رغم التضامن الشعبي.. لماذا يخشى فلسطينيو بريطانيا إظهار هويتهم؟

حسن عبود | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على غزة، لم يبق أثره في بريطانيا محصورًا في المظاهرات والجدل السياسي؛ فداخل الجالية الفلسطينية، امتدت الحرب إلى تفاصيل يومية أقل ظهورًا: ما يُقال في أماكن العمل، وما يُنشر على وسائل التواصل، وما يُرتدى في الجامعة أو الشارع.

في بلد شهد موجات واسعة من التضامن مع غزة، يقول فلسطينيون: إنهم صاروا أكثر حذرًا في إظهار هويتهم، فلم يعد القلق مرتبطًا بالموقف السياسي الصريح فقط، بل بإمكانية أن تُقرأ الكوفية أو العلم أو القلادة بصفتها علامة تستدعي الشكوى أو المساءلة.

الخوف اليومي

يبدأ الخوف من تفاصيل تبدو صغيرة: لبس الكوفية في الطريق إلى العمل، تعليق دبوس بطيخ (يستُخدم رقميًا بوصفه رمزًا لفلسطين)، وضع علم صغير على حقيبة أو مكتب، أو نشر رسالة عن غزة ثم حذفها خشية أن تُفهم خارج سياقها.

هذه الأفعال ليست كبيرة في ذاتها، لكنها تكشف كيف تتحول الرقابة الذاتية إلى عادة يومية؛ حيث يشعر الفلسطيني أن أي إشارة إلى هويته قد تُحمّل أكثر مما تحتمل، ويصبح الصمت خيارًا وقائيًا.

تقول مديرة اللجنة الفلسطينية البريطانية، سارة الحسيني لصحيفة الغارديان: إن بعض الفلسطينيين في المملكة المتحدة صاروا يترددون في ارتداء الكوفية أو رموز البطيخ أو حُليّ تحمل اللغة العربية أو فلسطين، خشية أن تُفسر بطريقة عدائية داخل العمل أو الأماكن العامة.

لا تقدم الحسيني المسألة كخلاف سياسي فقط، بل كإحساس بأن الحزن الفلسطيني نفسه صار يحتاج إلى تبرير في أماكن العمل والدراسة.

فالفلسطيني الذي يتحدث عن غزة قد يجد نفسه مطالبًا، قبل أي شيء، بإثبات أن حزنه ليس تهديدًا، وأن انتماءه ليس تهمة.

وتزداد حدة هذا الشعور لدى من تربطهم بغزة علاقة عائلية مباشرة، والذين قد يتحول حزنهم على أوضاع عائلاتهم في الداخل إلى خوف من الملاحقة والمساءلة أو الطرد من العمل.

وتقول اللجنة الفلسطينية البريطانية: إن هذه الجالية تواجه آثارًا مركبة للحرب، من الصدمة والانفصال العائلي إلى النزوح والحاجة إلى دعم وتمثيل أفضل داخل المجتمع البريطاني.

ولا يحدث هذا الخوف في فراغ، فقد سجلت Tell MAMA، وهي منظمة ترصد الكراهية ضد المسلمين في بريطانيا، ارتفاعًا قياسيًا في البلاغات خلال عام 2024، وربطت جانبًا من هذا التصاعد بتداعيات حرب غزة على الخطاب العام، خصوصًا عبر الإنترنت.

ومع أن بريطانيا تشهد تضامنًا شعبيًا واسعًا مع الفلسطينيين، فإن الخوف الذي تصفه الشهادات لا يأتي دائمًا من الشارع، فأحيانًا يحدث من احتمال أن يقرأ مدير أو جامعة أو مؤسسة صحية أو جهة مهنية، الرمز الفلسطيني بطريقة مختلفة.

عند هذه النقطة، لا يعود السؤال عن الموقف من الحرب فقط، بل عن المساحة المتاحة للفلسطيني كي يظهر بهويته من دون أن يعرّض عمله أو دراسته أو سمعته للخطر.

كلفة التعبير

لا تنشأ الرقابة الذاتية من فراغ، فهي تتغذى من حالات ملموسة يتعلم منها الآخرون أن التعبير عن فلسطين قد يتحول إلى حالة فصل إداري أو مهني. 

في القطاع الصحي، برزت قضية الممرض البريطاني الفلسطيني أحمد بكر الذي طلبت منه إدارة مؤسسة Barts Health NHS الصحية التي تدير عددًا من مستشفيات شرق لندن، إزالة خلفية مكالمة فيديو يظهر فيها وعاء فاكهة يحتوي على بطيخ، لأنها قد تُفهم بوصفها رمزًا سياسيًا أو "معاديًا للسامية". 

بكر كان من بين عاملين صحيين طعنوا قانونيًا في سياسة المؤسسة التي تحظر الرموز السياسية أو الوطنية في أماكن العمل المادية والرقمية. 

وادعت المؤسسة أن هدفها الحفاظ على بيئة رعاية محايدة وآمنة، بينما رأى الطاعنون أن السياسة تُطبّق بصورة تمييزية، خصوصًا مع السماح سابقًا برموز تضامن أخرى حين تعلق الأمر بأوكرانيا.

في الجامعات، تبدو المسألة أوسع، إذ كشفت الغارديان وLiberty Investigates (وحدة صحافة استقصائية بريطانية) في 2025 أن جامعات في المملكة المتحدة فتحت تحقيقات تأديبية بحق طلاب وموظفين بسبب نشاطات مؤيدة لفلسطين منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. 

