القضية الفلسطينية وسط الحرب الإقليمية.. تسوية جديدة أم تراجع عميق؟

"حركة حماس تواصل العمل وفق منطق مختلف تماما"
خلال الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وما ترتب عليها من تداعيات إقليمية، تحول جزء كبير من الاهتمام الإقليمي والدولي نحو ضمان أمن مصادر الطاقة وإمداداتها للعالم، واحتواء إيران، وإعادة رسم توازنات القوى في المنطقة.
وجاء ذلك بعد سنوات طويلة جرى خلالها التعامل مع تسوية الملف الفلسطيني الإسرائيلي بصفته “مفتاح تحقيق الاستقرار الإقليمي”.
لكن هذا التحول، بحسب "معهد دراسات الأمن القومي" العبري، لا يعني تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية، بل يعكس تغيرا في طريقة التعامل معها.
ويرى المعهد أن "استمرار غياب الأفق السياسي قد يؤدي إلى تنامي توجه دولي نحو فرض تسوية، بدلا من الاكتفاء بوساطات سياسية لم تحقق نتائج حتى الآن".
وهو ما حذر منه التقرير، "فبالنسبة لإسرائيل، لا يقتصر الخطر على استمرار إدارة صراع قابل للانفجار في أي لحظة، بل يمتد أيضا إلى احتمال فقدان السيطرة على شروط أي حل نهائي مستقبلي".
تراجع عميق
وذكر المعهد أنه "على مدى عقود، كان يُنظر إلى الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي كقضية دولية مركزية، جرت محاولات تسويتها عبر الوساطات والمبادرات السياسية الإقليمية والدولية".
وتابع: "وحتى عندما فشلت عمليات التسوية، فإن الرغبة الدولية في مواصلة البحث عن حلول حافظت على مبدأ إمكانية حل هذا الصراع عبر المفاوضات السياسية".
وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى أن “المجتمع الدولي طرح، على مدى السنوات الماضية، عدة مبادرات لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بدءا من مبادرة السلام العربية عام 2002، مرورا بمؤتمر أنابوليس ومبادرة جون كيري، وصولا إلى (صفقة القرن) التي قدمها دونالد ترامب عام 2020”.
ورغم اختلاف هذه المبادرات، إلا أنه يرى أنها "قامت جميعا على مبدأ التوصل إلى تفاهم متبادل، بمشاركة أطراف إقليمية بارزة مثل مصر والسعودية والأردن".
ومع ذلك، قدر التقرير أن "هذه المقاربة بدأت تشهد تراجعا في ظل الحرب مع إيران".
وأضاف: “رغم أن السعودية ودول الخليج لا تزال متمسكة بحل القضية الفلسطينية، وربما بصورة أكبر مما كانت عليه قبل 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، إلا أن الحرب الأخيرة دفعت أولويات إقليمية أخرى، مثل مواجهة إيران وإعادة تشكيل توازنات المنطقة، إلى واجهة المشهد، ما قلل من مركزية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في رسم المسارات الإقليمية”.
علاوة على ذلك، لفت المعهد إلى غياب الفلسطينيين أنفسهم عن صدارة المشهد، قائلا: "في بعض الأحيان، تُتخذ إجراءات سياسية وأمنية دون مشاركة فلسطينية فعالة، وفي ظل غياب قيادة فلسطينية ينظر إليها بصفتها شريكا قادرا على إدارة عملية سياسية".
وفي هذا الإطار، أشار إلى أن "خطة ترامب المؤلفة من 20 نقطة، والمركزة على قطاع غزة، لم تتعامل مع السلطة الفلسطينية بصفتها طرفا أساسيا، ولم تشركها في إعداد الخطة، بل جرى النظر إليها، في أفضل الأحوال، كأداة يمكن أن تساعد في تنفيذها".
"كما أن القضية الفلسطينية غابت إلى حد كبير عن واجهة الأحداث منذ اندلاع الحرب مع إيران، ضمن سياق إعادة تشكيل ملامح الشرق الأوسط"، وفق رأيه.
من هنا، قدر المعهد أن "هناك قناعة تتبلور تدريجيا مفادها أن تسوية الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي لم يعد ممكنا تركها للطرفين المعنيين مباشرة، وأن الوساطات التقليدية لم تعد كافية لتحقيق اختراق حقيقي، ما يدفع باتجاه البحث عن بدائل أخرى".
وفي ضوء هذه المعطيات، يرى المعهد أن "السلطة الفلسطينية تعد الطرف الأكثر تضررا من هذا الواقع، بعدما كان ينظر إليها، منذ اتفاقيات أوسلو، بصفتها العنوان السياسي الرئيس لأي عملية تسوية".
فهي وفق تقديره "تواجه اليوم تراجعا عميقا في مكانتها وقدراتها، نتيجة تراكم عدة عوامل، من بينها الانقسام الفلسطيني الداخلي المستمر، وفقدان الأمل، وغياب رؤية سياسية موحدة بين الفصائل".
"إلى جانب تراجع الثقة الإقليمية، خصوصا الإسرائيلية، في قدرتها على العمل بصورة فعالة أو التحول إلى كيان دولتي قادر على إدارة شؤونه"، بحسب قوله.
