مع تصاعد الاستعدادات السعودية والحوثية.. إلى أين تتجه الأزمة اليمنية؟

مصطفى كمال | منذ ٥ ساعات

12

طباعة

مشاركة

تشير التحركات الميدانية إلى أن السعودية والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً ترفعان مستوى الاستعدادات لاحتمال اندلاع جولة جديدة من الحرب ضد جماعة الحوثيين، في ظل دعم أميركي سياسي وعسكري متزايد، يقابله تصعيد موازٍ من جانب إيران والحوثيين يعكس استعداداً لتوسيع نطاق المواجهة إذا اندلعت. 

وبحسب تقرير نشره موقع "أكسيوس" فقد منح الرئيس الأميركي دونالد ترامب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الضوء الأخضر لعملية عسكرية ضد الحوثيين، بعد طلب سعودي بالحصول على دعم واشنطن؛ تحسباً لتوسع الصراع، مع إدراك الرياض أن أي مواجهة جديدة قد تتطلب إسناداً عسكرياً ودبلوماسياً أميركياً. 

يأتي ذلك في وقت تواصل فيه الولايات المتحدة حملتها العسكرية ضد أهداف إيرانية، بما يفرض معادلة إقليمية جديدة قد توفر للرياض فرصة مواتية لإعادة فتح الملف العسكري بهدف تغيير موازين الصراع في اليمن بعد أكثر من عقد من الحرب.

وفي هذا السياق، كثفت الحكومة الشرعية إجراءاتها العسكرية والسياسية عقب أزمة الطائرة الإيرانية؛ حيث أعلن مجلس القيادة الرئاسي رفع أعلى درجات الجاهزية، واتخاذ التدابير العسكرية والسياسية والدبلوماسية اللازمة لحماية السيادة اليمنية، مع التأكيد على منع أي رحلات أو طائرات أجنبية إلى المطارات اليمنية خارج موافقة الحكومة. 

السعودية.. هل راجعت حساباتها؟

بعد أكثر من عقد على إطلاق عملية عاصفة الحزم في 26 مارس/آذار 2015 لاستعادة الدولة اليمنية وإنهاء الانقلاب الحوثي، تبدو حصيلة التدخل السعودي بعيدة عن الأهداف التي أعلنتها الرياض عند بداية الحرب. 

فاليمن الذي دخلته المملكة كان، رغم سيطرة الحوثيين على صنعاء، لا يزال يحتفظ بمؤسسات دولة موحدة وعلم واحد وجيش واحد وبنك مركزي واحد، بينما أفرزت سنوات الحرب واقعاً أكثر تعقيداً، مع تعدد مراكز النفوذ، وانقسام المؤسسات، وظهور سلطات أمر واقع، وتصاعد النزعات المناطقية والانفصالية.

وخلال سنوات الصراع، رسخ الحوثيون سيطرتهم في الشمال وعززوا قدراتهم العسكرية بدعم إيراني، فيما فرض المجلس الانتقالي الجنوبي نفوذه في أجزاء واسعة من الجنوب رافعاً مشروع الانفصال، في حين برزت قوات طارق صالح في الساحل الغربي كقوة ذات نفوذ مستقل وأقرب إلى دائرة التأثير الإماراتي، الأمر الذي أضعف موقع الحكومة الشرعية وأنتج خريطة نفوذ تتجاوز أهداف التحالف الأولية.

وفي المقابل، لم تحقق الرياض رهاناتها على القوى المحلية التي دعمتها؛ إذ تحول المجلس الانتقالي إلى قوة تناقض هدف الحفاظ على وحدة اليمن، بينما أصبح الحوثيون التهديد الأمني الأبرز للمملكة مع تنامي ترسانتهم العسكرية واتساع النفوذ الإيراني على حدودها الجنوبية، الأمر الذي وضع السياسة السعودية أمام تحديات أكثر تعقيداً مما كانت عليه عند بدء الحرب.

وفي ضوء هذه المتغيرات، يبدو أن المملكة تتجه إلى مراجعة مقاربتها للملف اليمني بعد تعثر مسارات التسوية ورفض الحوثيين مبادرات السلام واستمرار ارتباطهم بطهران؛ سعياً إلى استعادة زمام المبادرة، والحد من النفوذ الإيراني، وإعادة بناء توازنات سياسية وعسكرية أكثر انسجاماً مع مصالحها الأمنية والإستراتيجية.