وفي متابعة لاحقة، أفادت التحقيقات بأن 37 جامعة من أصل 154 أطلقت إجراءات تأديبية بين أكتوبر 2023 ومارس/آذار 2025، تأثر بها ما يصل إلى 200 طالب وموظف. كما أظهرت وثائق أن بعض الجامعات استخدمت شركات أمن خاصة وراقبت مجموعات طلابية أو محادثات مرتبطة بالاحتجاجات.

وتعطي قاعدة "مؤشر القمع في بريطانيا"، التي أعدها مركز الدعم القانوني الأوروبي ELSC بالتعاون مع Forensic Architecture (مجموعة بحثية متعددة التخصصات في لندن)، صورة أكثر اتساعًا لهذا النمط. 

فقد وثّقت القاعدة 964 حادثة بين يناير/كانون الثاني 2019 وأغسطس/آب 2025، شملت طلابًا وأكاديميين وعاملين وناشطين وصحفيين وفنانين وقفوا مع فلسطين. 

ويعرض التقرير هذه الحالات كسلسلة من الضغوط: تشويه واتهامات، تهديدات قانونية، تحقيقات وعقوبات مهنية، وصولًا إلى الفصل أو الاعتقال أو إلغاء التأشيرات أو التجميد المالي في بعض الحالات.

وأيضا يقدم القطاع الثقافي مثالًا واضحًا على انتقال الضغط من السياسة إلى الفن، ففي مانشستر، ألغى مركز HOME الفني فعالية أدبية بعنوان "أصوات الصمود" كانت مخصصة لكتابات من غزة.

وجاء ذلك بعد رسالة من المجلس اليهودي المحلي في المدينة تضمنت اتهامات لأحد المشاركين واعتراضًا على استخدام كلمة "إبادة جماعية". وأثار القرار احتجاجًا واسعًا بين الفنانين، قبل أن يعتذر المركز ويعيد الفعالية.

حتى العمل الخيري لم يبقَ خارج هذه الدائرة، فقد ذكرت الغارديان أن حسابات مصرفية لمجموعات مؤيدة لفلسطين، بينها  “أصدقاء فلسطين” في مانشستر والحملة الاسكتلندية للتضامن مع فلسطين، جُمّدت في 2025، ما أعاق إرسال مساعدات وجمع تبرعات. 

من التشهير إلى التحقيق

لا تبدأ كلفة التعبير دائمًا بقرار رسمي أو عقوبة مباشرة، ففي كثير من الحالات التي وثقها مركز الدعم القانوني الأوروبي بالتعاون مع Forensic Architecture، يبدأ المسار من نقطة أصغر: منشور عن غزة، رمز فلسطيني، فعالية ثقافية، أو احتجاج جامعي. 

بعدها تُعاد قراءة الفعل في إطار قانوني أو إعلامي يربطه بـ"معاداة السامية"، أو “دعم الإرهاب”، أو خرق قواعد "الحياد" داخل المؤسسة.

تتحرك المؤسسة غالبًا بعد هذه المرحلة لا بوصفها طرفًا سياسيًا مباشرًا، بل بزعم تجنب المخاطرة والخوف من الاتهام بالتساهل مع ما تطلق عليه خطابات كراهية.

ويصف تقرير ELSC/Forensic Architecture هذه العملية بأنها شبكة متعددة المواقع، لا قرارًا صادرًا من جهة واحدة. 

فالاتهامات الإعلامية والقانونية تعيد تشكيل معنى التضامن مع فلسطين، ثم تتولى المؤسسات التعليمية والصحية والثقافية وأماكن العمل ترجمة هذا الضغط إلى إجراءات عملية عبر إلغاء فعالية أو فتح تحقيق أو تعليق نشاط، أو وضع قيود على الرموز والكلمات.

الأكثر أهمية في هذا المسار أنه لا يحتاج دائمًا إلى عقوبة نهائية كي يحقق أثره، فمجرد معرفة الطلاب أو الموظفين أو العاملين الصحيين أن منشورًا أو رمزًا قد يفتح باب شكوى أو تحقيق يكفي لدفع آخرين إلى الرقابة الذاتية. 

وهو ما يطلق عليه التقرير وصف "الأثر التجميدي": أن يختار الناس الصمت قبل أن يُطلب منهم ذلك رسميًا.

في قلب هذه الشبكة يرد اسم منظمة "محامون بريطانيون من أجل إسرائيل" UKLFI، بوصفها إحدى جماعات الضغط القانونية البارزة. 

وبحسب تقرير ELSC، تستخدم المنظمة خطابات قانونية وشكاوى رسمية للضغط على مؤسسات تعليمية وثقافية وصحية، مستندة إلى قوانين المساواة و"مكافحة الإرهاب" وسياسات السلوك المؤسسي.

وتقول تقارير اعتمدت على قاعدة ELSC/Forensic Architecture: إن اسم هذه المنظمة ورد في 128 حادثة موثقة، عبر شكاوى وخطابات أُرسلت إلى مدارس وجامعات ومستشفيات ومؤسسات ثقافية. 

كما ظهر اسم المنظمة في قضية مؤسسة Barts Health NHS Trust، إذ قال محامو عاملين صحيين إن سياسة حظر الرموز السياسية أو الوطنية جاءت بعد شكوى من UKLFI.

لكن المسألة لا تقف عند منظمة واحدة، فالتقرير يشير إلى أدوات قانونية وسياسية أوسع تُستخدم في هذا السياق، بينها تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست IHRA لمعاداة السامية، وقانون الإرهاب البريطاني لعام 2000، وسياسات "الحياد" داخل المؤسسات. 

وتكمن المشكلة هنا في اتساع التأويل بحيث قد يُعامل انتقاد جرائم إسرائيل، أو استخدام رمز فلسطيني، بوصفه مخاطرة قانونية أو أمنية تستدعي تفسيرا أو دفاعا أو حذرا مهنيا.