وبناء عليه، برر المعهد “تقليص الاتصالات السياسية مع السلطة الفلسطينية، مقابل زيادة الاعتماد الإسرائيلي على القوة العسكرية في الضفة الغربية”.
بعبارة أخرى، يرى أن "السلطة الفلسطينية رغم استمرارها كهيكل إداري وأمن، إلا أنها باتت تواجه صعوبة متزايدة في تقديم أفق سياسي أو بعث الأمل لدى الفلسطينيين، فيما تنظر شرائح واسعة من الفلسطينيين إلى أجهزتها الأمنية بصفتها تخدم المصالح الإسرائيلية أكثر مما تخدم شعبها".

طرف فاعل
على النقيض من ذلك، أشار المعهد إلى أن حركة حماس "تواصل العمل وفق منطق مختلف تماما".
وأوضح مقصده قائلا: "فرغم الضغوط العسكرية والسياسية والإقليمية الكبيرة التي تتعرض لها، فإن الحركة تستفيد، إلى حد بعيد، من حالة الفراغ الناجمة عن التأخر في تنفيذ خطة ترامب ذات النقاط العشرين".
ويعتقد المعهد أنه "مع غياب جهة بديلة قادرة على فرض سيطرة فعلية على قطاع غزة، تتمكن حماس من كسب الوقت، الذي يعد بالنسبة إليها عنصرا حيويا، ما يمنحها فرصة للحفاظ على بقائها وإعادة تنظيم صفوفها وتعزيز قدراتها".
من جانب آخر، قدر أن "استمرار الحرب مع إيران، إلى جانب اللقاءات المتكررة التي يجريها نيكولاي ملادينوف، الممثل السامي (المفوض الأعلى) لـ(مجلس السلام) في غزة، مع الحركة، يعزز شعورها بأنها ما زالت طرفا فاعلا ومؤثرا".
وهكذا، تستطيع حماس -وفق التقرير- "تأجيل اتخاذ القرارات الحاسمة، دون الالتزام بالخطوات الجوهرية المطلوبة منها، والمتمثلة في نزع سلاح القطاع، وتفكيك البنية العسكرية، ونقل السلطة".
فضلا عن ذلك، يرى المعهد أن ما يزيد من قوة الحركة وصمودها هو "قدرة النظام الإيراني وحزب الله على الصمود بعد الضربات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران".
إذ إن ذلك "يمنح حماس وبقية أطراف (محور المقاومة) انطباعا بأن هذا المحور لا يزال قائما، وأن فرصة إعادة بناء قدراته ما زالت ممكنة". وفقا له.

تحديات متصاعدة
واستنادا إلى هذه المعطيات التي تشمل "تراجع مكانة السلطة الفلسطينية، واستمرار سيطرة حماس، إلى جانب غياب اهتمام إسرائيلي جدي بالتوصل إلى تسوية، والتركيز بدلا من ذلك على احتواء الطموحات الوطنية الفلسطينية"، رجح المعهد "حدوث تحول في طبيعة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي".
وتابع: "إذ بدلا من النظر إليه بصفته نزاعا قابلا للتسوية السياسية، يجري تكريس واقع يقوم على إدارة صراع مفتوح إلى أجل غير محدد، يستهلك موارد ضخمة ووقتا طويلا من المجتمع الدولي، دون وجود مسار سياسي واضح للحل".
في موازاة ذلك، رصد المعهد "تصاعد الانتقادات الدولية الموجهة إلى إسرائيل، في ظل تنامي الشكوك بشأن جدية نواياها في التوصل إلى حل للصراع مع الفلسطينيين".
وبحسب التقرير، فإن "الرأي العام في الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية الكبرى بات يتبنى بصورة متزايدة الرواية الفلسطينية المتعلقة بأسباب استمرار الصراع، وذلك رغم هجوم السابع من أكتوبر".
وأبرز المعهد "الاعتداءات المتكررة والخطيرة التي يتعرض لها الفلسطينيون في الضفة الغربية على يد مستوطنين، بما يشمل الاعتداءات على الأرواح والممتلكات"؛ حيث تسهم، وفقا له، في "تأجيج حالة الغضب الدولي تجاه إسرائيل".
والأكثر أهمية من ذلك، أن "الهجمات التي ينفذها يهود ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية تعزز أيضا الانطباع المتنامي في الغرب بأن إسرائيل تتحرك باتجاه فرض السيادة على الضفة الغربية، وأن (خطة الحسم) التي طرحها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش تطبق عمليا من قبل غالبية وزراء الحكومة".
وفي السياق ذاته، أشار التقرير إلى أن "القلق يزداد داخل العالم العربي من أن إسرائيل تسعى إلى إعادة رسم حدودها استنادا إلى مفهوم (إسرائيل الكبرى)".
وعليه، حذر التقرير من أن "اتساع هذه التوجهات قد يوفر غطاء شعبيا وسياسيا داخل الساحة الدولية لاتخاذ خطوات أكثر تشددا تجاه إسرائيل".