عوامل تغيّر الموقف السعودي

تشير جملة من المتغيرات اليمنية والإقليمية إلى احتمال إعادة صياغة المقاربة السعودية تجاه الملف اليمني، والانتقال من سياسة الاحتواء إلى خيار أكثر ميلاً للحسم العسكري في مواجهة الحوثيين.

أولاً: المتغير الداخلي اليمني. يتمثل في تصاعد التكتل القبلي المناهض للحوثيين واتساع حالة الرفض الشعبي لسلطتهم، بما يفتح المجال أمام تحرك قبلي قد يعيد رسم موازين القوى على الأرض.

 ويضع هذا التطور الرياض أمام معادلة جديدة؛ فنجاح القبائل في إضعاف الحوثيين أو إسقاط سلطتهم قد يقلص قدرة المملكة على التأثير في شكل التسوية المقبلة، وهو ما يحفزها إلى الانخراط بصورة أكثر فاعلية لضمان حماية مصالحها والمشاركة في رسم مستقبل اليمن. 

ويأتي ذلك بعد سنوات اتسم فيها الموقف السعودي بالحذر تجاه الحسم العسكري؛ انطلاقاً من حسابات إستراتيجية هدفت إلى إدارة الصراع أكثر من حسمه.

ثانياً: تعثر مسار التهدئة مع الحوثيين. فرغم المبادرات والتنازلات التي قدَّمتها الرياض، تمسك الحوثيون بمواقفهم، مستندين إلى تنامي قدراتهم العسكرية، والدعم الإيراني، والانقسامات داخل معسكر الشرعية، وهو ما عزز قناعتهم بإمكانية فرض شروطهم السياسية والعسكرية. 

ومع تحول الجماعة إلى مصدر تهديد مباشر للأمن السعودي، عبر تطوير قدراتها الصاروخية والطائرات المسيّرة، وتصاعد دورها ضمن شبكة النفوذ الإيراني في المنطقة، يبدو أن الرياض باتت تنظر إلى الخيار العسكري بصفته وسيلة للحد من هذا التهديد، وإن كان من غير المؤكد أن يفضي ذلك إلى إنهاء الأزمة اليمنية بصورة نهائية.

ثالثاً: التحولات الإقليمية. فقد فرضت الحرب الأميركية المستمرة ضد إيران واقعاً إقليمياً جديداً، مع تصاعد الضغوط العسكرية على طهران واتساع نطاق المواجهة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بالتوازي مع تنامي التوتر بين إيران وعدد من دول الخليج. 

وفي ظل انشغال طهران بمواجهة الضربات الأميركية، قد ترى الرياض أن الظروف أصبحت أكثر ملاءمة لإعادة ترتيب أولوياتها الأمنية، وتقليص نفوذ إيران على حدودها الجنوبية عبر توجيه ضربة لحليفها الحوثي، ضمن مقاربة تستهدف إعادة تشكيل موازين القوى في اليمن بما ينسجم مع مصالحها الإستراتيجية.

إعادة تموضع أطراف الصراع

وفي ظل هذه المتغيرات، لم يعد المشهد اليمني محكوماً بمعادلات الصراع التي سادت خلال السنوات الماضية، بل دخل مرحلة إعادة تموضع سياسي وعسكري شاملة، فرضتها التحولات اليمنية والإقليمية وتبدل موازين القوى. 

وتعكس التحركات الأخيرة أن الأطراف المعنية بالوضع اليمني باتت تعيد تقييم خياراتها وحساباتها استعداداً لمرحلة حاسمة قد تشهد إعادة صياغة توازنات النفوذ، بما يتجاوز مجرد الاستعداد لجولة جديدة من المواجهة العسكرية.

.

الشرعية.. الجاهزية للحسم

تبنَّى رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي موقفاً سيادياً حاسماً، معلناً منع هبوط أي طائرة إيرانية في الأراضي اليمنية بشكل نهائي، بهدف إنهاء ما وصفه بـ"الحصار الحوثي الإيراني".

