زيارة منفية وتوتر مكتوم.. كيف أحرج نتنياهو الإمارات؟

"يملك نتنياهو تاريخا حافلا في مجال تسريب المعلومات"
بشكل مفاجئ، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه زار الإمارات سرا خلال الحرب مع إيران، حيث التقى الرئيس محمد بن زايد.
ووفقا لبيان صادر عن مكتبه في 13 مايو/ أيار 2026، "أسفرت هذه الزيارة عن انفراجة تاريخية في العلاقات بين إسرائيل والإمارات"، ولم تُنشر أي صورة للزيارة أو الاجتماع.
وتعد هذه هي المرة الأولى التي يُعلن فيها عن اجتماع بين الزعيمين، لكن الإمارات نفت ذلك في غضون ساعات، مؤكدة عدم انعقاد أي اجتماع من هذا القبيل وتؤكد أن علاقاتها مع إسرائيل علاقات مفتوحة، أُقيمت في إطار "اتفاقيات أبراهام"، ولا تقوم على السرية أو الترتيبات الخفية.
وفي تعقيبه على سلوك نتنياهو، يرى موقع "القناة 12" الإسرائيلية أن رئيس الوزراء يوظف سياسة التسريبات لخدمة معاركه الخاصة وأجندته السياسية، الأمر الذي يعرض العلاقات مع الإمارات لخطر حقيقي".

نهج معتاد
وقال الموقع: "مرة أخرى، عاود نتنياهو ممارسة طقسه المعتاد والمتمثل في الإعلان عن عقد لقاءات مع شخصيات عربية رفيعة المستوى، وهي لقاءات يفترض أصلا أن تحاط بالسرية التامة".
وأشار التقرير، على سبيل المثال، إلى تسريب لقائه مع سلطان عمان قابوس عام 2018، وكذلك لقائه مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عام 2020.
وعقّب قائلا: "يملك نتنياهو تاريخا حافلا بالطول في مجال تسريب المعلومات، فخلال فترة عمله الدبلوماسي في سفارة إسرائيل بالولايات المتحدة الأميركية، تعلم أن التسريب يمثل أداة رئيسة ومحورية لتحقيق الأهداف السياسية.
واستطرد: "ومنذ ذلك الحين، وظف نتنياهو هذا السلاح أكثر من أي سياسي آخر في تاريخ إسرائيل".
وقال التقرير: فعندما كان زعيما للمعارضة عام 1995، قام بتسريب ما يعرف باسم "وثيقة شتاوبر" من منصة الكنيست، وهي وثيقة شديدة السرية أعدها قسم التخطيط في الجيش على يد اللواء تسفي شتاوبر، وإن كان قد كتبها فعليا نائبه العميد شلومو بروم، وذلك تحضيرا لمباحثات بين رئيسي أركان الجيشين الإسرائيلي والسوري.
وأكمل: "كان الهدف من التسريب، بطبيعة الحال، إفشال المفاوضات من خلال اتهام حكومة إسحاق رابين بأنها تعتزم تقديم تنازلات في هضبة الجولان".
وعلى خلفية الحادثة، طلب عضو الكنيست ران كوهين من المستشار القانوني للحكومة ميخائيل بن يائير رفع الحصانة البرلمانية عن نتنياهو بتهمة انتهاك قانون العقوبات، غير أن المستشار رفض الطلب بحجة أن نتنياهو يتمتع بحصانة جوهرية يستفيد منها كل عضو كنيست.
بدورها، رفضت المحكمة العليا الالتماس الذي تقدم به كوهين، وعللت قرارها بأن نتنياهو لم يقم بالتسريب عن عمد سابق، بل جاء الأمر كرد فعل تلقائي خلال سجال دار في قاعة الهيئة العامة مع شمعون بيريز، ومن ثم فإن التسريب وقع في إطار أداء نتنياهو لواجباته البرلمانية.
من هنا، يرى الموقع أن "هذه القرارات إلى جانب رفض العديد من الالتماسات الأخرى المتعلقة بالتسريبات، منحت ضوءا أخضر للمسربين في الكنيست؛ إذ أصبح بإمكانهم الاعتماد على الحماية التي يوفرها قانون الحصانة".