بالإضافة إلى ذلك، فإن "استمرار الصراع بصيغته الحالية، إلى جانب غياب الإرادة أو القدرة لدى الطرفين، الإسرائيلي والفلسطيني، على الدفع نحو تسويته؛ يقوض القناعة التقليدية بضرورة ترك مسار الحل بيد الطرفين المعنيين مباشرة".
وفي هذا الإطار، شكك التقرير في "قدرة ترامب، بعد انتهاء الحرب مع إيران، على مواصلة تجاهل الضغوط المتزايدة داخل الولايات المتحدة، وكذلك في الدول العربية التي ازداد تمسكها بالقضية الفلسطينية عقب الحرب، إضافة إلى الدول الأوروبية التي يحتاجها لتنفيذ خططه في قطاع غزة، وجميعها تطالب باتخاذ موقف أكثر حزما تجاه إسرائيل".
ونوه المعهد إلى أن "هذه المعطيات قد تعزز قناعة متزايدة داخل المنظمة الدولية بضرورة الدفع نحو حل للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، حتى وإن تعارض هذا الحل مع تطلعات الطرفين".
كما حذر من أن "استمرار الجمود السياسي، إلى جانب تنامي القناعة داخل شرائح واسعة من المجتمع الإسرائيلي، خاصة بعد 7 أكتوبر، بإمكانية تحقيق الأمن عبر السيطرة الطويلة على الفلسطينيين ورفض أي تسوية تتضمن تنازلات إقليمية؛ قد يضع إسرائيل، بعد الحرب مع إيران، أمام تحديات متصاعدة على ثلاثة مستويات تمس أمنها القومي بصورة مباشرة".
وأوضح المعهد هذه التحديات: "فعلى الصعيد الداخلي، قد يؤدي ذلك إلى تعميق الانقسامات الجوهرية داخل المجتمع الإسرائيلي، في ظل اعتقاد قطاعات واسعة بأن استمرار غياب حل للقضية الفلسطينية يقوض الطابع الديمقراطي للدولة وأسلوب الحياة الديمقراطي فيها".
أما على المستوى السياسي، فتوقع أن "تتزايد حدة الانتقادات الدولية وتحميل إسرائيل مسؤولية استمرار الصراع وعدم التوصل إلى تسوية".
وفي الجانب الأمني، حذر المعهد من "تصاعد موجات عنف متفرقة وغير منظمة قد تمتد تدريجيا في أنحاء الضفة الغربية ومناطق أخرى".
فرض التسوية
ولمواجهة هذه التحديات، أوصى التقرير بـ"ضرورة منع انهيار السلطة الفلسطينية اقتصاديا، والحفاظ على التنسيق الأمني مع أجهزتها الأمنية، إلى جانب تخفيف الأعباء الاقتصادية عن الفلسطينيين".
كما دعا إلى "إعادة تبني فكرة السعي نحو السلام، بصفتها جزءا أساسيا من العقيدة الأمنية الإسرائيلية منذ تأسيس الدولة، والتي حققت مكاسب سياسية وأمنية ملموسة على مدار عقود".
وشدد المعهد أيضا على ضرورة التمييز بين حماس التي وصفها بأنها "حركة دينية متطرفة"، وبين السلطة الفلسطينية التي اعتبرها "جهة شرعية وبراغماتية يمكن التوصل معها إلى ترتيبات سياسية".
علاوة على ذلك، حذر من أن "استمرار الانسداد السياسي قد يؤدي إلى إعادة توحيد الساحة الفلسطينية بين فتح وحماس، بما يفضي في النهاية إلى غياب طرف فلسطيني معتدل يمكن التنسيق أو التفاوض معه".
كذلك، أوصى التقرير بـ"توسيع الاتصالات والتعاون مع مصر والأردن ودول الخليج، بهدف تعزيز دورها في دعم أداء السلطة الفلسطينية، والعمل على تنفيذ خطة تشمل نقل السيطرة على قطاع غزة إلى السلطة الفلسطينية، بجعل ذلك خطوة أساسية نحو استقرار الساحة الفلسطينية بعد حرب امتدت لنحو ثلاث سنوات".
وفي ختام حديثه، رجح أن "تعود القضية الفلسطينية إلى صدارة الأجندة الإقليمية والدولية بعد انتهاء الحرب مع إيران، لكن في سياق مختلف عن السابق، بحيث لن ينظر إليها بوصفها ملفا يخضع لوساطات طويلة الأمد، بل بوصفها قضية تستوجب تدخلا مباشرا".
ولفت إلى أنه "في مثل هذا السيناريو، قد لا تقبل الأسرة الدولية، والدول العربية الساعية إلى التطبيع مع إسرائيل، وربما حتى الولايات المتحدة، باستمرار إدارة الصراع بالشكل الحالي، وقد تتجه نحو استخدام أدوات ضغط، وربما فرض تسوية بالقوة".
"وهو ما قد يعني بالنسبة لإسرائيل فقدان القدرة على صياغة شروط أي حل مستقبلي للصراع". وفقا للمعهد العبري.

















