صحيفة إسبانية: هكذا تدفع ألمانيا ثمن دعمها للإبادة الإسرائيلية في غزة

"الضغوط الشعبية دفعت برلين إلى تعليق صادرات الأسلحة مؤقتا لإسرائيل قبل استئنافها عقب وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025"
منذ تأسيس الكيان الإسرائيلي، قدّمت ألمانيا له دعما اقتصاديا وعسكريا بالغ الأهمية إلى جانب مساندة دبلوماسية واسعة.
غير أن تأييدها غير المشروط للحكومة الإسرائيلية الحالية، حتى في ظل الإبادة الجماعية الجارية في غزة، ألحق ضررا غير مسبوق بصورتها، سواء على المستوى الدولي أو داخل ألمانيا نفسها.
وفي مقابلة حديثة أُجريت معه عقب صدور كتابه “فك الارتباط: هندسة الإبادة الجماعية”، طرح المهندس المعماري الإسرائيلي إيال وايزمان سؤالا لافتا: “كيف يمكن أن يُتهم مدافع إسرائيلي عن حقوق الإنسان، ينتمي إلى عائلة نجت من المحرقة، بمعاداة السامية في ألمانيا؟ وكيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟”
وذكرت صحيفة “إل دياريو” الإسبانية أن الإجابة عن هذا السؤال ليست بسيطة، إلا أن إلقاء نظرة موجزة على العلاقة الخاصة التي تشكّلت بين ألمانيا وإسرائيل منذ المحرقة قد يساعد على كشف بعض الجوانب المهمة الكامنة وراءه.
ويُعد الدعم غير المشروط لإسرائيل من أبرز مرتكزات السياسة الخارجية الألمانية؛ إذ تنظر إليها برلين بوصفها الممثل الشرعي للمجتمع اليهودي.
ولا يقتصر هذا الالتزام على “الدفاع عن حق إسرائيل في الوجود أو ضمان أمنها”، بل يمتد، كما أظهرت السنوات الأخيرة، إلى مساندة نظام الفصل العنصري في الضفة الغربية والإبادة الجماعية في قطاع غزة.
:format(jpg)/f.elconfidencial.com%2Foriginal%2Fde5%2F37b%2F05d%2Fde537b05deccd0728aaef39f76075aa5.jpg)
دعم اقتصادي وعسكري
ونقلت الصحيفة أنه في سنة 1952، قدمت جمهورية ألمانيا الاتحادية مساعدات كبيرة لإسرائيل، تعادل حوالي تسعة مليارات دولار بقيمة اليوم، على مدى 12 عاما، في محاولة للتعويض عن مسؤوليتها في المحرقة.
وبفضل هذه المساعدات، أصبحت جمهورية ألمانيا الاتحادية الشريك التجاري الرئيس لإسرائيل، متفوقة حتى على فرنسا والولايات المتحدة، في السنوات الأولى لقيام الكيان.
وكان هذا الدعم حيويا لتعزيز اقتصادها وتسهيل استيعاب مئات الآلاف من اليهود الذين وصلوا إليها في العقود التي تلت تأسيسه.
دخلت العلاقات الثنائية مرحلة جديدة بعد أزمة السويس سنة 1956، حين تعهدت سلطات ألمانيا الغربية بتقديم مساعدات عسكرية قيّمة، شملت دبابات ومروحيات وأسلحة متنوعة، للعدوان على مصر بقيادة جمال عبد الناصر.
وقد أُبقي هذا الاتفاق سرا لسنوات لمنع منظمة الدول المصدرة للنفط، أوبك، من الرد بتقييد مبيعات النفط.
وأخيرا، في سنة 1965، أقامت الدولتان علاقات دبلوماسية كاملة، مما دفع معظم العالم العربي إلى قطع العلاقات مع بون، عاصمة جمهورية ألمانيا الاتحادية.
من جانبها، أظهرت جمهورية ألمانيا الديمقراطية باستمرار تضامنها مع حركة التحرير الوطني الفلسطيني.
بعد سقوط جدار برلين وإعادة توحيد ألمانيا، أصبح الدعم الثابت لإسرائيل "مسألة ذات أهمية وطنية"، وهو أمر أعلنته المستشارة أنجيلا ميركل أمام الكنيست، البرلمان الإسرائيلي، في سنة 2008.
واتفقت الأحزاب السياسية الرئيسة، بما في ذلك حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف، على ضرورة ضمان أمن إسرائيل ضد التهديدات الخارجية.
ونوّهت الصحيفة إلى أن هذه العقيدة أغفلت حقيقة أن إسرائيل، بصفتها القوة المحتلة لغزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، هي التي شكلت تهديدا لاستقرار الشرق الأوسط بسبب محاولتها فرض دولة إسرائيل الكبرى بالقوة المسلحة بين نهر الأردن والبحر المتوسط على حساب الحقوق الوطنية الفلسطينية.