وتابع: "وبعد عقدين من الزمن، وفي فترة وجوده مجددا في صفوف المعارضة، كان نتنياهو أول من أكد أن إسرائيل دمرت المشروع النووي السوري في سبتمبر/ أيلول 2007، رغم كل محاولات حكومة إيهود أولمرت لإبقاء الأمر سريا، بهدف عدم إحراج بشار الأسد وتجنب دفعه إلى الرد".
وأضاف أنه من بين التسريبات الشهيرة الأخرى في سجل نتنياهو، تبرز قضية تسريب العرض المرئي الخاص بالجيش الإسرائيلي، والذي عُرض خلال اجتماع المجلس الوزاري المصغر (الكابينت) أثناء عملية ما سميت بـ"الجرف الصامد" العسكرية في أغسطس/ آب 2014.
ارتياح سعودي
بصورة عامة، يرى التقرير أن "للتسريبات عدة أهداف، فهي تستخدم لتعزيز صورة السياسي، أو لإفشال خصم سياسي، أو لحشد الشرعية لسياسة معينة، أو لطرح فكرة ما كـ(بالون اختبار)".
وضرب مثالا على ذلك مشيرا إلى "قضية التسريب التي خرجت من مكتب نتنياهو لصالح صحيفة بيلد الألمانية عام 2024".
وبحسب تقارير إسرائيلية، جرى حينها تسريب وثائق استخباراتية عُثر عليها داخل غزة بهدف دعم موقف نتنياهو الرافض لتقديم تنازلات في صفقة التبادل، عبر الترويج لرواية مفادها أن حماس لا تسعى فعليا إلى اتفاق وأن السيطرة على محور فيلادلفيا ضرورية لمنع تهريب الأسرى.
واستدرك التقرير: "غير أن التحقيقات اللاحقة أشارت إلى أن بعض الوثائق عُرضت بصورة انتقائية أو جرى التلاعب بمضمونها لخدمة أهداف سياسية وإعلامية مرتبطة بتوجيه الرأي العام الإسرائيلي.
وأردف: "ويؤكد الصحفي ناحوم برنيع أن تسريب المواد المصنفة سرية للغاية للصحافة الأجنبية (جرى مرات لا تحصى في السابق)، غير أن نتنياهو أفرط في استخدام هذا الأسلوب في كل المناصب التي تقلدها".
أما التسريب المحدد المتعلق بزيارة نتنياهو إلى الإمارات، فيعتقد الموقع أنه "جاء بدافع التقديرات الشخصية والسياسية المرتبطة بالانتخابات المقبلة".
وعلى هذا النحو، لم يستبعد التقرير أن "يكون التسريب الذي سبقه بشهر كامل، والذي كشف لصحيفة وول ستريت جورنال عن قيام إسرائيل بإرسال منظومة القبة الحديدية إلى الإمارات مع طواقم تشغيلها، قد خرج هو الآخر من مصادر إسرائيلية رفيعة المستوى تخدم الأجندة ذاتها".
"وثمة سؤال مثير للاهتمام يطرح نفسه هنا: لماذا اختارت الإمارات إخفاء لقاء مع رئيس حكومة تجمعها ببلاده علاقات دبلوماسية علنية بالأساس؟"، قال التقرير.
وتابع: "تكمن الإجابة عن ذلك في حقيقة أن للإمارات مصالح مشتركة مع إسرائيل ضد إيران، غير أن السياسة العدائية التي تنتهجها حكومة نتنياهو -لا سيما في أراضي الضفة الغربية- جعلت منه شخصا منبوذا في العالم العربي".
ومع ذلك، أبدى التقرير استغرابه من "الكيفية التي تقع بها العواصم العربية مرارا وتكرارا في فخ اللقاءات السرية مع نتنياهو رغم سجله السلبي في هذا الملف".

أسباب جوهرية
وصنف الموقع هذه الحادثة كواحدة من أخطر التسريبات، وذلك بناء على ثلاثة أسباب جوهرية: "أولا، لأنها تضر بحليف واصل طوال الحرب التعاون مع إسرائيل وامتنع إلى حد كبير عن إدانتها، على عكس معظم الدول العربية التي استدعت بعضا من سفرائها".
ثانيا، يرى التقرير أن "الصراع بين السعودية والإمارات، كما ظهر خلال الحرب، كشف عن تعرض الأخيرة لهجمات بسبب علاقاتها مع إسرائيل، وبأن سياساتها تتوافق، وربما تتطابق، مع إسرائيل في ملفات إقليمية مثل الصوماليلاند والسودان وليبيا".