وفي منشور له على منصة (إكس)، وجّه رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، أربع رسائل إلى المواطنين في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي أكّد فيها تمسك الدولة بمسؤوليتها تجاه جميع اليمنيين، متهماً جماعة الحوثي بإفشال مبادرات السلام والتسبب في إغلاق مطار صنعاء عبر احتجاز طائرات الخطوط الجوية اليمنية. كما دعا القبائل إلى عدم الزج بأبنائها في الحرب، مجدداً التزام الدولة بحماية السيادة ومواصلة السعي إلى سلام عادل ينهي الانقلاب.

في الوقت نفسه، ثمة استنفار عسكري واسع للشرعية يشمل: وصول تعزيزات سعودية لمأرب ورفع الجاهزية القتالية، وإعادة تأهيل طائرات مقاتلة يمنية للخدمة، بينما تشير تقارير دولية إلى امتلاك سلاح الجو اليمني طائرات مسيرة صينية من طراز "لونغ 2" (Wing Loong 2)، كما عقدت لقاءات تشاورية برئاسة نائب رئيس هيئة الأركان في عدن لتوحيد التشكيلات العسكرية، فضلاً عن إحباط هجوم حوثي في جبهة "قناو" شرقي الجوف. 

وبحسب مصادر صحفية، فإن احتمال انتقال قوات الشرعية إلى عمل عسكري أصبح مطروحا أكثر من أي وقت مضى إذا استمرَّ التصعيد الحوثي.

دبلوماسياً، يتحرك عضو المجلس الرئاسي عبدالله العليمي في لندن لكسب التأييد البريطاني، وسط أنباء عن عودة الحكومة الشرعية من الخارج لقيادة "حرب شاملة"، مدعومة بتأكيد السفارة الأميركية على وقوف واشنطن ضد التهديد الحوثي المدعوم إيرانياً.

القبائل.. قطار الانتظار شارف على نهايته

تعكس التحركات القبلية في محافظة الجوف مؤشرات على تنامي الاستعداد للمشاركة في أي مواجهة عسكرية محتملة؛ إذ أعلنت مطارح الريان اكتمال حشد المقاتلين ووصول القبائل إلى مواقع التجمع.

وفي رسالة وجهها الشيخ حمد بن فدغم (قائد مطارح الجوف) قال فيها: لقد طال الصبر، مؤكداً أن قطار الانتظار قد شارف على نهايته. وفي رسالة أخرى له، أعلن الجاهزية لمعركة تحرير اليمن وتطهيره، بحسب قوله.

 ويشير هذا التطور إلى استمرار حضور القبيلة كفاعل مؤثر في معادلة الصراع اليمني، وإمكانية توظيف الثقل القبلي في دعم العمليات العسكرية إذا ما انتقلت الأزمة إلى مرحلة المواجهة المفتوحة، ما يعزز العمق الإستراتيجي للشرعية ويدعم التوجه نحو مواجهة عسكرية شاملة.

وفي حال تطور هذا الزخم إلى تعبئة ميدانية، فقد يفرض على الحوثيين تحدياً داخلياً متزايداً ويقوض قدرتهم على الحفاظ على تماسك مناطق نفوذهم.

السعودية.. تعزيز الردع

تشهد الجبهة السعودية تحركات إستراتيجية مكثفة، تتجلى في لقاء جمع نائب رئيس هيئة الأركان السعودي الفريق الركن فهد الغفيلي مع قائد القيادة المركزية الأميركية باتريك فرانك لبحث أوجه التعاون والدفاع المشترك. وتواكب ذلك مع موافقة الخارجية الأميركية على بيع أنظمة أسلحة فتاكة للرياض بقيمة 1.96 مليار دولار. 

والأكثر أهمية من ذلك، ما أشارت إليه تقارير (نقلتها قناة الحرة) من منح الإدارة الأميركية "ضوءاً أخضر" للسعودية لشن عمل عسكري ضد جماعة الحوثي، تأكيداً على التزام واشنطن بأمن المنطقة، وحماية حرية الملاحة، ومكافحة جماعة الحوثيين المصنفة جماعة إرهابية أجنبية مدعومة من إيران.

السعودية لا تعتمد في تحركاتها الأخيرة ضد جماعة الحوثي وحليفها الإيراني على مساندة الولايات المتحدة لها وحسب، بل وتعتمد كذلك على وقوف دولة باكستان بكل إمكاناتها العسكرية إلى جانبها.

