تشمل أيضا تعزيز قدرة الردع في مواجهة الخصوم".

بمعنى آخر، “إن بناء القوة لا يعد عملية داخلية فحسب، بل يمثل جزءا من تفاعل مستمر مع الخصم؛ إذ إن أي تطوير لقدرات الجيش الإسرائيلي أو إعادة هيكلة لقواته يقابله رد فعل من الطرف الآخر، سواء عبر تطوير قدرات مضادة أو تعديل أساليب العمل والقتال”. وفق الموقع.

وبحسب وجهة نظره، "تخلق هذه الديناميكية ما يشبه (سباق التعلم)؛ حيث يسعى كل طرف إلى فهم قدرات الطرف المقابل واستباق خطواته واكتشاف نقاط ضعفه، وكلما زاد الاحتكاك بين الطرفين، ارتفعت وتيرة التعلم".

ومن ثم، أكد التقرير أن "عملية بناء القوة العسكرية يجب أن تتسم بالمرونة، وألا تعتمد على منظومة واحدة أو حل منفرد، بل على حزمة متنوعة من القدرات التي تتيح التكيف مع المتغيرات الميدانية والتحديات المستقبلية".

في هذا الإطار، شدد الموقع على "أهمية الشراكات الدولية بالنسبة إلى إسرائيل". مشيرا إلى أنها "تتحرك ضمن بيئة دولية معقدة، وأن علاقاتها مع الدول الصديقة تمنحها عمقا إستراتيجيا إضافيا".

واختتم قائلا: إن "المساعدات الخارجية، والتعاون في المجال الصناعي، وإتاحة الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة، تمثل جميعها عوامل من شأنها توسيع هامش الحركة أمام إسرائيل وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات المستقبلية".