لذلك، حذر الموقع من أن هذا التسريب "يمنح دعما إضافيا لكل الاتهامات السعودية وغيرها ضد الإمارات".
وأردف: "يمكن تخيل ولي العهد السعودي وهو يشعر بالارتياح أمام تعثر خصمه الإماراتي".
وأخيرا، وهو الأهم بحسب التقرير، فإن "التسريب يضر بثقة الطرفين، وهي حجر الأساس في أي علاقة ثنائية، خصوصا بين القادة".
من جهته، علق المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي ورئيس برنامج الخليج في معهد دراسات الأمن القومي العبري، يوئيل غوزانسكي، إن "العلاقة بين إسرائيل والإمارات هي الأفضل التي جمعت إسرائيل على الإطلاق مع أي دولة عربية أخرى، لكننا نرى أيضا أن لهذه العلاقة حدودا".
ولا يبدو أن نتنياهو غرد خارج السرب، إذ ذكر التقرير أن "لدى قادة إسرائيل عبر التاريخ سجلا طويلا مع التسريبات".
وقال: "كان ليفي إشكول وشمعون بيريز ومناحيم بيغن وأريئيل شارون وغيرهم يلجؤون إلى التسريب بشكل متكرر".
ومن هذه الزاوية، شدد على أن "نتنياهو لا يعد استثناء، لكنه تجاوز الجميع".
وقد كتب الصحفي بن كسبيت عنه أنه "آلة التسريبات الأكثر تطورا منذ نشأة السياسة"، مؤكدا أنه يكتب ذلك "عن معرفة ومسؤولية، وأنا أدعوه إلى مقاضاتي".
خطر حقيقي
وحذر الموقع من أن التسريبات "يمكن أن تتسبب في أضرار واسعة في العلاقات بين الدول، وفي أسوأ الحالات، قد تؤدي إلى اغتيال شخصيات سياسية".
وضرب مثلا بـ"اغتيال رئيس لبنان بشير الجميل في سبتمبر/ أيلول 1982، إذ كان اغتياله مرتبطا، من بين أسباب أخرى، بتعاونه مع إسرائيل".
وأردف: "رغم أن الجميل وطائفة الموارنة المسيحية كرروا طلبهم الحفاظ على سرية هذا التعاون، فإن قادة إسرائيليين فضلوا التفاخر به علنا، وكانت الضربة الحاسمة نشر خبر لقائه مع بيغن قبل أيام من اغتياله".
وأشار إلى أنه "من أشكال الضرر الأخرى قطع العلاقات أو تجميدها، فبعد تسريب لقاء نتنياهو مع ولي العهد السعودي، نُشر أن ذلك (يضر بفرص تعزيز العلاقات بين البلدين في المستقبل القريب)".
وبحسبه، "أسفر ذلك عمليا عن إلغاء زيارات رئيس الموساد الأسبق يوسي كوهين إلى المملكة، وتجميد الاتصالات بين الدولتين لفترة من الوقت".
وذكر الموقع أن "ثمة نموذجا آخر يبرز في هذا الصدد، وهو التسريب الفج الذي قام به وزير الخارجية الأسبق إيلي كوهين بشأن لقائه مع وزيرة الخارجية الليبية (نجلاء المنقوش)، حيث سارع رئيس الحكومة الليبية (عبد الحميد دبيبة) حينها إلى نفي علم أو موافقة الحكومة على الخطوة".
وأضاف: "عقب التسريب، اضطرت الوزيرة وعائلتها إلى الهروب ومغادرة البلاد فورا، وبذلك أسدل الستار تماما على العلاقة الخاصة التي كانت في طور التشكل مع ليبيا".
وخلص التقرير إلى أن "القاسم المشترك بين هذه السلسلة من الحوادث هو تقديم المصلحة السياسية والشخصية الضيقة على حساب المصلحة الوطنية العليا".
واختتم بالقول: "إن السياسة هي فن الممكن، أما في حالة نتنياهو، فيبدو أن (في السياسة كل شيء ممكن)".
واستدرك: "لكن في الدبلوماسية هناك قواعد سلوك متعارف عليها لا يجوز تجاوزها، ويعد الإضرار بثقة الحلفاء واحدة من هذه القواعد، ومن لا يحترمها، لا يستحق أن يُحترم".

