 وبحسب وكالة (واس) السعودية، جددت باكستان دعمها الكامل للمملكة العربية السعودية، وأدانت الهجمات الصاروخية الباليستية التي شنتها مليشيا الحوثي ضد المملكة، مؤكدةً تضامنها مع المملكة ودعمها لأمنها وسيادتها وسلامة أراضيها. 

وطبقاً للكاتب السعودي سليمان العقيلي، فقد أبلغت القيادة الباكستانية إيران أن أي هجوم يستهدف السعودية سيعد هجوما على باكستان، ووصفت المملكة بأنها خط أحمر.

وتعكس هذه التحركات انتقال السعودية إلى مرحلة تعزيز الردع العسكري عبر توسيع شبكة تحالفاتها الدولية والإقليمية، بما يوحي باستعدادها لخيارات أكثر حزماً تجاه الحوثيين بدعم أميركي وإسناد سياسي وعسكري من حلفائها، في ظل تصاعد المخاوف من تنامي النفوذ الإيراني في اليمن.

الحوثيون.. ورقة إغلاق المضيق

يتمسك الحوثيون بخطوطهم الحمراء، عادّين تسيير رحلات جوية مباشرة مع طهران "خطاً أحمر" لا تراجع عنه، ومهددين بردع استباقي يشمل "شل" المطارات السعودية وإغلاق مضيق باب المندب إستراتيجياً حال التعرض لهذه الرحلات، مع رصد تنسيق متزايد مع حركة الشباب في القرن الإفريقي. 

وفي كلمه له الخميس 16 يوليو 2026، لوّح زعيم جماعة الحوثيين عبد الملك الحوثي باستهداف جميع المنشآت النفطية والحيوية والمطارات السعودية في حال انخراط الرياض في أي تصعيد عسكري جديد ضد الجماعة، مؤكداً أن معادلة الرد ستكون "المطارات بالمطارات والموانئ بالموانئ". 

كما اتهم السعودية بفرض حصار على اليمن والتحكم بمطاراته وموانئه وثرواته، معلناً تمسك الجماعة بمواجهة أي تصعيد، ومثمناً في الوقت نفسه الدعم الإيراني لكسر الحصار الجوي على اليمن.

داخلياً، يعزز زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي بقاء التنظيم عبر عقيدة "قادة الظل"؛ حيث عين أحد أقاربه خلفاً له في حال مقتله، بالإضافة إلى تعيين بدلاء في جميع المناصب الحساسة لضمان استمرارية القيادة في حال استهداف المسؤولين الحاليين. 

وعززت الجماعة جاهزيتها الميدانية بإسقاط طائرة استطلاع سعودية -بحسب إعلانها- ورفعت مستوى التنسيق مع حلفائها في المنطقة، وربطت أي تدخل أميركي مباشر في الحرب بتوسيع دائرة الصراع وزيادة قائمة الأهداف، في مؤشر على استعدادها لرفع مستوى التصعيد العسكري والإقليمي إذا اندلعت الحرب مجدداً.

وطبقا للكاتب اليمني، أحمد الشلفي، فقد أكدت مصادره الخاصة اكتمال استعدادات جماعة الحوثيين لمهاجمة حركة الملاحة عبر نشر صواريخ وطائرات مسيّرة بالقرب من مضيق باب المندب، وأن ممثلين عن الحرس الثوري الإيراني الموجودين في اليمن سيتولون الإشراف على قرار إغلاق المضيق وتحديد توقيت تنفيذه.

وتعكس هذه المؤشرات انتقال الحوثيين إلى إستراتيجية الردع الشامل، عبر التلويح بتوسيع نطاق الحرب إلى العمق السعودي والملاحة الدولية، مع تعزيز استمرارية القيادة ورفع الجاهزية العسكرية. كما تكشف عن تعاظم الارتباط الإستراتيجي بإيران، بما ينذر بتحول أي مواجهة مقبلة إلى صراع إقليمي واسع يتجاوز الساحة اليمنية.