شراكة في الإبادة
في أعقاب السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، زار كبار القادة الألمان إسرائيل للتعبير عن تضامنهم وتأكيد حقهم في الدفاع عن النفس، بمن فيهم رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين.
واستند المستشار أولاف شولتز إلى مسؤولية ألمانيا التاريخية ليجدد دعمه غير المشروط للإبادة الإسرائيلية ضد غزة والتزم الصمت المتواطئ إزاء التدمير الممنهج للبنية التحتية المدنية والتهجير القسري لمليوني فلسطيني في قطاع غزة.
كما التزم الصمت إزاء قطع الإمدادات الغذائية والمائية والدوائية الذي كان جزءا من العقاب الجماعي ضد سكان غزة، وجريمة حرب صريحة بموجب اتفاقيات جنيف لسنة 1949.
وفي السابع من تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، أصدر البرلمان الألماني قرارا بعنوان "لن يتكرر هذا أبدا"، ساوى فيه بين أي انتقاد إسرائيل أو الصهيونية وبين معاداة السامية.
وقد أتاح هذا القرار حظر المظاهرات التضامنية مع فلسطين وإلغاء المؤتمرات والندوات المتعلقة بالوضع في الشرق الأوسط، بما في ذلك تلك التي كان يُلقيها إيال وايزمان نفسه والمقررة الخاصة للأمم المتحدة، فرانشيسكا ألبانيز.
وبذريعة الحفاظ على ذكرى المحرقة، جرّمت ألمانيا الأصوات التي تُدين نظام الفصل العنصري في الضفة الغربية والإبادة الجماعية في غزة.
ووفقا لهذه العقيدة، يجب عدّ اليهود ضحايا أبديين، وبالتالي لا يمكنهم أبدا أن يتقمصوا دور الجناة، وهو ما يمنحهم عمليا ضوءا أخضر لمواصلة التطهير العرقي وتهجير السكان الفلسطينيين من ديارهم.
عموما، تشير كل الدلائل إلى أن معاداة السامية في الماضي قد استبدلت برهاب الإسلام في الحاضر؛ حيث يحرم الفلسطينيون من مكانتهم كضحايا.

دعم غير مشروط
لا يقتصر الدعم غير المشروط الذي تقدمه ألمانيا لإسرائيل على الساحة الداخلية، بل اتخذ أيضا سلسلة من القرارات على الصعيد الدبلوماسي بهدف حماية إسرائيل من المساءلة.
وعندما رفعت جنوب إفريقيا دعوى أمام محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل في ديسمبر/ كانون الأول 2023 متهمة إياها بارتكاب إبادة جماعية، أعلنت ألمانيا أنها ستتدخل أمام المحكمة في لاهاي للدفاع عن إسرائيل.
وفي الاتحاد الأوروبي، استخدمت برلين حق النقض ضد أي عقوبات تُفرض على إسرائيل بسبب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها في غزة خلال العامين والنصف الماضيين.
عندما طالبت إسبانيا وأيرلندا وسلوفينيا بتعليق اتفاقية الشراكة في شباط/ فبراير سنة 2024 بسبب انتهاكات إسرائيل المتكررة لحقوق الإنسان، عرقلت ألمانيا هذه المبادرة.
وليس هذا فحسب، بل أصبحت ألمانيا شريكا ضروريا في الإبادة الجماعية، بصفتها ثاني أكبر مورد للأسلحة لإسرائيل بعد الولايات المتحدة.
وتزود ألمانيا إسرائيل حالياً بنسبة 30 بالمائة من الأسلحة التي استخدمتها لتدمير قطاع غزة تدميرا كاملا وقتل ما لا يقل عن 73 ألف فلسطيني.
وخلال العشرين عاما الماضية، باعت ألمانيا أسلحة بقيمة 3.6 مليارات دولار، استُخدمت لارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية لا حصر لها.
في المقابل، استمرّ الدعم السياسي والعسكري الذي تقدمه ألمانيا لإسرائيل، رغم تصاعد الانتقادات الدولية والداخلية.
وواصلت برلين دعمها لإسرائيل حتى بعد صدور تقرير للجنة مستقلة تابعة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2025، خلص إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في قطاع غزة.
وأضافت الصحيفة أن الضغوط الشعبية دفعت الحكومة الألمانية إلى تعليق صادرات الأسلحة مؤقتا، قبل استئنافها عقب إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025.
كما استمرّ التعاون السياسي بين ألمانيا والكيان، من خلال زيارة وزير الخارجية الألماني إلى إسرائيل وإعلان تقديم دعم مالي لمؤسسة "ياد فاشيم".
ونوهت الصحيفة إلى أن الموقف الألماني يعكس تغليب المسؤولية التاريخية تجاه إسرائيل على الالتزام بالقانون الدولي، وهو ما أدى إلى اتساع الفجوة بين الحكومة والرأي العام، وتزايد الانتقادات لموقف برلين على الساحة الدولية، وصولا إلى تراجع فرصها في الفوز بمقعد غير دائم في مجلس الأمن.