إيران.. من هرمز إلى باب المندب

كشفت مصادر صحفية (ديلي تلغراف البريطانية) عن إستراتيجية إيرانية ممنهجة تهدف للسيطرة على الجانب الغربي للبحر الأحمر، وتكرار سيناريو "مضيق هرمز" عبر وكلائها (الحوثيين وحركة الشباب). وتتمحور هذه الخطة حول نقل تكنولوجيا الطائرات المسيرة والاستعداد لإغلاق الممرات المائية لخنق التجارة العالمية والضغط على الخصوم. 

كما كشفت مصادر لـ"رويترز" أن إيران طلبت من جماعة الحوثي الاستعداد لإغلاق مضيق باب المندب إذا استهدفت الولايات المتحدة البنية التحتية لشبكة الكهرباء الإيرانية. 

وأضافت المصادر أن الحوثيين نشروا صواريخ وطائرات مسيّرة قرب المضيق بانتظار أوامر التنفيذ، في خطوة قد تهدد الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة العالمية، وسط تنسيق وثيق بين طهران والجماعة بشأن أمن البحر الأحمر.

وتفصح هذه التسريبات عن تحول نوعي في وظيفة الحوثيين داخل الإستراتيجية الإيرانية؛ إذ لم يعودوا مجرد حليف محلي، بل أداة ضغط إقليمية يمكن استخدامها لتهديد أحد أهم الممرات البحرية في العالم. 

وهذا يفسر تصاعد الاهتمام الأميركي والسعودي باليمن، ويعزز فرضية أن أي مواجهة مقبلة مع الحوثيين ستكون مرتبطة بأمن البحر الأحمر بقدر ارتباطها بمستقبل الصراع اليمني نفسه.

وتقوم إستراتيجية إيران على الحفاظ على الجسر الجوي مع الحوثيين، وتعزيز قدرتها على استخدام باب المندب كورقة ضغط إستراتيجية موازية لمضيق هرمز، بما يسمح بتهديد الملاحة الدولية ورفع كلفة أي مواجهة عسكرية ضدها أو ضد حلفائها في اليمن.

إلى أين تتجه الأزمة؟

تشير التطورات الأخيرة إلى أن الأزمة اليمنية دخلت مرحلة مفصلية تختلف عن السنوات السابقة، في ظل تصاعد الضغوط العسكرية على إيران، وتنامي التوافق الأميركي–البريطاني على تحجيم نفوذها الإقليمي، بما في ذلك أذرعها المسلحة وفي مقدمتها جماعة الحوثيين.

كما توحي الاستعدادات السعودية، وتصاعد الحراك القبلي، بأن البيئة السياسية والعسكرية أصبحت أكثر تهيؤاً لإعادة رسم موازين القوى داخل اليمن إذا اتخذ قرار بالمواجهة.

ومع ذلك، فإن هذه المعطيات لا تعني بالضرورة أن نهاية الحوثيين أصبحت مسألة وقت، إذ لا تزال الجماعة تمتلك قدرات عسكرية، وتستفيد من تعقيدات الجغرافيا اليمنية، ومن احتمال استمرار أشكال مختلفة من الدعم الإيراني. 

في المقابل، فإن استمرارها بوضعها الحالي يبدو أكثر صعوبة في ظل اتساع الضغوط الداخلية والخارجية عليها، وتزايد القناعة لدى أطراف إقليمية ودولية بضرورة الحد من دورها العسكري والسياسي.

وبناءً عليه، تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لأحد مسارين: إما انطلاق مواجهة واسعة تهدف إلى إضعاف الحوثيين وإعادة تشكيل المشهد اليمني ضمن إستراتيجية أوسع لتحجيم النفوذ الإيراني، أو نجاح الضغوط والوساطات الإقليمية والدولية في احتواء التصعيد وفرض ترتيبات سياسية جديدة تؤجل الحسم العسكري. 

وحتى تتضح ملامح القرار النهائي، فإن مستقبل الأزمة لن تحدده الرغبة في الحرب أو السلام، بقدر ما تحدده نتائج الصراع على النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية؛ إذ لم يعد مستقبل جماعة الحوثيين مرتبطاً بقدرتها العسكرية وموقف الأطراف المحلية منها وحسب، بل بات مرهوناً كذلك بمآلات الصراع في الإقليم، وحجم التحولات التي يشهدها الموقف الدولي تجاه إيران وأذرعها المسلحة.


المصادر